قيادة حماس في مصر

قيادة حماس في مصر
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

تواجد قيادة حماس في مصر يأتي في السياق الطبيعي لتطور العلاقات منذ تركت حماس قرار حل اللجنة الإدارية وديعة عند مصر، واستعداد مصر المسبق لاستضافة رئيس حماس ليعقد لقاءاته في مصر، والزيارة حسب المعلومات المتداولة كانت بدعوة مصرية من المخابرات العامة لتحمل دلالات هامة في هذا التوقيت، من أهمها أن الدعوة جاءت بعد إدراج قائد حماس على قائمة الإرهاب الأمريكية، ولعل الزيارة تمثل رد عملي بأن تجاوز حماس غير ممكن، وفي ذات الوقت أن السياسة القائمة مع حماس بشكل غير رسمي قائمة ما زالت على الترويض والترغيب، كما أن الزيارة تأتي بعد تعديل في قيادة المخابرات بتولي عباس كامل قيادة المخابرات خلفاً لخالد فوزي الذي قاد مسيرة المصالحة في محطتها الأخيرة بحرص وعناية، والزيارة بذلك تدلل على أن السياسة الرسمية المصرية قائمة على رعاية المصالحة وليست اجتهاداً من أحد أجهزة مصر الأمنية، وأن العلاقة مع حماس ليست مرتبطة بالأشخاص، وإنما سلوك ما زالت تتوفر له قناعات كاملة في منظومة العمل المصرية الرسمية.

كانت الظروف في سيناء تشكل تهديداً للزيارة و المتمثلة في استباق حملة للجيش المصري على داعش، فضلاً عن الانتخابات التي اقتربت في مصر جعلت هذا التوقيت الأكثر ملائمة، وربما تدخل العلاقة في الفترة الزمنية القصيرة مرحلة جمود غير معلوم النهاية، وهذا ما يحمل دلالات إيجابية في بعضها بالاستعداد المصري رغم الظروف التي تحياها مصر، وحالة الحساسية العالية بما يخص الانتخابات المصرية، فضلاً عن سيناء وما يدور في أرجائها من تحولات صعبة تحمل نذر كثيرة لمستقبل المنطقة وحدة الصراع الذي يسكن جوفها.

وقيادة مصر والمخابرات تؤكد أن الحملة في سيناء تتعلق بداعش فقط، وألا حقيقة لكل ما يشاع عن صفقة قرن، وأن مصر ملتزمة بالرؤية الفلسطينية لوحدة الأرض الفلسطينية وحل الدولتين، وأن إنجاز المصالحة ضرورة وأنها ليست ولن تكون جزء من صفقة القرن كما يريد أن يسوق البعض للتهرب من المصالحة واستحقاقاتها، بل أن المصالحة تساهم في قطع الطريق على صفقة القرن، وأن تباطؤ مصر في المصالحة ليس مقصوداً، وأن الاهتمام بها وإنجازها قائم على أعلى المستويات، وربما الانتخابات المصرية والسلوك الترامبي تجاه القدس عاصمة (إسرائيل) أبطأ خطوات مصر في المصالحة.

ولعل سلوك حماس السياسي الحكيم في العلاقة مع مصر فتح لها الأبواب، وكذلك أعاد شيء من التوازن للتدخل المصري في ملف المصالحة وبدأنا نسمع لغة جديدة على استحياء، بالثناء على تعاون حماس في المصالحة وموقفها الوطني، مع الغمزُ بتلكؤ فتح وعباس تحديداً.

عبر الزيارة يتجدد الجهد المصري لإنجاز المصالحة بوفد يزور غزة قريباً من المخابرات لمتابعة إجراءات تطبيق المصالحة على الأرض، مع العلم بأن المخابرات عبر وفدها الأمني المتابع للمصالحة كان في غزة قُبيل حالة التجميد في ملف المصالحة دون أن يتحقق اختراق جاد في المصالحة التي تراوح مكانها تحت عنوان التلكؤي "التمكين".

تأتي الزيارة في سياق الحالة الإنسانية والمعيشية شبه المنهارة وغير المسبوقة في غزة نتيجة إجراءات انتقامية يفرضها الأقربون، ولعل هذه الزيارة بنتائجها تشكل بارقة أمل في تشكيل نافذة حياة لغزة عبر فتح دائم لمعبر رفح، ووجود حركة اقتصادية مع غزة، وإن كانت أزمة غزة اليوم ليست في البضائع وإنما في السيولة المتآكلة ومستوى الدخل المنخفض، والمعلومات تفيد أن المخابرات المصرية تؤكد على تعاون مصر الكامل لتخفيف الحالة في غزة، والوعد عبر تحديد حاجات القطاع والتزود بها عبر الشركات المصرية، وهذا يفسر دخول بضائع لغزة خلال الأسبوع المنصرم، وكذلك وعد بتحسين الكهرباء من مصر، وإنهاء أزمة المعبر ليفتح بشكل شبه دائم، مع تسيير قوافل العمرة مجدداً، وهذه الخطوات تشكل جرعة حيوية للحالة الإنسانية المتفاقمة في غزة وخاصة المعبر والكهرباء.

وبالتأكيد شكَّل تواجد قيادة حماس في القاهرة فرصة لعقد لقاءات عدّة مع نقابات وقوى وشخصيات مصرية، وهذه النافذة كانت حماس في غياب عنها منذ مدة طويلة أحدثت فجوة بين حماس وقطاعات مصرية، سيما في ظل شح المعلومات الواردة لهذه القطاعات عن حماس وموقفها السياسي، فضلاً عن حالة التشويه الممنهج الذي سبق وتعرضت له حماس عبر الإعلام المصري سالفاً، والتواجد في مصر اليوم يشكل بوابة لإعادة الإعتبار لحالة اللاموضوعية التي صبغت العلاقة مع حماس.

ومثّل اللقاء بين قيادة حماس وتيار دحلان في القاهرة صورة إضافية لمشهد لملمة الصف الفلسطيني بشتى مكوناته مهما كانت جروح المرحلة الماضية، وما يمكن أن يمثله ذلك من بارقة تعضيد النسيج الفلسطيني، فضلاً عن رسائل هذا اللقاء السياسية في ظل حالة الانتقام من غزة بشتى مكوناتها، ومن هنا كان اللقاء عنوانه الغوث الإنساني الضروري لإنقاذ غزة من إنهاك بدأ يضرب تفاصيل حياتها، بل ويخلق حالة قنوط من المصالحة وردّة عنها، حتى أنها لم تعد مطلباً شعبياً، بل أصبح التراجع عنها يحتل نسبة استطلاع رأي عام عالية.

بدأ يكتمل عقد قيادة حماس من غزة والخارج بلقائهم في القاهرة في ظل دعوة مصر لقيادة حماس في استضافتهم في مصر، وهذا بحد ذاته يحمل دلالة ذات مغزى، فضلاً عن مؤشر ذلك على بقاء قيادة حماس مدة من الزمن في القاهرة لعقد الاجتماعات، وما في كل ذلك معنى جديد لشكل العلاقة مستقبلاً بين مصر وحماس.

تواجد قيادة حماس في مصر وعقد اللقاءات مع المخابرات المصرية، والتي تشير الدلائل إلى توفر عناصر التفاهم فيها لما يجري في ملفات شتى، فضلاً عن الانفتاح على مكونات أخرى في المجتمع المصري، يحمل عدّة رسائل مهم البناء عليها، والحذر من قابل الأيام الحُبلى والتي تلد كل جديد.