جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات

الغزو الثقافي ودوره في انحراف القيم وتعدد الاتجاهات وانتشار العصبيات في بلاد المسلمين

الغزو الثقافي ودوره في انحراف القيم وتعدد الاتجاهات وانتشار العصبيات في بلاد المسلمين
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

تعتبر القيم من المكونات الأساسية للشخصية المسلمة المتحلية بآداب الشريعة الكاملة من الصدق والأمانة والعفة والحياء والخلق الحسن وحسن الجوار والمسارعة في الخيرات والإعانة على فعل المعروف وكف الأذى، إلى غير ذلك من أخلاق الإسلام .

فالشخصية الإسلامية الأصيلة هي تلك الشخصية القائمة على الإيمان بالله ورسوله، والإذعان والانقياد لأحكام الشريعة وأصولها وآدابها .

وقد عمدت يد الاستعمار إلى حرف المسلمين عن تلك القيم والمبادئ والمعتقدات فانسلخ المسلمون من قيمهم ومبادئهم، حتى غدت المعتقدات الراسخة لا تعدو كونها معتقدات نظرية لا تَمُت إلى واقع المسلمين بصلة، فأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر، وأضحى المسلم الملتزم غريباً في أوطانه، منبوذاً بين عامة المسلمين، حتى أصبح المتمسك بدينه كالقابض على الجمر.

ونتيجة لانحرافات القيم انحرفت الأخلاق و تعددت المذاهب و الاتجاهات و انتشرت العصبيات، وتشتت كلمة المسلمين ما بين العلمانية والاشتراكية والقومية والرأسمالية والشيوعية، حتى أصبحت الإسلامية في بلاد المسلمين لا تزيد عن كونها اتجاهاً من ضمن الاتجاهات التي ينتمي إليها فئة قليلة من المسلمين.

وإمعاناً في تقسيم وحدة المسلمين وتشتيت كلمتهم، انقسم أصحاب الاتجاه الإسلامي إلى اتجاهات متعددة، مثل الجماعة الإسلامية، وحزب التحرير، وجماعة التبليغ، والصوفية، والسلفية، والبابية والبهائية، والشيعية ... الخ

وهكذا استطاع الغزو الفكري الغربي من تمزيق وحدة المسلمين وتشتيت كلمتهم، حتى اصبحنا على ما نرى ونسمع، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي. وفي بعض الروايات: هي الجماعة. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.

فكيف الخلاص من هذا الضعف؟ و هذا الوهن؟ و هذا التشتت؟!

أولاً: علينا أن نعلم جيداً أن يد الاستعمار ما كانت لتنجح فيما وصلت إليه إلا بتعاون بعض المسلمين الخونة، الذين اصطُلح على تسميتهم (بالمنافقين)، وتمثل هذه التعاون في نشر أفكارهم واعتناق مذاهبهم، والتخلق بأخلاقهم عن علم وقصد، حتى انتشرت بين المسلمين، والذي يجب أن نعلمه أيضاً أن ثمة فرق شاسع بين المنافقين في عصرنا والمنافقين في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، فالمنافقون اليوم أصبحوا يمثلون دولة ذات قوة وسيادة.

ثانياً: أن عامل التخطيط الذي برع فيه الغرب كان عاملاً مهماً من عوامل نجاحه في تحقيق أهدافه في تمزيق وحدة الأمة، والسيطرة على مقدراتها و خيراتها.

ثالثاً: ان امتلاك عناصر القوة ( العلمية والاقتصادية والعسكرية) واحتكارها في يد القوى الاستعمارية كان عاملاً رئيسياً من عوامل إضعاف هذه الامة.

رابعاً: ان الاستعمار الغربي عمل على ثلاث محاور رئيسية هي نشر الجهل و الفقر و الفساد بين المسلمين، وتلك الأمراض الثلاث إذا ما تفشت في أمة أهلكتها.

خامساً: ان الحركة الصهيونية هي الحركة الاستعمارية التي عمل الغرب على تنفيذ مخططاته من خلالها، وكان اليهود أداة التنفيذ، بما يحملوه من معتقدات ومبررات ودوافع.

وعودة إلى سؤالنا السابق .. كيف الخلاص؟!

يتمثل الحل والخلاص في ثلاث مقومات رئيسة هي: (القوة – العدل – الحكمة).

  1. لا بد من إعداد القوة المطلوبة لمواجهة القوى الاستعمارية وهذا تحقيقاً لقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ)[1] والقوة المطلوب إعدادها قوة مطلقة (كماً ونوعاً) في جميع المجالات والجوانب الروحية والعلمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والامنية.

2-لابد من نشر الوعي الديني والثقافي وتعزيز الأخلاق الإسلامية بين أبناء المسلمين، ونشر الفكر الإسلامي عالمياً وفق خطة استراتيجية شاملة تشارك فيها كافة المؤسسات الوطنية محلياً ودولياً، عملاً بقوله تعالى( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)[2]، ولقوله جل وعلا (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)[3] ،

3-لابد من تحقيق مبدأ العدل والمساواة  بين أبناء المجتمع المسلم ومحاربة الظلم والفساد بكافة أشكاله وألوانه، قال تعالى(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[4].

4-لابد من التحلي بالحكمة في جميع الأحوال والتصرفات، قال تعالى(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)[5].

5-لابد من تحقيق مبدأ الوحدة بين المسلمين عملاً بقوله تعالى(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ*وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ )[6].

خلاصة القول..

إن الغزو الثقافي للأمة الإسلامية كان السبب الرئيس في حرفها عن قيمها ومبادئها وأخلاقها، الأمر الذي مكن العدو من تمزيق وحدتها في اتجاهات متعددة، وأصبح الإسلام في داره مجرد اتجاه كباقي الاتجاهات الفكرية المعاصرة، بل وأصبحت تلك الاتجاهات منافساً قوياً للإسلام في عقر دار الإسلام، وممن ينتسبون إليه!!

والحل يكمن في تشكيل قوة حركية منظمة تجمع كلمة المسلمين وتوحد صفهم، وتوجه جهودهم وفق خطة استراتيجية شاملة لتحقيق أهداف الإسلام في الحكم و العدل و السيادة.

 

 


[1] - سورة الأنفال: الآية (60)

[2] - سورة آل عمران: الآية (110).

[3] - سورة النحل: الآية (90).

[4] - سورة النحل: الآية (90).

[5] - سورة البقرة: الآية (269).

[6] - سورة آل عمران: الآيات (102-103).