جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات

دعوة للاستنفار في مواجهة العنف بين الأطفال الفلسطينيين

دعوة للاستنفار في مواجهة العنف بين الأطفال الفلسطينيين
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

دعوة للاستنفار في مواجهة العنف بين الأطفال الفلسطينيين

          بقلم الباحث / محمد عاطف غزال

زيارة واحدة لمؤسساتنا التعليمية أو حتى احتساء فنجان من القهوة على بوابة بيتك، تخبرك دون أدنى شك عن مستوى العنف – البدني واللفظي - الذي يتسم به أطفالنا، وربما بعد هذه الجلسة أو تلك الزيارة لسنا بحاجة إلى مراجعة سجل المرشد الاجتماعي للمدرسة لندرك أننا أمام جيل من الأطفال والناشئة الذين صبغ العنف حتى ألعابهم والقصص التي يتسامرون بها قبل النوم، فضلاً عما أكسبوا من سلوك عدواني تجاه بعضهم البعض حتى لا يكاد بيت من البيوت ينام ويصحو على شكوى الأبناء من سلوك مورس بحقهم داخل أسرهم الصغيرة والكبيرة.

فما هو العنف، وما أسبابه، وما هي السبل لمواجهته؟

في حديثه عن العنف يقول محمد محفوظ في مقال له بعنوان / ضد العنف والتعصب، نشرته مجلة النبأ العراقية في العدد 63 لسنة 2001 م " يعرّف العنف سيسيولوجيا، بأنه الإيذاء باليد أو باللسان، بالفعل أو بالكلمة في الحقل التصادمي مع الآخر. وعملية الإيذاء هذه تارة تكون فردية، حيث يقوم شخص ما باستخدام اليد أو اللسان بشكل عنيف تجاه شخص آخر، ويصطلح على هذه العملية بـ(المتسلط الأنوي). وتارة يكون العنف جماعيا (المتسلط الجمعي)؛ إذ تقوم مجموعة بشرية ذات خصائص مشتركة، باستخدام العنف والقوة، كوسيلة من وسائل تحقيق تطلعاتها الخاصة، أو تطبيق سياقها الخاص على الواقع الخارجي. وفي كلا الحالتين، لا تكون ظاهرة العنف والتعصب، بمعزل عن الموجبات الاجتماعية والمسارات التاريخية، التي خلقت هذه الظاهرة في الوجود الاجتماعي".

ويخلص محفوظ أن العنف ظاهرة لا تقبل التبسيط والتسطيح، لأنها وليدة مجموعة عوامل وأدوات مركبة. فما هي العوامل التي تشجع العنف بين الأطفال في مجتمعنا الفلسطيني، وما هو السبيل لمواجهتها؟

بالاطلاع على الكثير من البحوث والدراسات التي تناولت العوامل (الأسباب) التي تؤدي إلى العنف، نجد أن المهتمين بعلم النفس الاجتماعي قد اختلفوا إلى مجموعة من الأراء في تحديد هذه الأسباب والعوامل، غير أنه يمكن القول بأن الآراء حول تحديد هذه الأسباب تمحورت حول رد العنف للأسباب التالية:

  • أسباب اجتماعية تتعلق بالأسرة:

كالدلال الزائد، أو الضغط الزائد أو العلاقات المتوترة والعنف بين باقي أفراد الأسرة خاصة الأبوين، ولعله من اللافت أن جل الأسر المفككة يعاني أبنائها من العنف والذي قد يؤدي بهم غالباً إلى عالم الجريمة، وقد يلجأ الطفل إلى العنف تقليداً لأحد أبويه أو كليهما في حال كانا يتسمان بالعصبية الزائدة.

  • أسباب تتعلق بالتربية والبيئة المدرسية:

كاستخدام المعلمين للعقاب المبالغ فيه أو ممارستهم العنف أمام الطلبة سواء تجاه بعضهم البعض أو تجاه الطلبة، فضلاً عن ضيق المكان حيث أن المساحة المحدودة تولد التوتر النفسي والاحتكاك البدني، وعدم توافر الوقت المخصص لحصص الأنشطة المتعددة والتي تشبع مختلف الهوايات خاصة البدنية، وكذلك الأسلوب التقليدي في التدريس القائم الاستماع والحفظ فقط، وعدم توافر الانشطة او الرحلات المدرسية التي تساعد الطالب على حب المدرسي.

بيد أن هذه الأسباب والعوامل يتعاظم وجودها في بيئتنا العربية والفلسطينية بشكل عام، وفي البيئة الغزية التي تعاني الفقر والحرمان وضعف الإمكانات التعليمية والتربوية بشكل خاص، فلا تكاد تجد بيتاً غزياً يسلم من تبعات الحصار الظالم على أهل غزة، مما يخلق سلوكاً متسماً بالعنف – ولو بشكل نسبي – يمارسه الآباء تجاه بعضهم البعض أو تجاه أبنائهم، وتنصبغ فيه حياة الغزي في بيته ومتجره وعمله ومؤسسته التعليمية.

وغير بعيد عن هذه الأسباب والعوامل ثمة عوامل وأسباب أخرى قد تعزز من العنف بين الأطفال في فلسطين وغزة بشكل خاص، بعض هذه الأسباب مرتبط بالإعلام الموجه في كثير من الأحيان، خاصةً أنك لا تجد كثير اهتمام في الرقابة على ما يشاهده الأبناء عبر شاشات التلفزة من أفلام الكرتون الموجه باتجاه المواطن العربي والتي قد يكون أكثرها متابعة – كتوم وجيري - من قبل الأبناء، وأقلها اكتراثاً من قبل الآباء، أكثر خطورة في تحفيز السلوك العنيف لدى الجيل.

ومن العوامل المهمة في توجيه سلوك الطفل هو ما يشاهده ويعيشه من إجرام ممنهج من قبل الاحتلال الصهيوني تجاه أبناء شعبنا الفلسطيني الصابر، وهو ما تجبرك عاطفتك وانتمائك لمتابعته والتفاعل معه، وما يحمل إعلامنا لاستعراض رسائل القوة في الرد عليه.

إن مناقشة ظاهرة العنف بين الأطفال الفلسطينيين ومعالجتها في ظل ما يعيشه شعبنا الفلسطيني من قهر وفقر وحصار وممارسات احتلالية غاشمة، ليست بالأمر الذي يمكن الوقوف عليها من خلال مقال هنا، أو دراسة هناك، وهو ما يستدعي تضافر الجهود واستنفار المؤسسات التعليمية والتربوية والاجتماعية لعقد الأنشطة الكفيلة بالإحاطة بالظاهرة وسبل علاجها والتعاطي معها قبل أن تتحول إلى كابوس يصعب التخلص منه.