جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات
حرية التعددية الحزبية من المنظور الإسلامي
الكاتب : بشار يوسف رمضان أبو جزر
حرية التعددية الحزبية من المنظور الإسلامي.
الباحث: بشار يوسف رمضان أبو جزر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد.
كثيرة هي الأطروحات والرؤى الفكرية المتداولة في زماننا المعاصر , والتي بلغت من الكثرة حد التزاحم, فمن الفردية إلى الاشتراكية إلى العلمانية إلى القومية, كلها مدارس فكرية تنازعت السيادة على مر العقود المنصرمة, لتفرض نفوذها على أكبر مساحة ممكنة من هذه البسيطة.
وفي سبيل تحقيق هذه الغاية؛ اتخذت هذه المدارس الفكرية وسائل شتى لتحقيق الهدف المنشود, فكان أبرزها فكرة الأحزاب السياسية والتي في غالبها ينطلق كل منها من منطلق فكري يمثل إحدى المدارس الفكرية آنفة الذكر.
ولا يخفى أن فكرة الأحزاب السياسية في أساسها فكرة غربية صرفة, لم تكن معروفة أو يتداول ذكرها حتى في نظام الحكم الإسلامي, فهو نظام مستقل عن الأفكار السائدة في الغرب, المرجعية الفكرية العليا فيه لنصوص الوحي, والتي رسمت الخطوط العريضة لكل واحد من جوانب الحكم, فعلى صعيد المعتقد التوحيد هو العقيدة الرسمية للدولة ولا مجال للحديث عن الدعوة لمعتقد ينافيه ليحكم أو ينشر بين أفراد الشعب, وعلى صعيد التشريع فالمصدر الوحيد للتشريع هو الكتاب والسنة, وما يرتبط بهما من قياس أو إجماع أو شروح, وعلى صعيد اتخاذ القرارات فالشورى هي الطريقة التي نصت عليها نصوص الوحي الشريف.
وبالعودة إلى الحديث عن فكرة إنشاء الأحزاب السياسية في الإسلام فلا بد من التفريق بين أمرين, الأول: هو إنشاء الأحزاب قبل قيام الدولة الإسلامية المنشودة. والثاني: هو إنشاء الأحزاب بعد قيام دولة الإسلام.
أما الأول و هو إنشاء الأحزاب قبل قيام الدولة الإسلامية: فقد تعددت اجتهادات العاملين على الساحة الإسلامية, وبالغ البعض في التعصب لاجتهاده, حتى باتت هذه المسألة إحدى المسائل التي ساهمت بقوة في ظاهرة التشظي والتشرذم التي يعاني منها التيار الإسلامي العام.
فقد ذهب فريق إلى أنه في ظل التضييق على الدعوة والدعاة, وتسلط الجبابرة الطغاة, وانتشار الرذائل, وتراجع الفضائل, فإنه لا بد للعاملين لأجل دعوة الإسلام من موقف يميزهم عما هو سائد, موقف يضع حدًا للطغيان, ويرفع الظلم والسطوة عن الدعوة وحملتها, وهم إزاء ذلك أمام خيارين, الأول هو الخيار المسلح والذي جر على الأمة الويلات والنكبات, ذلك أنه نقل ساحة الحرب والمواجهة المسلحة مع كل ما هو غير إسلامي, نقلها إلى أرض المسلمين, فكانت الضحايا من المسلمين, والخسائر المادية في المسلمين, والتخلف والتأخر عن ركب الحضارة في جانب المسلمين, وكل ذلك بلا طائل أو نجاح يذكر. أما الخيار الثاني فهو: الانخراط في النظام السياسي وانشاء الأحزاب ولكن بمرجعية فكرية إسلامية, بهدف محاصرة الأفكار والمبادئ الدخيلة على المجتمع الإسلامي من جهة, ومن جهة أخرى الوقوف بوجه طغيان الحكام ورفع الظلم عن الدعاة وسائر العباد, فكان الخيار الثاني هو ما تبناه هذا الفريق ودعا إليه وأنشأ التأصيلات واستصحب القواعد الشرعية المتعلقة بالمصالح والمفاسد لبيان صحته وصوابيته, لا بل أن بعض هؤلاء الأفاضل بالغ أحيانًا وجعل من فكرة الحزبية السياسية فكرة اسلامية النشأة, ممثلا لذلك بموقف علي t من الخوارج قبل إعلانهم الحرب عليه, ولا شك أن هذا لَي لأعناق الحوادث التاريخية ودلالاتها, فحادثة نشأة الخوارج لا علاقة لها بفكرة الأحزاب السياسة المعروفة اليوم.(1)
وذهب فريق آخر إلى رفض فكرة انشاء الأحزاب السياسية(2) معللا موقفه بأن هذه الأحزاب سبب لتشرذم الأمة وضياع هويتها بن الشرق والغرب, وتسلبها استقلاليتها وتميزها, وتؤصل التبعية للقوى العظمى, فضلا عن كونها فكرة دخيلة على النظام الإسلامي لم تعرفها الدولة الإسلامية إلا في سنوات الضعف والهوان التي سبق سقوطها والذي كانت هذه الأحزاب سببًا مباشرًا في حدوثه, في إشارة إلى الأحزاب التي ظهرت في أواخر أيام الدولة العثمانية, وعليه فالواجب هو مقاطعة هذه الفكرة, لا بل العمل على تقويضها من خلال هجرها والتحذير منها, لا تعزيزها والانخراط فيها, ولعل من أبرز دعاة هذا الموقف هم أبناء الدعوات السلفية المتعددة , لا بل أن الإمام حسن البنا نفسه كان من أنصار هذا الموقف(3) وهو الموقف الذي خالفه فيه الإخوان في العقود التالية لوفاته رحمه الله حينما انخرطوا في العمل السياسي من خلال انشاء الأحزاب السياسية الإسلامية في ثمانينات القرن المنصرم.
وأمام هذه المواقف المتباينة من المسألة لا بد للباحث المتجرد أن يستقرئ الواقع والتجارب المحيطة, فالمسألة اجتهادية ولا نص صريح فيها يُرتكن إليه, فبالنظر إلى المسألة من منظور المصالح والمفاسد نجد أن المسألة لا تخلو من مصلحة فالوقوف بوجه التجبر والتفرد بالرأي والتسلط على مقدرات الأمة, ومحاولة كبح جماح الظلمة كلها مصالح تعود بالنفع على الأمة, وعلى صعيد المفاسد فإن تفرق الأمة إلى أحزاب والتعصب لها واتباع الأفكار الدخيلة الهدامة , جميعها مفاسد لا بد من درئها, وبإعمال القواعد الشرعية المتعلقة بتعارض المصالح والمفاسد, نجد أن الأصل هو : (درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة)(4), ولكن هذه القاعدة لها استثناءات, منها قاعدة (يرتكب الضرر الأدنى, لتحصيل المصلحة الأعلى)(5) ولا شك أن المفاسد آنفة الذكر من الممكن تلافيها من خلال إنشاء الأحزاب الإسلامية أو الوطنية الخالصة والتي لا تعارض في أفكارها الإسلام فكرًا وعقيدًة, ولا تتبع لتيارات فكرية خارجية, وكذلك فإن فكرة إنشاء التحالفات السياسية بين الأحزاب من الممكن أن تدفع مفسدة التفرق والتنازع.
لقد باتت فكرة العمل السياسي من خلال انشاء الأحزاب السياسية ضرورة ملحة في كثير من بلدان العالم الإسلامي, لا بل حتى المعارضين أنفسهم ظهر بينهم من تراجع عن مواقفه وتبنى فكرة العمل الحزبي السياسي كما هو حاصل في الكويت ومصر وغيرها من البلاد, خاصة إذا علمنا أن البديل المتاح هو المواجهة, والتي ذاقت الأمة ولا زالت ويلاتها قتلًا وتشريدًا وتخلفًا.
ولكن ينبغي التأكيد هنا على أمر ين في غاية الأهمية,
الأول هو: طالما أننا انطلقنا من فكرة المصالح والمفاسد فلا يجب أن تعمم المواقف, فأحوال البلاد والمجتمعات الإسلامية مختلفة, فما تعاني منه بعض البلاد قد يكون منعدمًا في غيرها, والحاجة الموجودة في بعض البلاد إلى إنشاء الأحزاب قد تكون منتفية في غيرها, فلا يجب أن تعمم الفكرة رفضا وقبولا على كل المجتمعات, لا بل إن منشأ الخلاف كان أساسه إرادة تعميم الفكرة التي تتبناها كل جماعة على سائر البلاد, فالتيارات السلفية الناشطة في منطقة الخليج العربي والتي تبنت في مجملها فكرة المنع, لا تعاني ما يعانيه أبناء البلاد الأخرى مثل مصر وسوريا والأردن والمغرب العربي مثلا من اضطهاد وفقر وعوز, وبالتالي فإن ما يعد صالحًا لمجتمع ليس بالضرورة أن يكون صالحًا لمجتمع آخر, وهو ما بات يعرف بفكرة (الاستنساخ الحرفي للتجارب) والتي أثبت الواقع فشلها.
والثاني هو: لا يعني قولنا القبول بمبدأ التعددية الحزبية الإقرار بحرية إنشاء أحزاب تتعارض مع المعتقد الإسلامي كاليسارية والإلحادية أو العلمانية, وإنما الحديث هنا يدور عن أحزاب لا تتعارض مع مبادئ الدين الإسلامي العامة, لا تلك التي تنافيه وتنابذه وأهله الضغينة والعداء.
هذا عن انشاء الأحزاب السياسية قبل قيام الدولة الإسلامية, أما الحديث عن إنشاء هذه الأحزاب بعد قيام دولة الإسلام, فلعله حديث في غير أوانه, ولكن يمكننا القول أن نظام الحكم في الدولة الإسلامية إذا ما طبق تطبيقًا سليمًا خاليًا من النقص والتزوير , فإنه نظام لا تدعو الحاجة فيه لإنشاء مثل هذه الأحزاب أصلًا, فنظام الشورى الذي يقيد السلطة المطلقة للحاكم يعد ضامنًا حقيقيًا لعدم التسلط والتفرد والتجبر, إذا ما طبّق تطبيقًا أمينًا. وكذلك فإن أنظمة الرقابة التي استحدثت في هذا الزمان إذا ما أحسن إنشاؤها وعملها وفقًا للنظم العلمية فإنها تكفل عدم التسلط على مقدرات الأمة.
وأما إذا لم تقم دولة الإسلام المنشودة برعاية هذه المبادئ كالشورى والرقابة, فإننا حينئذ لسنا أمام دولة الإسلام ولكنها دولة تدعي أنها دولة الإسلام, وحينئذ نقول في انشاء الأحزاب السياسية ما قلناه قبل إنشاء هذه الدولة.
الباحث بشار يوسف رمضان أبو جزر
الجمعة 3/11/2017
(1) يوسف القرضاوي: مقال جدلية تعدد الأحزاب, نقلا عن شبكة فلسطين للحوار.
(2) أحمد بن مصطفى: لا حزبية في الإسلام, ص(25).
(3) القرضاوي: المرجع السابق.
(4) محمد صدقي البورنو: موسوعة القواعد الفقهية, (4/315).
(5) نفسه
