جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات

نحو أسلمة أنظمة الدول المعاصرة بتطبيق معايير الحكم الرشيد

نحو أسلمة أنظمة الدول المعاصرة بتطبيق معايير الحكم الرشيد
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

لا شك أن جدلية نظام الحكم وآلية اختيار الحاكم والأنموذج الأمثل للنظام السياسي من القضايا التي يجدر الخوض فيها نظرا لما تعانيه أمتنا الإسلامية من واقع مأساوي لا تزال ترزح تحته، منذ ما يربو عن مائة عام، رغم أن المسلمون الأوائل لم يواجهوا قضية الدولة بشكل مباشر زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك أن النظام الذي أقامه كان فريدا من نوعه، لأنه يختلف عن الدولة التقليدية التي نجد أن سطلتها تُفرض ولا مفر منها، فصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان انتمائهم طوعيا لا بالقهر، رغم المخاطر الكبيرة التي لحقت بهم كالانضمام للغزوات والسرايا، كان الشغف والالتحاق بالركب طوعا لا بالقوة، بل تعاقب أهل النفاق والشكوك في ولائهم بحرمانهم من هذه المشاركة وليس بإجبارهم عليها.

ويتربع التساؤل في خضم الوضع الجاري، هل نحن بحاجة لأسلمة أنظمة الدول المعاصرة بتطبيق مبادئ الحكم الرشيد، رغم أنه لم تـرد كلمة "دولة" في القرآن الكريم إلا مرة واحدة بصدد الحديث عن الفيء {كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ}؟

مارس سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في السنوات العشر له في المدينة كثيراً من سلطات الحكم، وأقام نموذجا فريدا لدولة تفوق ما قدمته أثينا في القديم، وما حاولته النظم السياسية حتى الآن، فضلا عن أن كافة الملابسات التي تكتنفها تجعلها تجربة فريدة لا تتكرر، ولا يمكن القياس عليها، وأقصى ما يمكن أن تقدمه هي أن تكون مصدرا لاستلهام القيم التي قامت عليها والتقاليد التي وضعتها. ونحن الآن نلحظ الاختلاف حول مفهوم السيادة في دار الإسلام القائم على مفهوم البيضة والعصمة، بمعنى أن سلطة الدولة تمتد حيث يشكل المسلمون أغلبية سكانية في أي منطقة بالعالم لضمان عصمة أنفس ودماء وأموال المسلمين، وبين النظام الدولي المعاصر القائم على الرقعة الجغرافية للدولة التي أقرت بحدودها هيئة الأمم المتحدة، كما أن هناك غياب مفهومي الوطن والمواطنة، فأدبيات دار الإسلام لا تتحدث مطلقا عن فكرتي الوطن والمواطنة إلا وفق الانتماء الديني، فهي تتحدث عن حقوق وواجبات المسلم أو الذمي أو المستأمن إزاء دار الإسلام أو نظام الحاكم، بينما تقوم فكرتا الوطن والمواطنة في الدولة الحديثة على الانتماء القومي أو الجغرافي بغض النظر عن موقف الفرد من الدين. علاوة على ذلك أن الأصل في دار الإسلام هو حالة الحرب، وديمومة الجهاد، الذي يعد حالة مستمرة لا تتوقف مادام هناك موانع ضد الدعوة الإسلامية خلاف النظام الدولي الحديث المنادي بالخضوع إلى حالة السلم التي فرضتها الدول العظمى ضمن مواثيق هيئة الأمم المتحدة. فالدولة الإسلامية لا تفصل بين الدين والسياسة، لأن الله هو الذي شرع الأحكام التي تنظم المجتمع الإسلامي، وطالَب المسلمين بتنفيذ هذه الأحكام، ومعاقبة المتمردين، بإقامة الحدود والقَصاص مِن المعتدين، وكل ذلك يحتاج إلى سلطة سياسية وتلك السلطة السياسية هي الدولة الإسلامية.

إذن لابد من مشروع أسلمة الدولة المعاصرة، لكن ليس بسن تشريعات إسلامية فحسب، إنما بإعادة إنتاج نظام معرفي إسلامي، وإعادة تشكيل أنماط المعيشة والعلاقات الاجتماعية بما يتوافق مع قيم الإسلام، وابتكار آليات للسوق وأدوات مالية توافق مبادئ الإسلام. كل ذلك يحتاج إلى تعبئة فكرية شاملة وقادرة على دمج قيم ومبادئ ومقتضيات الإسلام مع مقتضيات القانون الدولي، ولن تشرق الدولة المطبقة لمبادئ الحكم الرشيد إلا بنور العدل، وأن يمسك زمامها رشيد العقل، راسخ الإيمان بيوم الفصل.