جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات
القيادة وتقدير الموقف
الكاتب : عائد محمد محروق
يقول الشاعر: قدر لرجلك قبل العين موقعها فالعين تبصر مالا تبصر القدم، بيت الشعر هذا له دلالة واضحة على أهمية تقدير الموقف بأشكاله المختلفة للقيادة، فالقيادة وتقدير الموقف شيئيان متلازمان لا ينفكا عن بعضهما البعض إذ لا بد للقائد لتحقيق رؤيته ورسالته في الحياة أن يقوم بالعمل على الأهداف الاستراتيجية ولا بد للأهداف الاستراتيجية أن ترتبط بتقدير موقف لنجاح العملية ولتخطي المصاعب والمشاكل المحتملة التي تواجه القيادة في شتى مناحي عملها.
في مجتمعنا وواقعنا نلحظ أن هناك ضعف في تقدير الموقف بمختلف مستوياته لدى القيادة وهذا ينبع من قلة المتخصصين في تقدير الموقف وندرة الأبحاث والمراكز التي تعنى بتقدير الموقف لذا كان لا بد من تسليط الضوء على هذا الجانب في هذا المقال المتواضع لعل الفائدة تعم.
تنبع أهمية وتقدير الموقف للقائد في أنه يمكنه من اتخاذ القرار الصحيح ويعطيه القوة في الحفاظ على مقدرات الدولة ويحفظه من منطق التجربة والخطأ ونستطيع القول من خلال الأهمية بان التقدير أصبح شيئا واجباَ وركنا أساسيا من أركان نجاح تحقيق رؤية القيادة.
ولو أردنا تعريف تقدير الموقف لقلنا بأنه القدرة على توجيه القيادة نحو الرؤية الصحيحة لاتخاذ قرار يوازن بين الأهداف والنتائج وفقاً للإمكانيات والقدرات المتاحة, ولو استعرضنا مدرسة معاوية بن أبي سفيان في تقدير الموقف بشكل عام لوجدنا أنه قال ( أنا لا أضع سيفي في مكان يكفينيه سوطي، ولا أضع سوطي في مكان يكفينيه لساني، فإذا كان لابد من السيف فالسيف ) كما أن عبد الرحمن بن خلدون قال في إحدى كتبه ( الدولة تحتاج إلى السيف والقلم - المقصود القوة والقانون – في بداية نشأتها يكون احتياجها للسيف أحوج منه للقلم فإذا استقرت صار احتياجها للسيف والقلم متساويان فإذا استوت صار احتياجها للقلم أحوج منه للسيف فإذا ضعفت عاد احتياجها للسيف أحوج منه للقلم، وإذا أفرط الناس في استخدام القوة لاستعادة مجدهم اعلم أنهم في نهايتهم )
عندما نعرج فى الحديث عن مهارات القائد في تقدير الموقف نجد أنه يلزمه سعة إطلاع واسعة خاصة في مجال التاريخ والجغرافيا, يقول شارل ديغول: ( القائد الذي لا يستطيع أن يقرأ الخريطة سياسي فاشل ), وسعة الاطلاع تفيد القائد في عمق الاطلاع في المعلومات ليتمكن من قراءة ما بين السطور, ومن مهارات القائد اللازمة لتقدير الموقف أن يكون لديه القدرة على فهم التأثيرات المتبادلة للقرار وفهم البيئة المحيطة والمصالح والأحلاف والتخيل وتحليل الأبعاد وتقمص الشخصيات وأصحاب القرار في نمطية التفكير كما أنه يملك القدرة على الإبداع وطرح الحلول المنطقية.
يجدر بنا في هذا المقال عندما نتحدث عن مناهج البحث العلمي المطبقة في تقدير الموقف أن نذكرها وهي أربعة على الأغلب وهى المنهج التجريبي ويعني قياس الأحداث التاريخية السابقة والمطابقة عليها وهذا يؤخذ للاستئناس ولا يتم تقدير الموقف عليه ولا يتم البناء عليه, النوع الآخر هو المنهج التجريدي وهو أن تفكر داخل إطار فكري معين مثال: الأمة العربية ونقول لهم سنواجه إسرائيل فالأمر مرفوض لديهم لأنهم يضعون لأنفسهم قيود لعملية التفكير وهو أمر غير منطقي والمنهج الثالث هو المنهج الانتقادي وهو يجمع في تحليله بين المنهج التجريبي والمنهج التجريدي أما المنهج الأخير فهو منهجية التثليث وهو يعتمد على ثلاثة مناهج علمية تستخدم في تقدير الموقف وهي: المنهج التاريخي التحليلي للوصول لأصل الفكرة الذي يبحث في الأحداث التاريخية المشابهة ويسعى لاستخلاص العبر، المنهج الانتقادي ، منهج تحليل القوة وهو الذي يبحث في قوة أطراف معادلة الموقف ومدى تأثيرها على القرار السياسي.
ولو تحدثنا في مستويات تقدير الموقف لوجدنا أنها تنقسم إلى المستوى التكتيكي (تقدير موقف ساعة بساعة) ومن الممكن أن يكون تقدير للعمليات القتالية والمستوى الآخر هو المستوى العمليات (تقدير حرب) ومثال عليه، اتخاذ القائد لقرار في حال اغتيال أي شخصية تابعة له وسيكون الرد فوري ومناسب والمستوى الأخير هو المستوى الاستراتيجي ويشمل مجمل تقديرات الموقف الفرعية (قتالي، أمني، سياسي، ... إلخ ) وهذا قد يترتب عليه عمليات أخرى.
عندما نصول في أنواع تقدير الموقف فإنه يتنوع ما بين العناوين التالية, العنوان الأول هو تقدير الموقف الشخصي وهو عبارة عن مفهوم افتراضي يمثل درجة إعجاب الفرد بشيء أو كرهه له وعادة ما يكون الموقف صورة إيجابية أو صورة سلبية عن شخص ويمكن أن يكون للفرد مواقف إيجابية وسلبية للشيء نفسه ويمكن أن يتناقض الناس ويتصارعون تجاه موضوع معين مما يعني أنهم يمتلكون أراء إيجابية أو سلبية تجاه موضوع ما في نفس الوقت، تقدير الموقف الاجتماعي, النوع الآخر هو تقدير الموقف الأمني وهنا نذكر مثال في حالة حرب لابد من تقدير من يتحرك، وكيف سيتحرك، وكيفية المواجهة بطرح سيناريوهات, أما تقدير الموقف القتالي في مسرح العمليات فمثال عليه أنت كقائد لابد من قيامه بتقدير موقف قتالي في لحظة الحدث أما تقدير الموقف العسكري آخر فهو وهو أشمل من تقدير الموقف القتالي وهو عبارة عن لجنة أعلى من القيادة العسكرية لتقدير الموقف وهناك أنواع أخرى نذكرها على وجه الأمثلة لا الحصر وهى تقدير الموقف الاقتصاد وتقدير الموقف الدبلوماسي وتقدير الموقف التعبوي وتقدير الموقف السياسي وتقدير الموقف الاستراتيجي.
يجب على القائد أيضا معرفة عناصر تقدير الموقف وهي تقدير العدو وتقدير الذات وتقدير الإقليم وتقدير التحالفات وهذا الأمر ضروري ان يعلمه القائد ليستطيع صياغة تقدير موقف جيد.
أما مراحل تقدير الموقف فتنقسم إلى عدة مراحل أولاها مرحلة جمع المعلومات وثانيها مرحلة تحليل المعلومات وثالثها معالجة المعلومات ورابعها مرحلة رسم السيناريوهات ثم تقدير الموقف بشكل نهائي.
خُلاصة المقال بأنه يتوجب على القيادة الاهتمام بعلم تقدير الموقف ولا يد للقائد لنجاح رؤيته أن يهتم اهتماما كبيرا بتقدير الموقف وينفذ ذلك بمساهمة لجان متخصصة أو عبر مراكز أبحاث ودراسات عملية تكون أسس العمل فيها بشكل علمي وهذا الأمر يوجب أيضا العلم والمعرفة بأنواع تقدير الموقف ومستوياتها والمناهج المتبعة فيها.
ويرى الباحث أن هذا الأمر من ضروريات عمل القيادة في مجتمعنا الحاضر وخصوصا في ظل الواقع الاحتلالي والحصار الظالم الذي نعيشه والأزمات المتلاحقة التي بمجموعها تفرض علينا التكاتف والتعاون وإعداد تقادير مواقف دورية لنجاح رؤيتنا وحلمنا في تحرير الأرض من دنس الغاصبين.
