جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات
الحكمانية الجيدة
الكاتب : أحمد عيسى علي النشار
يمكن القول بأن تعبير وفكرة الحِكمانية الجيدة قد تم استخدامها للدلالة على أهمية وضرورة الانتقال بفكرة الإدارة الحكومية والحِكمانية من الحالة التقليدية إلى الحالة الأكثر تفاعلاً وتكاملاً بين الأركان والعناصر الرئيسية المشكلة للحكمانية والتي تتكون بشكل أساسي من : ( الإدارة الحكومية للقطاع العام. ، إدارة القطاع الخاص بفعالياته المختلفة ، إدارة مؤسسات المجتمع المدني العديدة في المجتمع. )
كذلك يمكن القول بأن تلك المكونات المشار إليها تتسم بالتباعد فيما بينها وعدم التكامل من ناحية وفي ضعف الإدارة على نطاق كل واحدة فيها بما يُمكن أن يوصف بالسلبية النسبية سواء في إدارة ذلك الركن أو في التفاعل مع الأركان الأخرى من ناحية أخرى.
انطلاقاً من هذا الواقع، دعت بعض المؤسسات الدولية بشكلٍ خاص وبعض جهود الإصلاح الإداري المجتمعي بشكلٍ عام إلى إحداث نقلة نوعية في مستوى الأداء الإداري على مستوى المجتمع بما يمكن أن يحقق نتائج ملموسة في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية الإدارية والسياسية, لتحسين مستوى معيشة الأفراد، وزيادة مستوى دخل الفرد، وتقليل حدة الفقر في المجتمعات النامية، والعناية بحقوق المواطنين على كافة المستويات في المجتمع، كنتائج يمكن أن تتحقق على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي.
إضافةً إلى ذلك فإن قصور الإدارة الحكومية، في العديد من الدول النامية، عن تحقيق نتائج إيجابية لما يتوفر لديها من قروض ودعم ومساعدات خارجية دفع بالمؤسسات الدولية إلى إعادة النظر بالآليات المناسبة التي على تلك الدول أن تستخدمها، لتحقيق النتائج المرجوة من تلك الفرص المتاحة، سواء كانت محلية أم خارجية. وهذا بدوره يعكس عجز الإدارة الحكومية عن حُسن استثمار الموارد والفرص المتوفرة لديها مما يدعو إلى ضرورة إعادة النظر بالآليات والعمليات والمؤسسات والتفاعلات اللازمة لتعظيم فرص المشاركة في تحمل المسؤوليات بين الأطراف المكونة للحكمانية وعدم ترك الأمر بيد الإدارة الحكومية المتسمة بالتكنوقراطية وبسلبية السياسيين المتعاملين معها.
انطلاقا من هذا الواقع يمكنني القول بأن عجز الإدارة الحكومية عن تحقيق طموحات المواطنين في الاستجابة لمتطلباتهم وطموحاتهم، بشكلٍ مناسب، قد عزز الحاجة إلى فكرة الحِكمانية، والتي بدأت مع بداية عقد التسعينات، كما سبق التعريف بها، كونها تمثل الاتجاهات نحو تحقيق النتائج المأمولة للمجتمع من تخفيف حدة الفقر ورفع مستوى المعيشة ومستوى دخل المواطنين وتعزيز حقوق الإنسان وتعزيز البيئـة الديمقراطية في المجتمع. لـذا تطور مفهوم الحِكمانية ذاتياً ليُعنـي بالحِكمانية الجيدة (Good Governance) وليعبر عن حالة أو نموذج الحِكمانية المعنية بوضع الآليات اللازمة لتحقيق النتائج الاقتصادية والاجتماعية التي يسعى لتحقيقها المواطنين.
إن الحِكمانية الجيدة، في نظر البنك الدولي، تتطابق مع فكرة تطوير الإدارة. حيث أن خبرات البنك الدولي في الدول النامية تشير إلى أنه رغم حُسن تعميم البرامج والمشاريع التي يمولها البنك، إلا أنها تفشل في تحقيق تلك النتائج.
أما الحِكمانية الجيدة، من وجهة نظر مشروع الأمم المتحدة الانمائي (UNDP)، فتعتبر حالة تعكس تقدم الإدارة وتطويرها أيضاً من إدارة تقليدية إلى إدارة تتجاوب مع متطلبات المواطنين وتستخدم الآليات والعمليات المناسبة لتحقيق الأهداف المرجوة من المشاريع بشفافية ومسؤولية أمام المواطنين.
فالحِكمانية الجيدة، من ضمن أشياء أخرى، تتسم بالمشاركة، والشفافية والمساءلة. مثلما تتسم بالفعالية والعدالة وتعزّز روح القانون وتؤكد بأن الأولويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ترتكز على إجماع واسع من المجتمع، وبأن أصوات من هم أشد فقراً وعرضة للمعاناة مسموعة في اتخاذ القرارات حول تخصيص موارد التنمية. فبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي يؤكد على أنه يضيف قيمة لبرامج محاربة الفقر الوطنية، من خلال مساعدة الدول على تطوير قدراتها، لتحقيق الحِكمانية الجيدة.
فالحِكمانية الجيدة تُعنى بضرورة وجود شبكة من مؤسسات الحكومة تستخدم القوانين والإجراءات، والتي بدورها تعمل على خلق وإدامة بيئة اجتماعية تسمح بتنمية بشرية جيدة لتشمل كافة الجماعات في المجتمع.
فالحِكمانية الجيدة هي نحو الرؤيا (التخطيط للمستقبل)، الغاية النهائية (وضع الأهداف وتحديد الطريق العام لتحقيق الأهداف)، الموارد (تأمين الموارد اللازمة لتحقيق الأهداف أو الوصول إلى الغاية النهائية)، التحكم والسيطرة (التأكد وبشكل دوري بأن الآلية المؤسسية يتم إدامتها وأنها متقدمة للأمام، ضمن الحدود القانونية، نحو الغاية النهائية)، والمساءلة (التأكيد على استخدام الموارد بكفاية، وتقديم تقارير التقدم والتحويل إلى المشاركين في تحمل المخاطر)
كذلك فإن الحِكمانية الجيدة معنية بتفاعل المجتمعات والمؤسسات المدنية المحلية في تحمل المسؤولية والمشاركة في رسم السياسات العامة. فكما يذكر جيمس سبث فإن ترويج الحِكمانية الجيدة لا يعني تقوية قدرات الدولة لتحكم فقط، بل تعني أيضاً تجديد روح المشاركة المدنية في كافة مجالات الشؤون العامة. وأن مؤسسات المجتمعات المدنية تلعب دوراً هاماً ومصيرياً في تعزيز المشاركة، وبناء الثقة وفي تصميم الاهتمامات ووجهات النظر المحلية. فالمجتمع المدني الصحي والحيوي بإمكانه المساهمة بشكل كبير في تعزيز ودعم التنمية الاقتصادية. فبينما تركز الدولة بشكلٍ كبير على وضع القوانين وتنفيذ السياسات والإجراءات، يمكنها التحقق والاستفادة من قدرات كل من المؤسسات المدنية ومؤسسات القطاع الخاص في تقديم الخدمات.
يتفـق معظـم الكتاب بـأن الحِكمانية ليست مرتبطـة بمعيار اتوماتيكـي، وعلى أية حال، فإن بعضاً من نماذج الحِكمانية أفضل من البعض الآخر في تحقيق النتائج. كما أن التأكيد المعطى لمكونات الحِكمانية الجيدة تختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر وفقاً لما يقيّمه أعضاء ذلك المجتمع كنتائج مطلوبة أو إيجابية بصورة تختلف عما يقيّمه مجتمع آخر. حيث نجد أن وضع قيمة عالية لموضوع المشاركة أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو المشاركة في اتخاذ القرار تختلف كأولويات من مجتمع إلى مجتمع آخر، وعليه فإن تقييم الحِكمانية الجيدة يصبح أمراً نسبياً. إلا أنه رغم تلك الاختلافات في عملية التقييم للحكمانية الجيدة فهناك مظاهر أساسية تشكل ما يمكن أن يعكس الحِكمانية الجيدة كما يضعها جاكوس بورفولت والذي يلخصها بالتالي:
إدراك شرعية قوة السلطة للعامة، المواطن هو محور اهتمام متخذي القرارات، البرامج المجتمعية مبنية على سماع المواطنين، سرعة تكيف الإدارة العامة لاحتياجات المواطنين في توزيع المال العام.
لذا نجد بأن ما تنطوي عليه الحِكمانية الجيدة من مكونات يقود إلى النقاش حول القيم والأنماط الحضارية والنتائج الاقتصادية والاجتماعية المرغوبة. ورغم هذا الاختلاف في الاتفاق على مكونات وخصائص الحِكمانية الجيدة إلا أن هناك عدداً من الأنماطِ أو القيمِ العاليةِ التي تنطبقُ على كافة الحضارات.
وفي النتيجة فإن فهم الحِكمانية الجيدة يعيننا على رسم الطريق أو وضع الإطار المرجعي للعمليات والممارسات المستقبلية للإصلاح المؤسسي للقطاع العام بهدف تحسين مستوى الإدارة على مستوى المجتمع.
يمكن القول بأن تحديد مميزات الحِكمانية تفاوت وفقاً لاختلاف وجهات النظر للدارسين حولها ولعل دراسات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) أعطت الموضوع الأهمية في الدارسة والتحليل لتحديد ماهية المميزات الأساسية للحكمانية الجيدة. ففي دراسة أولية تم تحديد سبع معايير لمميزات الحِكمانية الجيدة. وفي دراسة ثانية حشد لها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عدداً من الخبراء من كافة أنحاء العالم، خلص الخبراء إلى تحديد عدد من المميزات التي تتسم بها الحِكمانية الجيدة على النحو التالي:
" المشاركة ، الإدامة ، الشرعيـة ، الشفافية ، تدعو للعدالة والمساواة ، قادرة على تطوير الموارد والأساليب اللازمة لنجاح الحِكمانية وإدامتها ، تتحمل اختلاف وتنوع وجهات النظر ، قادرة على استثمار واستغلال الموارد اللازمة للغايات الاجتماعية ، تعمل على تقوية الآليات الوطنية والمحلية ، تعزيز سلطة القانون ، الكفاية والفعالية في استخدام الموارد ، المساءلة ، قادرة على تحديد وتبني الحلول الوطنية للمشاكل التي تواجه المواطنين في المجتمع ، التمكين والتخويل ، تنظيمية بدلاً من كونها رقابية ، قـادرة على التعامل مـع القضايا المؤقتة والطارئة بفعالية وكفايـة ، خدماتية.
ويمكن القول بأن هناك إجماع بأن الحِكمانية الجيدة تتسم بكونها تعتمد على المشاركة بين الأطراف والأركان الثلاثة المشار إليها والمكونة للحكمانية، وأن كل مؤسسة لها صوت واضح في عملية اتخاذ القرارات. وأن ميزة المشاركة تعتبر الأساس للشرعية في الأنظمة الديمقراطية بشكلٍ عام. وهذا يستلزم أيضاً أن إجراءات وعمليات اتخاذ القرار تتسم بالشفافية وتوفر المعلومات للمشاركين وللمهتمين بشكلٍ عام ليتسنى للمواطن أن يقوم بدور المساءلة للمؤسسات التي تقوم بتقديم الخدمات في الأحياء والمناطق المختلفة في المجتمع. مثلما يتسنى للمواطن تقييم مدى استجابة المؤسسات المختلفة لمتطلباته المختلفة التي من شأنها أن تحسن من مستوى المعيشة للمواطنين وتعمل على تنمية قدراتهم ومعارفهم للمساهمة في تحقيق التنمية الشاملة للمجتمع اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً.
