جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات

الحرب النفسية في العهد النبوي

الحرب النفسية في العهد النبوي
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

 إن الحرب النفسية كما تعرفها العسكرية الحديثة هي الأعمال التي يقوم بها الخصم ضد الآخر للتأثير فيه؛ بهدف شل إرادته وتفكيره وقواه المادية والمعنوية، وتعتبر في المناهج العسكرية الحديثة اختصاصًا له علمه وفنونه، وتوظف له الإمكانات المادية والتقنية والبشرية، غير أن الرسول صلى الله عليه وسلم سبق هذه المناهج كلها، ورسّخ منهجه الذي لخصه بعبارة (نصرت بالرعب)، ويمكن استنتاج بعض الأساليب النفسية التي طبقها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحرب وهي على النحو التالي:

 

  • إيهام الخصم: -

وذلك من خلال وضعه أمام تصورات غير واقعية، وخاصة فيما يتعلق بالعتاد والقوات، وإبقائه في حيرة حول الحجم الحقيقي. وقد نجح هذا الأسلوب نجاحًا كبيرًا، فكان كثير من الأعداء يفرون قبل أن يلتقي جيشهم مع جيش المسلمين، كما في غزوة بني سليم، ومنهم من كان يطلب الصلح. وأمّا من كان يقاتل فكان يقاتل مملوءاً بالخوف والرعب، كما حدث لقبائل هوازن وثقيف في غزوة حنين.

وبشكل عام، كان إيهام الخصم يحطمه قبل المعركة التصادمية، والأمثلة كثيرة، فقد خرّب بنو النضير منازلهم بأيديهم من الرعب الذي أصابهم، وهرب بنو لحيان عندما تحرك الرسول صلى الله عليه وسلم نحوهم بجيشه، وعندما وجّه الرسول صلى الله عليه وسلم عليًّا بن أبي طالب -رضي الله عنه على رأس سرية إلى بني سعد، ولّوا الأدبار قبل وصول السرية، وقال رئيسهم وهو يهرب: "سارت إلينا جموع محمد ولا طاقة لنا به".

  • التلويح بالقوة: -

وهو مظهر آخر من مظاهر الحرب النفسية، ويعتبر نوعًا من القتال غير المباشر هدفه إحباط معنويات العدو، ومنعه من كثير من أعماله العسكرية، وقد استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأسلوب في الحرب النفسية حيثما قدّر أنه بحاجة إليه، وهو ما فعله مثلاً في غزوات حمراء الأسد، والخندق، والفتح؛ إذ أمر بإيقاد النيران الكثيرة موحيًا للأعداء بكثرة عدد جيش المسلمين.

وفي فتح مكة كانت كل المؤشرات تدل على أن قريشًا قد تهيأت لمواجهة جيش المسلمين، والقيام بأعمال مقاومة بعد دخوله مكة؛ مما يعني إراقة دماء من الطرفين، فقام عليه الصلاة والسلام باستعراض كثرة قواته، ووفرة سلاحه أمام قائد جيشهم، وتوشّح بالسيوف مع أصحابه، وطاف بالبيت وهو على راحلته، وأمر الجيش أن يصنع مثله ليظهر قوة الجيش، وأمره بالدخول إلى مكة من جهاتها الأربعة بعد أن وزّع المهام القتالية على التشكيلات؛ مما أدخل في نفوس أهل مكة أنهم غير قادرين على الوقوف أمام هذا الجيش الكبير، أو مقاومته بأي شكل.

ومرة أخرى تتبدى روعة القيادة العسكرية للرسول صلى الله عليه وسلم وتوظيفه المتكامل للحرب النفسية، فبعد إلحاق الهزيمة بجيش العدو كان يترك "فلوله" تلوذ بالفرار على كل الجهات، وهذه الفلول كانت أداة إعلامية قوية لصالح جيش المسلمين؛ فقد كان أفراد هذه الفلول يصلون منهوكي القوى للقبائل، فتخبر حالتهم عن قوة جيش الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتحدثون هم عمّا لاقوه على يد جيش المسلمين، وبذلك ينشرون الرعب بين القبائل.

ونذكر -كمثال أيضًا-غزوة السويق؛ إذ لم يسمح الرسول صلى الله عليه وسلم بمطاردة جيش أبي سفيان، تاركًا إياه يصل إلى قريش في مكة، وبعد أن انتصر الرسول صلى الله عليه وسلم على بني محارب وبني ثعلبة لم يقم بمطاردة فلولهم، بل ترك هذه الفلول تصل إلى قبائل غطفان؛ حيث شكّل منظر أفراد هذه الفلول أداة نفسية حطمت معنويات غطفان.


وبعد، فقد أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم للإدارة العسكرية مفهومها، وجعل منها علمًا مبتكرًا، وفي هذا العلم استخدم الحرب النفسية، واعتبرها من أهم أساليب الحرب وتحقيق النصر؛ مما أتاح له النصر في معاركه الحاسمة بتوفيق الله عز وجل، فكان كما يقول مايكل هارت في كتابه (المائة الأوائل): "الرجل الوحيد في التاريخ كله، الذي نَجَح أعلى نجاحٍ على المستويين الديني والدنيوي".

 

انتهى،