جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات

القيم في حياة الفرد والمجتمع

القيم في حياة الفرد والمجتمع
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

تلعب القيم دوراً بارزاً في حياة الأفراد، فهي تشكل الجانب المعنوي في السلوك الإنساني، والعصب الرئيس للسلوك الوجداني، والثقافي، والاجتماعي عند الإنسان.

ويمكن القول إن القيم هي خلاصات فكريَّة ومعايير تربويَّة ومؤشِّرات أخلاقيَّة، إنسانيَّة ودينيَّة توجِّه الفرد للأهداف العامَّة وتقوِّم أهدافه الخاصَّة تجاهها، تضيء له مسارات الحياة منفرداً ومتعاملاً مع الآخرين ومشاركاً لهم في الخير والحقِّ وفي مواجهة الشرِّ والباطل ، وهي تلعب دوراً بارزاً في تحديد سلوك الفرد، ويمكن تلخيص أهميتها في حياة الفرد في الأمور الآتية: تلعب القيم دوراً مهماً في تشكيل الشخصية الفردية وتحديد أهدافها في إطار معيار صحيح، ولقد كانت شخصية النبي عليه السلام نموذجاً حياً لمنظومة القيم التي جاء بها الدين، ولهذا فقد قالت السيدة عائشة عندما ُسئلت عن أخلاق النبي r "كان خلقه القرآن".

كما تعمل القيم على إصلاح الفرد نفسياً وخلقياً، وضبط دوافعه وشهواته ومطامعه كي لا تتغلب على عمله، وتوجهه نحو الخير والإحسان والواجب.

ولهذا تراجع أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن قراره قطع النفقة عن مِسطَح بعد أن خاض مسطح في حديث الإفك الذي مس عائشة رضي الله عنها وذلك بعد نزول قوله تعالى "وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ".

فقال أبو بكر الصديق " والله إني لأحب أن يغفر الله لي" فَرَجع إلى مِسْطَح النفقة التي كان ينفق عليه وقال "واللَّه لا أنزعها منه أبدًا"، وبمثل هذه المعايير تنتصر قيم الخير والفضيلة كقيمة الصفح والعفو على كل دوافع النفس الأمّارة بالسوء كالغضب والتشفي وحب الانتقام، وتحقق للفرد الإحساس بالأمان، فهو يستعين بالقيم على مواجهة ضعف نفسه والتحديات والمحن التي تصادفه في حياته.

كما أن القيم تدفع الفرد إلى العمل وتوجه نشاطه، وتعمل على حفظ نشاطات الأفراد وبقائها موحدة ومتناسقة، وصيانتها من التناقض والاضطراب، يقول r " إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا ".

أما على المستوى الاجتماعي، فالقيم تحفظ على المجتمع تماسكه؛ إذ تحدد له أهدافه ومثله العليا ومبادئه المستقرة، وبالتالي يستقيم المجتمع في وحدة واحدة تحفظه من التشرذم والفرقة، وتربط أجزاء ثقافة المجتمع بعضها بعضا حتى تبدو متناسقة، وتعطيها أساساً عملياً يستقر في أذهان أفراد المجتمع، وذلك لكون الثقافة تحتكم لمعايير موضوعية منضبطة تقبل المتسق مع قيم المجتمع وتنبذ ما ينافرها، وتساعد المجتمع على مواجهة التغيرات التي تحدث فيه، وذلك بتحديدها الاختيارات الصحيحة التي تسهل على الناس حياتهم، وتحفظ للمجتمع استقراره وكيانه في إطار موحد، وذلك لكون القيم بمثابة الميزان الذي توزن به الأشياء، وبالتالي تعد معياراً لما يقبل أو يرفض من السلوكيات.

لذا فإن عملية بناء نظام القيم للفرد والمجتمع ضرورة مهمة من ضرورات التوافق الاجتماعي ما بين الفرد والمجتمع، اذ ينبغي أن يكون لكل فرد في المجتمع اطار قيَمي خاص به، يمثل عنده الركيزة الأساسية التي يرتكز اليها عند اتخاذ أي موقف سلوكي في المجتمع الذي يعيش فيه على أن ترضاه الجماعة ويقره العرف الاجتماعي.

ومن المعروف أن الله تعالى خلقنا في هذه الحياة وفيها التّعب، لا راحة للإنسان فيها، نثق تماماً أن الجميع في هذه الحياة يحارب من أجل قِيَمه التي يعيش عليها فلا تتخلى عنها، فعلى سبيل المثال شخصٌ متمسّك بمبدأ أن يعيش حراً فكم من المعارك التي سيخوضها في حياته من أجل أن لا يترك هذا المبدأ؟. فالحياة معركة إمّا أن تعش لتحقيق قيمك ومبادئك أو تموت بلا كرامة، فالقرار بيدك!!.