جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات
استراتيجيات التفاوض منهج الصراع واستراتيجية التفتيت
الكاتب : علي أحمد سعد
لا تفاوض ناجح بدون استراتيجية علمية تقوم عليه , وفي الوقت نفسه ليست كل استراتيجية تفاوضية تعد مناسبة لكل قضية من القضايا التي يتم التفاوض عليها , بل إن طبيعة العلاقة بين أطراف القضية التفاوضية تلعب دورا مهما في اختيار هذه الاستراتيجية فالعملية التفاوضية تقوم أساسا على تحديد الموقف بين الأطراف , وفي الوقت نفسه فإنها عملية منظمة , لها شروطها ولها قواعدها ولها قوانين معينة مرسومة مسبقا, ويتحتم على من يرغب في خوضها الالتزام بتلك القواعد وتلك الشروط .
وللتسهيل فإنه يمكن القول إن طبيعة العلاقة بين طرفي التفاوض تحدد نوع المنهج المستخدم في العملية التفاوضية , والمنهج المستخدم يحدد الاستراتيجية المختارة , وعليه فإنه يمكن تنويع وتقسيم الاستراتيجيات وفقا للمناهج المختلفة للتفاوض , حيث تقتصر الاستراتيجيات على استراتيجية المصلحة المشتركة أي التعاون واستراتيجية الصراع القائمة على التنافس والعداء.
أما استراتيجية الصراع فإن جميع من يمارسونها في مفاوضاتهم سواء على المستوى الفردي للأشخاص أو على المستوى الجماعي للمنظمات والمؤسسات الحكومية وتبنيهم لها واعتمادهم عليها , إلا أنهم يمارسونها سرا وفي الخفاء معتمدين على قدرتهم على التمويه والخداع وعدم اظهار نوازعهم و ودوافعهم الحقيقية , بل انهم في ممارستهم للتفاوض بمنهج الصراع يعلنون انهم يرغبون في تعميق المصالح المشتركة ومن ثم فإن هذه الاستراتيجيات وخلفية العلاقات التاريخية بين هؤلاء الأطراف , ومهما كانت درجة هذه العلاقات ومهما اعتماد هؤلاء الأطراف في تفاوضهم على استراتيجيات الصراع الا انهم لا يعلنون ذلك ابدا , فإعلان استخدام هذه الاستراتيجيات يعد بمثابة اعلان لعدم خبرة او عدم كفاءة القائمين بعملية التفاوض.
إذ أن جزء كبير من مكونات هذه الاستراتيجيات يعتمد على الخداع والتمويه بل ان التشدق بالتعاون من أجل المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة كثيرا ما يكون الشرنقة التي تغلق استخدام الاستراتيجيات , ومن هذه الاستراتيجيات, استراتيجية التشتيت (التفتيت) و تفصيلها كالتالي:
استراتيجية التشتيت (التفتيت): وهي من اهم استراتيجيات منهج الصراع التفاوضية, حيث تعتمد عليها بشكل كبير الأطراف المتصارعة اذا ما جلست الى مائدة التفاوض , وتقوم هذه الاستراتيجية على فحص وتشخيص وتحديد اهم نقاط الضعف والقوة في فريق التفاوض الذي أوفده الطرف الاخر للتفاوض , وتحديد انتماءاتهم وعقائدهم ومستواهم العلمي والفني والطبقي والداخلي وكل ما من شأنه أن يصنفهم إلى شرائح وطبقات ذات خصائص محددة مقدماً , وبناء على هذه الخصائص يتم رسم سياسة ماكرة لتفتيت وحدة وتكامل فريق التفاوض الذي اوفده الطرف الاخر للتفاوض معنا والقضاء على وحدته وائتلافه وتماسكه وعلى الاحترام ليصبح فريقا مفتتا متعارضا تدب بين أعضائه الخلافات والصراعات ومن ثم يصبح جهدهم غير منسجم , ومن ثم يمكن التأثير على بعضهم وجذبهم للعمل معنا وتجنيدهم لصالحنا , والحصول منهم على البيانات والمعلومات غير المعروفة أو غير المعلومة لدينا , وفي الوقت نفسه معرفة من منهم لديه السلطة ومن منهم من المتشددين حتى يمكن عزلهم وتعديلهم أو استبدالهم بإثارة الفضائح والاشاعات حولهم والضغط على رؤسائهم للقيام بذلك .
والخلاصة فإنه عن طريق تفريع القضية التفاوضية وعناصرها ومكوناتها إلى أفرعها المتعددة وإلى جوانبها وابعادها التفصيلية العديدة والشكلية يتم تشعيب النقاط التفاوضية واضافة ابعاد ومجالات جديدة اليها , وتكون هذه التفاصيل والنقاط التفاوضية الجديدة بمثابة قضايا جديدة فرعية وتتمثل قمة النجاح في استخدام هذا الأسلوب في أن تصبح احدى النقاط الفرعية التي أهمية لها على الاطلاق هي محور التفاوض المهم الذي تتم وفقا له وتيسر في نطاقه الجلسات التفاوضية, وهذه الاستراتيجية تمتاز بانها من ضمن استراتيجيات الدفاع المنظم في حالة التعرض لضغط تفاوضي عنيف أو مبادرة تفاوضية جديدة لم نكن نتوقعها ولم نحسب حسابا لها , ومن ثم استخدام هذه الاستراتيجية كبديل عن رفض المبادرة حتى يتم حساب ابعاد هذه المبادرة , فاذا ما كانت مناسبة يتم قبولها والتفاوض بشأنها أما اذا كانت غير مناسبة فإنه يتم اجهاضها في مهدها واستخدام وسيلة التجاهل للتشتيت حتى تلفها فتائل النسيان .
