جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات
خصخصة الجيوش والامن
الكاتب : محمد زكي الجزار
بقلم الباحث/ محمد زكي الجزار
خصخصة الجيوش والامن
مهام الأمن الحكومية المناطة أصلاً إلى قوات الجيش والشرطة تُخصخَص وتوكل إلى الشركات العسكرية والأمنية الخاصة في البلدان التي يقود فيها النزاع إلى نزوح كثير من المواطنين.
مع تأسيس الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، ظهر نوع جديد من رجال الحماية والجنود من القطاع الخاص ممن يعملون في مناطق الحرب وفي المناطق التي تفتقر إلى الأمن ضمن قيود قانونية يُشك في نزاهتها. وتُنفّذ نشاطاتها على ما يمكن تسميته بالحدود التي تفصل الخدمات العامة للدولة والخدمات التجارية للقطاع الخاص، ومن هنا تنشأ "منطقة رمادية" خَطِرَة تفتقر إلى الشفافية والمساءلة والتنظيم. وهناك آثار سيئة لنشاطاتهم بالإضافة إلى نشاطات القوات العسكرية غير الرسمية والمليشيات، وتتمثل هذه الآثار المتزايدة في النزوح القسري وفي وقوع انتهاكات حقوق الإنسان.
تغطّي شركات الخدمات العسكرية والأمنية الخاصة عدداً من المهام التي كانت تلقى بالعادة على عاتق القوات العسكرية الرسمية والشرطة. وتستخدم خدمات هذه الشركات كلّ من الحكومات، والمنظمات العابرة للحكومات، والمنظمات غير الحكومية، والشركات العابرة للقارات، والمنظمات الإنسانية، ووسائل الإعلام، والمنظمات الدولية.
وقد أضاف استخدام الشركات العسكرية والأمنية الخاصة في مجال العمليات الإنسانية شيئاً من الضبابية على التمييز ما بين المنظَّمات الإنسانية غير الحكومية والشركات الهادفة للربح. وفي مناطق النزاع أو ما بعد النزاع كأفغانستان والعراق، حيث يزداد عدد الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة التي تقدم خدماتها للمنظمات غير الحكومية الإنسانية يصعب على المواطنين والمسؤولين الحكوميين على حد سواء التمييز بين المساعدات الإنسانية وقوى التدخّل.
وتأكيداً على تلك النقطة، تعمد إحدى شركات الأمن على وضع إعلان بانتظام في مجلة عمليات السَّلام الدولية لكي تروّج لنشاطاتها في أفغانستان، والصّومال، والكونغو، والبوسنة والهرسك، والسودان، والعراق. ويظهر في الإعلان صورة أحد الأفراد يُطعم طفلاً يعاني من سوء التَّغذية ويظهر على الإعلان الرِّسالة التَّالية: "من خلال الالتزام الإيثاري ومحبة الناس جميعاً، تعمل بلاكوتر على إحداث التغيير في العالم وتقديم الأمل لكل من يعيش حتى الآن أوقاتاً عصيبة"
لا يوجد اتفاق حول تعريف المقصود بالشركات العسكرية والأمنية الخاصة، فقد استخدم الدارسون العديدَ من المصطلحات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: الشركات العسكرية الخاصة Private Military Companies، والشركات الأمنية الخاصة Private Security Companies، والشركات العسكرية الخاصة Private Military Firms، ومقدمو الخدمات العسكرية Private Military Providers، ومتعاقدو الخدمات العسكرية/الأمنية الخاصة Private Military/Security Contractors، وهو ما خلق مزيدًا من الجدل في الأدبيات التي تناولت هذا الموضوع وبصورة عامة، يُشير مفهوم صناعة الشركات العسكرية والأمنية الخاصة إلى شركات تجارية تبرم عقودًا قانونية، تهدف بالأساس إلى تحقيق الربح مقابل ما تقدمه من خدمات عسكرية وأمنية، وتشمل الخدمات العسكرية: الخدمات المتخصصة المتعلقة بالتخطيط الاستراتيجي، والاستخبارات، والتحقيق، والاستطلاع البري أو البحري أو الجوي، وعمليات الطيران أيًّا كان نوعها، والدعم المادي والتقني للقوات المسلحة، وغيرها من الأنشطة ذات الصلة.
بينما تشملُ الخدمات الأمنية بوجه خاص، توفير الحراسة والحماية المسلحتين للأشخاص والممتلكات، مثل القوافل والمنشآت والأماكن الأخرى، وصيانة نظم الأسلحة وتشغيلها، واحتجاز السجناء، وتقديم المشورة أو التدريب للقوات المحلية ولموظفي الأمن وتعمل الشركات الأمنية الخاصة في إطار قيام مؤسسات الدولة بعمليات “الإسناد للغير” Outsourcing، والتي تتضمن تأسيس علاقة عمل قصيرة المدى تقوم على الحصول على خدمات أمنية أو عسكرية من الشركات الخاصة بمقابل مادي لفترة زمنية محددة، وبضوابط يتم التوافق عليها في إطار الالتزام بالقوانين والتشريعات المنظمة لعمل هذه الشركات في الدولة، مما يجعل مؤسسات الدولة في موقع الهيمنة على عمل هذه الشركات التي تخضع لشروط التعاقد.
ومن الصعوبة بمكان الحسم ببداية نشأة وظهور الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، ككيانات تجارية لها وضع قانوني تُمارس من خلاله نشاطها الخاص في المجال العام، فالبعض يرجع نشأة هذه الشركات إلى عام 1946، وتحديدًا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما تأسست شركة DynCorp من قبل عدد من المحاربين القدامى في الحرب العالمية الثانية، وكان نشاط الشركة وقتئذ هو توفير أفراد يمتلكون خبرات فنية في مجال صيانة الطائرات العسكرية.
محفزات خصخصة الأمن عالميًّا
يرتبط انتشار الشركات الأمنية الخاصة عالميًّا وأدائها أدوارًا متعددة في النطاقات الأمنية والعسكرية بالتغيرات التي تبعت نهاية الحرب الباردة، والتي تمثل أهمها فيما يلي:
1- تراجع الإنفاق العسكري: حيث اتجهت بعض الدول الأوروبية لتقليص الإنفاق على الأمن والإنفاق العسكري، وتقليص أعداد قوات الشرطة، وهو ما أدى لتصاعد دور الشركات الأمنية التي بات يتم إسناد عمليات التأمين إليها، وبعض العمليات العسكرية في إطار الحرب على الإرهاب.
2. صعود الخصخصة: أدى تزايد الاتجاه العالمي نحو الخصخصة، باعتبارها إحدى آليات السوق التي تحقق الكفاءة وتقليص الإنفاق العام، إلى تزايد خصخصة الخدمات الأمنية، والاعتماد على القطاع الخاص في القطاعات الأمنية المختلفة التي نجحت في استقطاب الكفاءات العسكرية والأمنية السابقة، وباتت تعتمد على نفس تقنيات التدريب والتأهيل المستخدمة في الجيوش النظامية وقوات النخبة في مؤسسات الشرطة.
3. التقدم التكنولوجي: أدت الطفرة التكنولوجية إلى تصاعد التعاون بين المؤسسات الأمنية والعسكرية وشركات السلاح التي تنتج أنظمة التسلح الحديثة، وقد أدى ارتفاع تكلفة التدريب على هذه التكنولوجيا، والحاجة إلى تعليم أفراد القوات المسلحة الوطنية كيفية عملها لوقت طويل، إلى سعي حكومات بعض الدول لتعزيز قدرات دفاعها بالتعاقد مع الشركات الخاصة التي تقدم الدعم لجيشها، مثل التكنولوجيا التي قدمتها شركة Aerospatiale في فرنسا، وشركة Rolls Royce في المملكة المتحدة.
أدوار الشركات الأمنية في الشرق الأوسط
أدى تدهور الأوضاع الأمنية في دول عديدة بالإقليم إلى تزايد الطلب على خدمات الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، إذ لم يعد دور الشركات الأمنية الخاصة مقصورًا على النطاقات المحدودة التي كانت تحكم نشاطها سابقًا، في ظل التوسع الطاغي في أنماطها وقدراتها العسكرية، وفي ظل تصاعد احتياجات دول الإقليم لخدماتها. وفي هذا الإطار يُمكن التفرقة بين عدة أدوار رئيسية:
1-تقييم المخاطر: وهي خدمات ترتبط بحجم ما يتوفر من معلومات صحيحة، فعلى سبيل المثال تعاقدت وزارة التنمية الدولية بالمملكة المتحدة Department for International Development(DFID) مع شركة Control risks لتوفير المعلومات الاستخباراتية والتحليلات للحكومة العراقية لدعم جهودها في محاربة الإرهاب
2. تقديم الاستشارات الأمنية: فعلى سبيل المثال، قامت شركات مثل DynCorp بتدريب قوات الشرطة والجيش العراقي، كما تعاقدت الأمم المتحدة مع الفرع الأفغاني للشركة البريطانية ISG Security LTD لتدعيم القدرات العسكرية والقتالية لأفراد الشرطة الأفغانية الوطنية. وشاركت شركة DynCorp في دعم بعثة الأمم المتحدة في السودان من خلال عمليات إنفاذ القانون، وكمستشارين في القضاء، وفي تدريب وتجهيز وتوجيه قوة الشرطة السودانية، وذلك عبر وجودها كجزء من القوات الأمريكية التي زاد عدد أفرادها عن 15 فردًا.
.3 حماية القيادات: مثل ما قدمته شركة O’Gara Protective Services من خدمات أمنية لبعض القيادات السياسية في دول الإقليم، أيضًا ما قامت به شركة Global Risk International من توفير حراسة للمسئولين الأمريكيين في العراق، كما قامت شركة دين كوبر الأمريكية -على سبيل المثال- بحماية الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي وكبار رجال الحكومة الأفغانية على مدار فترة طويلة، يُضاف إلى ذلك قيام شركة أوجارا بتوفير الحماية للرموز السياسية والمجتمعية في بعض الدول العربية، وشركة سيكيور بلس Secure Plus التي كانت تقوم بتأمين رموز تيار المستقبل السني في لبنان.
.4 تأمين المنشآت: تؤدي بعض الشركات الأمنية أنشطة تأمين المنشآت العامة ونقل الأموال مثل شركة Armor Corp البريطانية التي تقوم بتأمين مطار بغداد، وهو نفس الاتجاه الذي تبنته شركة موانئ العراق لتأمين ميناء أم القصر، وتعمل في هذا المجال أيضًا شركات محلية، مثل شركات الأمن الخاصة في مصر التي تقوم بعمليات نقل الأموال والتأمين وحراسة المنشآت، ففي مصر، تعاقدت وزارة التعليم العالي مع شركة فالكون للخدمات الأمنية على حراسة 15 جامعة مصرية، الأمر ذاته ينطبق على شركة التأمين الخاصة بمؤسسة سوناطراك النفطية الجزائرية التي تسعى لتوسيع قواعدها الأمنية لتشمل 10 آلاف عنصر أمني مدرب خلال خمس سنوات. وفي السياق ذاته، أعلن وزير الصناعة والتجارة المغربي في مارس 2015 عن وجود عروض من شركات أمريكية لتقديم خدمات تأمين البنية التحتية والمنشآت والموانئ والمطارات بالاعتماد على التكنولوجيات الحديثة.
.5 العمليات العسكرية: وهي الصيغة الأكثر حدية لنشاط الشركات الأمنية، بحيث تصبح قريبة من أنشطة المرتزقة في بؤر النزاعات المسلحة، وتعتبر شركة “بلاك ووتر” الأمريكية المثال الأبرز على هذا النمط؛ حيث شاركت في الأعمال العسكرية بالعراق وأفغانستان لصالح الولايات المتحدة، وتؤدي الآن عمليات تأمين في المغرب للمنشآت النفطية؛ حيث تملك قاعدة بيانات ما يقرب من 21000 جندي سابق من القوات الخاصة تستطيع الاستناد لخدماتهم، ولديها تجهيزات عسكرية متطورة تُشبه ما تمتلكه الجيوش النظامية، الأمر ذاته ينطبق على شركات مثل “يجال” الإسرائيلية .
خصخصة الجيوش والحروب
لم تعد الحروب المباشرة والمعارك الطاحنة التي تدور بين الجيوش النظامية, تستغرق الكثير من الوقت كما كانت في السابق. ولعل آخر الحروب الطويلة بين جيشين نظاميين كانت الحرب العراقية الإيرانية والتي استغرقت نحو ثماني سنوات. أما حربا الخليج الأولي والثانية وما بينهما فلم تستغرقا سوي بضعة أسابيع لكل منهما. وبالتالي فإن ما يميز الحروب الجديدة, هو قصر المدة الزمنية للمواجهات المباشرة بين الجيوش النظامية. ولعل ذلك يعود الي التقدم التقني الهائل في صناعة السلاح والقدرة التدميرية وحجم النيران, ومن ثم فإن الحسم السريع هو السمة الغالبة, يضاف الي ذلك تطور مواز في الاتصالات والاستخبارات والإعلام, مما يجعل المعارك محسومة من قبل أن تبدأ, تكريسا لمبدأ, اللعب علي المكشوف. الحسم السريع للمعارك, بين الجيوش النظامية في بداية الحرب, لم يعد يعني بالضرورة انتهاء المواجهات أو انتصار طرف علي آخر, بل قد يعني تأجيل اعلان النتيجة, وانتقال الكلمة الأخيرة الي حيث لا عنوان, حيث تتكاثف عناصر افتراضية, تقتات علي تهيؤات أفرزها نظام عولمي ظالم وهذا بدوره يعني الاستنزاف المتواصل للموارد المالية والبشرية لجميع الأطراف, كما يعني الازدياد المطرد لبؤر التوتر والصراع التي تبدأ هنا وهناك ولكنها لا تنتهي لسنوات.
أما مرتزقة القرن الحادي والعشرين, فهم لا يشبهون في شيء زملاءهم المرتزقة في التاريخ, فالمرتزقة المحدثون تحولوا الي مؤسسات مستقلة كغيرها من مؤسسات القطاع الخاص, وهذا يحدث للمرة الأولي في التاريخ الذي خص الدولة وحدها بمسئولية احتكار العنف لحفظ الأمن أو الدفاع عن الحدود.
وجود قوات المرتزقة بالعراق ليس بمجرد تعاقد أمني مع البنتاجون تقوم بمقتضاه هذه القوات بمهام قتالية نيابة عن الجيش الأمريكي, بل يسبقه تعاقد أيديولوجي مشترك بين الجانبين يجمع بينهما. وهؤلاء المرتزقة صاروا يمثلون ذراع الإدارة الأمريكية وسياستها, مما استحضر شكلا جديدا من اشكال الصراع أضحي مشكلة, ألا وهو خصخصة الحرب الأمريكية. استتبعه أن الإدارة صارت تعطي الحوافز للمقاولين الأمنيين لكي يضغطوا علي الكونجرس بوسائلهم, لتوفير فرص ربح أكثر لهم, ما يعني إشعال المزيد من الحروب.
وبلاك ووتر ليست الشركة الوحيدة العاملة في العراق, فهناك أكثر من60 شركة أمنية أجنبية تعمل هناك, وجميعها منتظمة في اتحاد واحد تحت اسم اتحاد الشركات الأمنية في العراق, ولقد تزايدت أعداد هؤلاء حتي تحولت بغداد الي عاصمة عالمية لشركات الأمن الخاصة. ويقدر عدد الأفراد العاملين في هذه الشركات ما بين100 الي120 ألفا وهم بذلك يشكلون القوة العسكرية المحتلة الثانية بعد الولايات المتحدة.
في كتابه أجندة هاليبرتون يقول دان برايودي: عاما بعد عام, كانت ميزانية الدفاع تتقلص تحت إمرة تشيني( في عامه الأول في وزارة الدفاع, تم تخفيض الإنفاق العسكري بمقدار عشرة مليارات دولار) وكان اعتماد الجيش علي المتعاقدين المدنيين محدودا جدا في مطلع التسعينات, لكن تشيني كان عازما علي تغيير تلك الحال. كانت فكرته تقوم علي توفير عدد أكبر من الجنود للمهمات القتالية في حين يتولي المتعاقدون الخصوصيون الأعمال اللوجستية.
كما أنها كانت طريقة نظيفة للتعامل مع الكابوس الاعلامي الذي كان يظهر كلما قامت الولايات المتحدة بإرسال قواتها الي ما وراء البحار. فالمزيد من المتعاقدين يعني جنودا أقل وقبولا سياسيا أكبر. وقد بدأت تلك المسيرة تفعل, ففي نهاية أغسطس1992 اختار سلاح المهندسين الأمريكي شركة هاليبرتون ـ التي تولي تشيني نفسه إدارتها بعد ذلك ـ للقيام بجميع أعمال المساندة للجيش لمدة خمس سنوات تالية.
خصخصة الحروب.. هي بالتالي السياسة الجديدة لأباطرة الحرب في إدارة بوش بهدف التغطية علي خسائر الجيش الأمريكي واستيعابها. وخاصة مع محدودية الطاقة الإجمالية البشرية للجيش الأمريكي البالغة نحو نصف مليون جندي, وتغييب مبدأ التجنيد الإجباري. ولا شك أن استمرار نمو هذه الظاهرة, سيعني اجتياح الخصخصة التي صادرت معظم وظائف الدولة الحديثة( من الاقتصاد والتعليم والبريد ومؤسسات البني التحتية, الي حفظ الأمن الداخلي), لاخر معاقل هذه الدولة, وقدس أقداسها: الجيش. فماذا بعد؟!
