جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات

الديمقراطية والحكم الرشيد

الديمقراطية والحكم الرشيد
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

إن الأزمة التي تعيشها المجتمعات لا سيما في مجال الأخذ بالأنموذج الديمقراطي والانتخابات الحرة تحتاج إلى عملية إصلاح شاملة تنطلق من الوعي بالذات ثم محاكاة الآخر، وذلك في ضوء ما تقتضيه متطلبات إقامة هذا الأنموذج، من تدعيم الحريات الأساسية وفتح المشاركة السياسية والإيمان بالتعددية الحزبية والتداول على السلطة، ويتم ذلك بالتوازي على صعيد الأنظمة السياسية والمواطنين أنفسهم.

إن مفتاح الدخول في العولمة بفعالية على قاعدة التأثير والتأثر المتبادل يتطلب قيام الحكم السياسي على مبادئ التشاركية، واحترام خيارات الشعب، في إطار من التنظيم المؤسساتي، والانضباط، وحكم القانون. يطلق عادة على الحكم السياسي الذي يسترشد بهذه المبادئ باسم الحكم الرشيد فهو الحكم الذي يحترم حقوق الإنسان ويعطيها طابعا عالميا أكثر فأكثر. وهذا الاحترام لا يكون في ظل الفساد والإفساد المعممين، وفي غياب المؤسسات الحكومية الديمقراطية، والسلطة القضائية غير المستقلة، وعدم ضمان حرية التعبير، والصحافة، والتنظيم السياسي والنقابي.

لذلك فالحكم الرشيد لن يُكتب له النجاح بدون ممارسة الديمقراطية والتي تعتبر الأداة الرئيسية لتنفيذ الشورى التي حث عليها القرآن الكريم وطبقها النبي محمد r والتي هي أساس الحكم الرشيد، حيث تعتبر الديمقراطية أداة هامة وحافزاً كبيراً للحكم الرشيد، فهي كأداة تتمثّل في قدرة الشعب على القضاء على الفساد، وعلى فرض قبول المساءلة أو حتى مجرد إبعاد القادة غير الفاعلين على فترات منتظمة، أما كونها حافزاً فيتمثل في قيام القادة السياسيين بإحداث تحسينات مرئية وموزعة بصورة عامة في جودة الحياة إذا توفرت لديهم الرغبة في إنتخابهم مرة أخرى، وعندما تكون الانتخابات حرة ونزيهة تصبح لدى الشعب فرصة معاقبة الحكم غير الرشيد وتصحيح أخطاء السياسة، ويصبح لدى الحكام الحافز لقبول المساءلة والشفافية في ممارسة الحكم، وشرح وتبرير ما يصدر عنهم من قرارات، والتشاور مع قطاعات كبيرة من أبناء الشعب قبل إصدار القرارات.

وتمثل الديمقراطية والحكم الرشيد ضلعين من أضلاع المثلث الذي يدفع المجتمع إلى التقدم، ويتمثل الضلع الثالث في التنمية الاقتصادية التي تأتي من سياق الحكم الديمقراطي الرشيد الذي يوفر مناخاً جاذباً للاستثمار ويساعد المجتمع على تحديد السياسات العادلة.

لذا وجب التأكيد على أن تتولى الدولة الرشيدة واجباتها المنوطة بها كاملة والمتمثلة بالوظيفة الدينية وهي أهم الوظائف وأولاها، أما الوظيفة السياسية فهي تولي الدولة مسؤولية تطبيق النظام السياسي، وتنفيذ قواعده ومبادئـه، حيـث يشاور ولي الأمر أهل الحل والعقد، ولا يقطع أمراً دون مشورتهم، وكذلك الوظيفة الاجتماعية بتولي الدولة إيجاد الوسائل التي يتحقق بها العمران والحضـارة، وتوفر أسباب المعيشة الطيبة الكريمة للناس، والوظيفة الثقافية والتربوية من خلال تهيئة كل أسباب التعليم والثقافة، والوظيفة الجهادية للدفاع عن الدين والوطن، وتحرير الإنسان مـن كـل عبودية لغير الله تعالى، وكذلك الوظيفة القضائية المتمثلة بإقامة العدل بين الناس، بالإضافة إلى الوظيفة الاقتصـادية والتي تختص بتنظيم الحالة الاقتصـادية لتحقيـق مصـلحة الفـرد والجماعة.

لذلك يتطلب بناء المجتمعات إلى تجميع العديد من العناصر لرفع مستوى النهوض لأي دولة، وذلك يتطلب توطيد الجهود من أجل العمل على رسم السياسات العامة ويتطلب توخي الدفاع عن مبادئ وقيم الحقوق والحريات الأساسية لهذا العنصر البشري. إن تكريس هذه الجهود يتطلب تفعيل دور المشاركة بين فئات المجتمع المختلفة مع إدارة الحكومات ويتطلب تعزيز مفهوم الديمقراطية الصالحة.

لذلك فالعمل على أساس الحكم الرشيد سيؤدي إلى خلق بيئة إنسانية على المستوى الوطني والمستوى الدولي، ويؤدي إلى ترسيخ مفاهيم حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وسيخلق مجالاً لإقامة المؤسسات الفاعلة داخل المجتمع.

لذلك وحتى يكون هناك حكم رشيد فنحن بحاجة إلى حاكم رشيد يعمل على تنفيذ الديمقراطية ويعزز الحياة الكريمة للمواطنين، وهذا الحاكم يتصف بالعلم والورع والتقوى والشفافية والنزاهة ويستطيع إلهام الآخرين للعمل وكأنهم يد واحدة من أجل رفعة الأوطان، ومن أجل ذلك كان لزاماً أن يعمل الحاكم الراشد بالواجبات والمسؤوليات المنوطة به وذلك للعمل على بناء مجتمع مدني سليم وضمان حياة كريمة للمواطنين، مع تفعيل وتشجيع وتطوير مهارات وكفاءات جميع المواطنين من أجل بناء الوطن وتعزيز سيادته وأمنه واستقراره ووحدة أراضيه.