جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات

القضاء في الاسلام ودوره في تعزيز الحكم الرشيد

القضاء في الاسلام ودوره في تعزيز الحكم الرشيد
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

مقال بعنوان / القضاء في الاسلام ودوره في تعزيز الحكم الرشيد

يعتبر القضاء في العهد النبوي هو الأساس القويم لتاريخ القضاء في الإسلام، وهو حجر الأساس من الناحية التاريخية والناحية الموضوعية.

وكان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- هو القاضي الأول في الدولة الإسلامية، وهو أول قاضٍ في تاريخ القضاء الإسلامي، وكان القضاء الأمثل يتمثل فيه، وذلك نزولا عند  التكليف الإلهي له بذلك، وامتثالا للآيات القرآنية الكثيرة التي كلفته بهذه المهمة العظيمة، والوظيفة المقدسة قال الله تعالى: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما، (النساء، آية )، وقال تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم خرجا مما قضيت ويسلموا تسليما" (النساء، آية)، وكان رسول الله –صلى الله عليه وسلم-  هو المرجع الأول لحل جميع الخلافات التي تنشأ في مجتمع المدينة المنورة، وبين الفئات والطوائف والأديان، وذلك بمقتضى ما جاء في الوثيقة الدستورية التي كتبها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بين المسلمين وغيرهم بعد الهجرة مباشرة، وجاء فيها: (كل ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله –عز وجل- إلى محمد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- السيرة النبوية، ابن هشام.

لقد ظهر في العهد النبوي الاختصاص المكاني للقضاة، فقد ولى الرسول صلى الله عليه وسلم القضاء لغيره، فقد بعث معاذ بن جبل إلى اليمن وقال له: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضى بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في كتاب الله؟ قال: اجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضى رسول الله (سنن أبي داوود-الأقضية).

كما ظهر الاختصاص الموضوعي والنوعي، وذلك بتعيين القضاة للنظر في أمور معينة، أو في جميع الأحكام والحقوق، وهو ما تجلى في تعيين على وأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل، ومارسوا القضاء في الدماء والأموال والحدود والأحوال الشخصية في الزواج والطلاق. (الزحيلي، 1995)

كما ظهر الاختصاص الزماني والوقتي بتعيين قاضٍ للنظر في قضية واحدة، ثم تنتهي صلاحيته وتعيينه بعد النظر فيها، ومثال ذلك الطلب إلى عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر الجهني، وحذيفة بن اليمان بالنظر في مسألة معينة. (الزحيلي، 1995)

القضاء في عهد أبو بكر:

سار أبو بكر على درب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يتولى القضاء بنفسه أو يعهد به إلى غيره، ولكنه لم يعين قاضيا يختص بالقضاء وحده، وقد أناب عنه عمر بن الخطاب في قضاء المدينة، فقد روي أنه عندما تولى أبو بكر الخلافة قال لأبي عبيدة بن الجراح إنه لا بد لي من أعوان، فقال له أبو عبيدة أنا أكفيك المال، وقال عمر أنا أكفيك القضاء، فمكث عمر سنة لا يأتيه رجلان يختصمان. (تاريخ الطبري، الجزء الثالث، ص213).

القضاء في عهد عمر بن الخطاب:

إن التوسع الشائع في الخلافة وأعمال الولاة في الولايات الكبيرة والتطور الجديد في الدولة، كان باعثا للخليفة عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-أن ينظم الأمور ويتجاوب مع مقتضيات المصلحة العامة التي ينشدها الشرع والدين، فأصدر أمره بفصل أنواع الولايات عن بعضها البعض، وخص كل ولاية بشخص يتولى شؤونها، فأصب للقضاء ولاية خاصة، وسلطة مستقلة في بعض المدن والبلدان وأصدر أمره بفصل أعمال القضاة عن أعمال الولاة.

فكان عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- من عين القضاة المستقلين في الولايات، وخصهم بولاية القضاء وحدها وبشكل مستقل عن الأمراء والولاة، وجعل سلطة القضاء تابعة له مباشرة، وصار يراسل القضاة، ويسأل عنهم، ويطلب منهم مكاتبته والرجوع إليه في شئون القضاة، دون أن يتدخل الوالي في أعمالهم.

أما فيما يتعلق من القضايا بالحدود والقصاص فقد ظل الاختصاص به مقصورا على الخليفة وولاة الأمصار. (عبد الستار، 2009)

تميز القضاء في عهد عثمان بن عفان بأن خصص له درار للقضاء، بعد أن كان القضاء قبل ذلك يتم في المسجد.

القضاء في عهد على بن أبي طالب:

لقد كان الإمام على –رضي الله عنه- أول من وضع معظم أسس القضاء، وميز بين الحق والباطل في دعوى المتخاصمين التي أحبطت بكثير من الغموض والإبهام، وقد استطاع بأروع الأساليب أن يكشف الحق، ويزيح الالتباس، الأمر الذي أثار إعجاب علماء القانون والقضاة، ومنه استمدوا الكثير من المعلومات في التمييز بين الدعاوي ومعرفة الحق فيها.