جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات
أزمة مياه الصرف الصحي
الكاتب : عائد محمد محروق
إن عالم الأزمات عالم حي ومتفاعل، عالم له أطواره، وله خصائصه، وأسبابه، تتأثر به الدولة أو الحكومة كما يتأثر به أصغر كائن موجود في المجتمع البشري ولو أردنا تعريف الأزمة من ناحية اجتماعية لوجدنا بأنه توقف الأحداث المنظمة والمتوقعة واضطراب العادات مما يستلزم التغيير السريع لإعادة التوازن، ولتكوين عادات جديدة أكثر ملائمة.
مرّ قطاع غزة ولا يزال بالعديد من الأزمات الصعبة التي أثرت تأثيرا قويا على بعض مسارات الحياة الاجتماعية داخل قطاع غزة ونحن نعلم أن أبرز الأزمات التي مر بها قطاع غزة تتمثل في أزمة البطالة وأزمة الكهرباء وأزمة المياه وأزمة الرواتب وأمة مياه الصرف الصحي التي سنبرز الحديث عنها ههنا لأنها تفاقمت في الفترة الأخيرة مثلها مثل اخواتها من الأزمات الأخرى.
لو استعرضنا الحديث عن أزمة المياه الصحي لوجدنا أنها أزمة قديمة حديثة ولكنها كبرت حدتها وتأثيرها على المجتمع الغزي بعد أزمة تقليص خطوط الكهرباء والذي كان للسلطة الفلسطينية في رام الله دور كبير فيه.
إن أزمة مياه الصرف الصحي تعد اليوم كارثة بيئية خطيرة أصبحت تهدد البيئة البحرية والثروة السمكية والمياه الجوفية، نتيجة لتواصل ضخ المياه العادمة في البحر وفي برك تجميع مياه الصرف الصحي دون معالجة في ظل استمرار أزمة انقطاع التيار الكهربائي وتكمن المشكلة الحقيقة في أن البلديات غير قادرة على توفير الوقود اللازم لتشغيل مولدات كهرباء احتياطية بسبب العجز المالي مما يعطل عمل محطات المعالجة الأمر الذي يضطر هذه البلديات إلى ضخ المياه العادمة في البحر دون معالجة أيضا.
لقد وصفت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية أزمة مياه الصرف الصحي بغزة بأنها "قنبلة موقوتة" قد تنفجر على شكل مجموعة من الأمراض بالمنطقة، إذا لم يتم إنهاء المشكلة عبر زيادة حجم الكهرباء الموردة إلى قطاع غزة لتمكين محطة معاجلة المياه العادمة من العمل على مدار الساعة.
إن أزمة مياه الصرف الصحي لا تقتصر على تلويث شاطئ البحر فقط بل إن أي توقف لمحطة مركزية تضخ 40 ألف متر يوميا من مياه الصرف الصحي من الأحياء السكنية إلى برك التجميع والمعالجة ينذر بعودة هذه المياه إلى المنازل وإغراقها.
تمتد أزمة المياه العادمة إلى مناطق أخرى في قطاع غزة، فقرية أم النصر الواقعة على الحدود الشمالية للقطاع تعاني هي الأخرى من أزمات بيئية وصحية بسبب وجود تسعة أحواض لتجميع مياه الصرف الصحي في أراضيها إضافة لحوض عشوائي تم إنشاؤه وإحاطته بالسواتر الترابية لضمان عدم تسرب هذه المياه إلى المناطق السكنية المجاورة.
إن عدم معالجة هذه الأزمة سيؤدي إلى الإضرار بصحة السكان في القطاع نتيجة تلوث الهواء، كما سيؤدي إلى الإضرار بالخزان الجوفي بسبب تسرب المياه العادمة إليه، إضافة إلى إلحاق أضرار هائلة بالأراضي الزراعية القريبة من أحواض تجميع ومعالجة هذا النوع من المياه.
أيضا فعدم المقدرة على معالجة مياه الصرف الصحي بشكل عام سيؤدي إلى ضخ حوالي 110,000متر مكعب يومياً من مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى شاطئ البحر بشكل مباشر، مما سيؤدي إلى منع الاصطياف في البحر لهذا الموسم المتنفس الوحيد لسكان قطاع غزة المحاصر منذ اكثر من عشر سنوات.
ومن الطرق التي من الممكن ان نواجه بها أزمة مياه الصرف الصحي حاليا هي توفر الكهرباء اللازمة للمحطات للعمل على تحويل هذه المياه العادمة للبرك الخاصة بها وإعداد خطط ومشاريع تعتمد على إنشاء محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي، لإعادة استخدام هذه المياه في الزراعة, ومشاريع لها علاقة بتعظيم الاستفادة من هذه المياه العادمة.
بالإضافة لما تحدثنا عنه سابقا فإننا نجد أن الأزمة تتمثل في أحواض مياه الصرف الصحي العشوائية الواقعة في منطقة القرية البدوية شمال قطاع غزة، حيث شكلت أزمة ومعاناة كبيرة لدى سكان تلك المنطقة بما فيها منطقة بيت لاهيا وبيت حانون في أقصى شمال القطاع، حيث تُشكّل هذه البرك خطرًا كبيراً وداهماً على حياة الأهالي منذ سنوات طويلة، في ظل تكريس كافة الحلول والجهود لإيجاد حل والجدير ذكره أن هذه البرك تبعث الأمراض والأوبئة، ولاسيما الحشرات الضارة إضافة إلى ضخها لشاطئ البحر دون تكرير مسبق بسبب أزمة انقطاع الكهرباء التي تؤثر بشكل واسع على عملية التكرير المتواصلة للمياه والتي من شأنها التخفيف من تراكم الملوثات كما يعانى سكان المنطقة من تلك الأحواض، كما تعرضت منازلهم لغرق جراء انهيار أحد البرك وتدفق مياه الصرف الصحي اتجاه منازل الأهالي نتيجة ارتفاع منسوب المياه العادمة، الأمر الذي خلّف إصاباتٍ وحالات وفاة في صفوف النساء والأطفال.
ختاما يرى الباحث أن هذه الأزمة من الممكن حلها وبسرعة اذا توافرت الازمة لدي جميع الأطراف المعنية بحيث تتكاتف الجهاد وتتحد الأيادي من أجل مواجهة هذه الأزمة المستفحلة .
ومن أدوات حل هذه الأزمة هو حل أزمة الانقسام والكهرباء وزيادة عدد المضخات وزيادة عدد البرك ومحاولة الاستفادة من المياه العادمة بعد تكريرها في سقاية الأراضي الزراعية منها.
