جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات

محمد بن القاسم الثقفي ... فاتح بلاد السند

محمد بن القاسم الثقفي ... فاتح بلاد السند
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

إن فى تاريخ هذه الأمة من القدوات فى شتى المجالات ما ليس فى أمة من أمم الأرض منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها !! ومن ضمن هذه المجالات ... الجهاد فى سبيل الله وبذل الروح والنفس لإعلاء كلمة اللهفظهر فى هذه الأمة من القادة والفاتحين مالا يوجد فى أمة من الأمم من لدن آدم الى قيام الساعة.

وكان من أعظم اولئك القادة هو صاحبنا البطل القائد الفاتح الغلام الشاب محمد بن القاسم رحمه الله، الذي طرق بخيلة أبواب الهند وقضى على ملوكها ودخل فى عهده الآلاف من الهنود فى الإسلام.

لقد كان محمد بن القاسم الثقفي حاملُ لواء الإسلام إلى شبه القارة الهندية، عجيبةً من عجائب الدهر ونادرةً من نوادر الزمان، وبطلاً من الأبطال المغاوير الذين خلَّدهم تاريخ الفتوح والبطولات، لم يكن بطلاً من الأبطال الذين يخلقهم خيال الروائي لروايته أووهم القاص لقصته أو صانع المغامرة لمغامرته، إنه كان بطلاً في أوسع معنى الكلمة وأدقه، كان بطلاً في دنيا الحقيقة وعالم الواقع. كان فتى كغيره من الفتيان، غير أن الله قد أودع ما بين جنبيه قلبًا عظيمًا وهمةً عاليةً تتضاءل دونها شمُّ الجبال، وتصغر أمامها عظيمات الأمور، ولا عجب أن يكون الفتى على هذا الطراز الفريد والنمط العجيب، وإنما أعجب العجب ألا يشبه المرء آباءه وأجداده، ومن أشبه آباه فما ظلم.

ولد هذا القائد البطل سنة 72هـ بمدينة الطائف في أسرة معروفة، ونشأ وترعرع محمد بن القاسم وتدرب على الجندية، حتى أصبح من القادة المعروفين وهو لم يتجاوز بعد 17 عامًا، وراجح الميزان في التفكير والتدبير، وفي العدل والكرم، وكان قائدًا إنسانًا، حيث كان يتبع سياسة حكيمة في إدارة شئون البلاد المفتوحة.

كان حريصًا على أن يطبِّق تعاليم الإسلام، وأن يسود في أيامه العدل والمساواة مما جعل بعض البلدان تقدم له فروض الطاعة، واشتهر بالشجاعة والمجازفة والجرأة، وحريصا على معرفة أحوال البلاد والعباد التي يريد فتحها، لا يغفل عن شيء من أدوات ووسائل وسبل الحرب.

وكان من مميزاته العسكرية اهتمامه بإنجاز استحضاراته العسكرية والإدارية في جيشه، بالعدد الذي بلغ معه حد الروعة في تكامله وإتقانه، له قابلية متميزة لانتخاب الأهداف الملائمة في المجالات السوقية والتعبوية، حيث جعل أهدافه الاستراتيجية متتالية مرتبة حسب أهميتها، وتميز بنجاحه في اختيار الأهداف التعبوية، واثارة بواعث الإيمان الراسخ والعقيدة الصلبة في رجاله، لتقوية معنويات جيشه، واتسمت قيادته بالمرونة سواء في تعامله مع رجاله أو مع خططه فكان يضع الخطط السهلة القابلة للتحوير مع تبدل المواقف.

 

وقع الاختيار عليه من قبل عمه الحجاج بن يوسف الثقفي لقيادته لجيش فتح بلاد السند وكان عمره حين ذاك 17 فقط،  حيث مضى محمد الى فتح بلاد السند وهو في طريقه فتح العدي من المدن والقرى حتى وصل الى مدينة الديبل(كراتشي) أعظم مدن السند وحاصرها واستعصت عليه فكان في المدينة معبد كبير يقدسه الناس, فأمر بدكه بالمنجنيق الذي يقوم عليه 500رجل, وانهارت معنويات الناس داخل المدينة وخرجوا لقتاله فهزمهم وفتح المدينة عنوة ولكن ملك السند هرب من محمد واتجه الى الداخل شرق مصب نهر السند ظنا منه أن النهر يعرقل عبور المسلمين, وتبعه محمد وكان لا يمر بمدينة الا وفتحها وهزم جيوشها, حتى لقي قوات داهر  وحدثت معركة شرسة حيث استخدم الهنود الفيلة والنبال, وانتصر المسلمين في النهاية وقُتل داهر واستمر بالفتوحات حتى وصل مدينة (الملتان) أعظم مدن الهند وكل هذه الفتوحات كانت بين سنة98هـ الى سنة94هـ.

وكانت قصة وفاته ومؤامرة اعتقاله وتعذيبه أليمة بقدر اسهامه في الفتوحات الإسلامية، كانت وفاة الوليد بن عبد الملك 96هـ وتولى سليمان بن عبد الملك خليفة المسلمين الذ كان يكن البغض للحجاج بن يوسف الثقفي، وبدأ يغير ولاة الحجاج وولى العراق صالح بن عبد الرحمن ألد أعداء الحجاج، فعزل محمد بن القاسم عن السند وامر بالقبض عليه وحبسه بتهمة باطلة وعذبه رحمه الله حتى مات من العذاب عام 96هـ وكان يبلغ من العمر 24 عاماً.

ساس الجيوش لسبع عشر حجة *** ولداته عن ذاك فى أشغالِ
فغدت بهم أهواؤهم وسمت به *** همم الملوك وسورة الأبطالِ

مات محمد بن القاسم بالتعذيب، أو قُتل بعد تعذيبه، دون أن يشفع لهذا القائد الشاب، بلاؤه الرائع فى توسيع رقعة الدولة الإسلامية، ولا مهارته الفذة فى القيادة والإدارة، ولا انتصاراته الباهرة فى السند، ولكنّ آثاره الخالدة لا تموت ابداً، وأعماله المجيدة باقية بقاء الدهر، ولم يختره الله الى جواره، إلا بعد ان أبقى اسمه على كل لسان، وفى كل قلب، رمزاً للجهاد الصادق والتضحية الفذة والصبر الجميل.

لما مات محمد بن القاسم وعلم أهل السند بخبر وفاته والطريقة التي قتل بها ساءهم ذلك وحزن عليه أهل السند قاطبة، وسادت حالة من الفوضى وسط الهنود، حيث كان محمد (رحمه الله) قد أوكل للهنود الأمور الإدارية – كياسة منه وفطنة – في البلاد، فلما أتى والي سليمان عزلهم فثار الهنود ورجع الملوك الفارين من أمام جيش الفتح ليطالبوا ببلادهم وأرضهم وأتعبوا من بعده، حتى أن والي السند الجديد اضطر إلى الحرب ثانية حتى يستطيع أن يسترد ما فتحه محمد قبل ذلك.

أما الذين عذبوه، فقد ماتوا وأهم أحياء، ولا نزال حتى اليوم نذكر محمد بن القاسم بالفخر والاعتزاز، ونذكر الذين عذبوه بالخزي والاشمئزاز.

لقد أخذوا بيده الى الجنة , وأخذوا بأيديهم الى النار