جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات

الاسلام بين الدولة المدنية والدولة الدينية

الاسلام بين الدولة المدنية والدولة الدينية
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

س/ هل الإسلام اعتمد على دولة دينية أم على دولة مدنية ؟ وهل هي دولة مدنية ذات مرجعية دينية؟

  • فما هي الدولة المدنية ؟
  • وما الفرق بينها وبين الدولة الدينية التي أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم والرسل من قبله ؟
  • وما هي الدولة الدينية السائدة ؟
  • وهل اعتمد الإسلام على دولة مدنية ذات مرجعية دينية ؟
  • وما رأي الباحث في ذلك؟

 

يحصل خلط كبير بين كثير من المفاهيم الكبيرة التي قد يتغير معناها من سياق لآخر فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كل لفظ يحتمل حقا وباطلا فلا يطلق إلا مبينا به المراد الحق دون الباطل، فقد قيل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وكثير من نزاع الناس في هذا الباب هو من جهة الألفاظ المجملة التي يفهم من هذا معنى يثبته، ويفهم من آخر معنى ينفيه.

أولاً: الدولة المدنية :

تعريفها في المنظور الإسلامي: هي دولة قائمة على حمل الناس على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار.

في المنظور الغربي: هي دولة المؤسسات التي تمثل الإنسان بمختلف أطيافه الفكرية ‏والثقافية والأيدلوجية داخل محيط حر لا سيطرة فيه لفئة واحدة على بقية فئات المجتمع الأخرى، مهما ‏اختلفت تلك الفئات في الفكر والثقافة والأيدلوجيا بعيداً عن الدين.
أي أنها بهذا المعني تعتبر مرادفة للعلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة

موقف علماء المسلمين من الدولة المدنية كان مختلفا من مفكر لآخر فمنهم رفضها رفضاً مطلقاً ومنهم من قبلها قبولاً مطلقاً ومنهم كان لديه موقف نقدي منها وهي كالتالي:

الرفض المطلق ( التغريب) : يقوم على أساس العودة للماضي والعزلة عن المجتمعات المعاصرة والوقوف عند أصول الدين وفروعه, ورفض كافة دلالات مصطلح المدنية بحجة انها جميعا مناقضة للإسلام.

الرفض المطلق ( التغريب): يقوم على أساس اجتثاث الماضي وتبني القيم الغربية وقبول كافة دلالات الدولة المدنية مثل أن تكون الدولة المدنية جزء من الليبرالية كفلسلفة ومنهج ونظام شامل , وعلماني في موقفه من الدين, وفردي في موفقه من المجتمع, ورأسمالي في موقفه من الاقتصاد وغيرها, وجوهر الدعوة الى الدولة المدنية طبقا لهذه الدلالة في مجتمع إسلامي هو أن تستبدل القيم والآداب والقواعد الإسلامية التي تشكل الهيكل الحضاري لهذا المجتمع بالقيم والآداب والقواعد الغربية لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء الى الحضارة الغربية وهو مضمون التغريب.

أما الموقف النقدي ( التجديد): وهو يقوم على أساس تحقيق التقدم الحضاري بحيث يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام التي مصدرها النصوص اليقينية القطعية الدلالة .

ثانياً: الفرق بين الدولة المدنية أو السياسية والدولة الدينية في عهد الرسالات السماوية:

الرقم

الدولة الدينية في عهد الرسالات

الدولة المدنية أو السياسية 

1

يختار راسها الله جل جلاله.

ينتخب رئيسها الشعب أو الحزب.

2

يقوم على راسها رسول يوحى اليه من الله عز وجل

يحكمها بشر عاديون.

3

يظل رئيسها على اتصال دائم بوحي السماء حتى وفاته.

علاقته بالوحي منقطعة وعلاقته بالله كأي مخلوق آخر.

4

رأسها يبقى محروسا من السماء فالله يحميه ويحفظه.

لا يمكن لرأسها أن يستغني عن الحراسة فيمكن أن يتعرض للاغتيال في أي وقت.

5

توالي السماء لرئيس الدولة الدينية في كل معضلة وتمده بالرأي الصواب.

يعتمد رئيسها على تفكيره في اتخاذ القرارات وعلى مستشاريه و وزرائه.

6

مدد السماء له لا ينقطع فيمده الله بالملائكة وغيرهم

يعتمد في مدده على الشعب وقوته وما يملكه .

7

طاعة رأس الدولة الدينية فرض وواجب ديني وهو محك الايمان.

لا صلة بين طاعة المحكوم للحاكم فيها وبين ايمانه , وعصيانه إياه لا يقدح في دينه.

8

لدى رئيسها كتاب منزل من عند الله يحكم به.

يحكم رئيسها بالدستور الذي وضعه الشعب أو وضعه هو ان كان يحكم بالحديد والنار.

9

الكتاب المنزل على هذا الرسول لا يتغير ولا يتبدل وهو صالح لكل زمان ومكان الى قيام الساعة ولا يملك الرسول نفسه حق التغيير او التعديل عليه ولو حرف.

يتسم الدستور بالتجديد وقابل للتغير في أي وقت اذا تطلبت الحاجة ذلك وفق ظروف المجتمع وحسب ما تتطلبه مصالح الناس.

10

رأسها لايجوز ولا يحق لأحد أن يعزله .

يمكن عزله ان حاد عن الصواب سواء بطرق ديمقراطية او بالثورة والانقلاب .

11

رئيسها مدة حكمه غير محدودة بمدة, فوفاته هي وقت نهاية حكمه.

حكمه مرتبط بإرادة الشعب أو بوقت معين

12

الهاجس الكبير لرئيسها هو رضا الله .

همه الأول هو تحقيق مصالح الشعب والجماهير والاهتمام بأمورهم.

13

من حق رئيس الدولة الدينية أخذ خمس الغنائم والصفي وهو تعبير عن مبدأ وليس كمصدر للأموال.

ليس له الا ما خصص له من راتب وما زاد عن ذلك اعتبر اغتصابا لحق الشعب وخيانة يحاسب عليها .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثالثاً: الدولة الدينية:
تعرف بمصطلح الثيوقراطية وهي نظام يستمد الحاكم فيه سلطته مباشرة من الإله, فيكون ذو طبيعة إلهية فهو إما إله أو ابن إله أو مختار بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من الإله, وبالتالي فلا يرقى أي أحد من أفراد الشعب لمرتبته وعليه فلا يجوز الخروج عنه أو الاعتراض على أقواله وأفعاله.

ولاشك أن هذا الأمر غير موجود في الفقه الإسلامي وإنما كان في العصور الوسطى ويستخدم حاليا في بعض بلدان العالم.

رابعاً: هل اعتمد الإسلام على دولة مدنية ذات مرجعية دينية ؟

هناك تناقض في هذا المصطلح فقولنا دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية ـ فهذا قريب من قولنا: دولة علمانية أو دولة ديمقراطية ذات مرجعة إسلامية !! وهما في الحقيقة منهجان متضادان، لا يمكن أن يجتمعا، وكما يقول الشاعر:

سارت مُشَرقة وسِرتُ مُغَرباً      شتان بين مُشَرق ومُغَرب

فالمدنية والديمقراطية وجهان لعملة واحدة، والشعب فيهما هو مصدر السلطات والغاية قاصرة على حدود الحياة الدنيا، وأما الإسلام فالحاكمية فيه للشريعة، للقرآن والسنة، والمصالح المرعية فيه هي مجموع مصالح الدنيا والآخرة معا، فتباينَ المنهجان من حيث المبدأ والغاية، ولذلك فرَّق ابن خلدون في مقدمته بينهما فجعل الأول مُلكاً، وجعل الثاني خلافة فقال: الملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، فافهم ذلك واعتبره فيما نورده عليك من بعد. 

خامساً:

يرى الباحث أن فالدولة المدنية بمعناها الغربي الذي يفصل الدين عن الدولة ومؤسساتها وإدارتها ويقصر دور الدين على المساجد وتنظيم العلاقة بين العبد وربه ليست مصطلحا إسلامياً ولا يعبر عن مضمون مقبول. أما الدولة المدنية إن كانت بمعني أن الدولة لها مؤسسات يتولى إدارتها الأكفأ من أهل العلم بها وأن الشريعة الإسلامية هي المرجعية التي تدار بها مؤسسات الدولة فإن الدولة المدنية تكون اصطلاحاً مقبولاً إسلامياً.

فلا للدولة المدنية بالمفهوم الليبرالي ولا للدولة الدينية بمفهوم العصور الوسطى.