جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات

مآلات التمكين الإداري المؤسسي

مآلات التمكين الإداري المؤسسي
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

    إن الكثير من المنظمات العربية تعاني بشكل واضح من المشكلات والسلبيات، نتيجة لبقائها لعقود طويلة أسيرة المركزية الشديدة، وهرمية المستويات الإدارية، وتعدديتها، وطول خطوط الاتصال الرسمية، وسرية المعلومات التي تمنح للموظفين، والذي أصبح اليوم عائقا أمام الطموحات التنموية والإصلاحية، بل انه بات عبئا لم يعد بالإمكان تحمل تكاليفه.

   وقد أصبح التمكين جوهر الإبداع الإداري لأية منظمة من المنظمات الإدارية، فالمنظمات المعاصرة تعيش ظروفا متغيرة ومعقدة ، مما يجعل حاجتها إلى الإبداع حاجة ملحة، إذ يتعين على المديرين الذين يتولون إدارة المنظمات الإدارية المعاصرة أن يحرصوا على تنمية وتطوير قدرات العاملين للمساهمة في حل المشكلات، والمشاركة في اتخاذ القرارات ، وتوليد الأفكار الجديدة والعمل بروح الفريق الواحد المتميز والجاد وصولاً للإبداع في العمل.

 إن التمكين مفهوم مشتق من كلمة القوة، وهو الذي يختص بمنح الموظف السلطة المتعلقة بالأعمال والموضوعات ضمن تخصصه الوظيفي، وتحريره من الضبط المحدد عن طريق التعليمات، ومنحه الحرية لتحمل مسئولية آرائه، وقراراته، وتطبيقاته، وتعتبر جوانب قوة تمكن الموظف من أداء عمله بشكل أفضل، مثل الصلاحية، المسئولية، المعرفة، المظهر، التكنولوجيا، العلاقات، المال، وسمة الشخصية.

الجدير بالذكر أن قيمنا الإسلامية مفعمة بالمطالبة والتشجيع على تنفيذ مفهوم التمكين، فقد جاء من حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته" وكذلك: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" وفي هذه الأوامر دعوة مباشرة للتمكين والتمكن والمسئولية في ذلك. كما أن للتمكين مقومات يلزم توافرها وأهمها: العلم والمهارة، القائد الممكن، الثقة المتبادلة بين الإدارة والعاملين، جودة الاتصالات، البرامج التدريبية الملائمة، ثقافة التمكين والتوسع في منح الصلاحيات والمسؤوليات.

إن عملية التمكين هي أبعد من عملية إعطاء الموظف الصلاحية، إذ إنها تشمل دائرة أوسع تضم المعرفة والمستوى التقني والثقة بالذات، وهذه المهارات الذاتية من شأنها إذا وضعت في القالب الصحيح أن تعطي الموظف أفضل النتائج على صعيد عمله.

إن كل مؤسسة ترغب في النجاح وتضع أمامها أهدافها المنشودة، يجب أن تنشر هذه الأهداف بين جميع العاملين فيها، وتتجنب حصر بناء الأهداف وتحقيقها في شخص واحد، وبالتالي تستطيع المؤسسة أيا كانت صناعية، أو خدمية، أن تصعد سلم التطور بخطوات أكبر. فقد أظهرت التجربة أن احتكار السلطة واتخاذ القرار لدى جهة واحدة، يؤثر بشكل كبير على المنتج النهائي للمؤسسة وعلى خدماتها، ومن ثم على قناعة زبائنها.

إن أساس التمكين هو تذويب احتكار السلطة في العمل الجماعي، إلا أننا يجب أن ننوه إلى نقطة أساسية، وهي أن التمكين لا يعني التنازل عن الصلاحيات الأساسية للإدارة، إذ من المألوف أن يرى المديرون التقليديون التمكين على فأنه نوع من أنواع التنازل أو التخلي عن سلطاتهم التي تخولهم بها مراكزهم.

إن ذلك يبدو جليا عندما يطبق التمكين، فأول تحد يواجه عملية التمكين هو فهم الإدارة لأبعاد هذه العملية، إذ يخشى المدير أن يتخلى عن بعض صلاحياته، إذ من البديهي أن يرى المشاركة على أنها تسليم قيادة المؤسسة للموظفين، أو للخطوط التي هي أدنى منه، فالتمكين يدعم المرؤوسين، ويجعل المدير يتفرغ المدير لعملية التخطيط لاتخاذ القرارات الرئيسية لعملية التطوير، وعملية دعم هؤلاء العاملين على اختلاف مستوياتهم.

ومن المردودات الإيجابية للتمكين،هو مشاركة الجميع في عملية التطوير وخدمة المؤسسة وتزيد قوة الاحتمال بأن المعلومات التي يبني عليها أصحاب القرار قراراتهم هي معلومات مفهومة وصحيحة، وهذا يظهر الفرق بين القرار الجيد و القرار المتميز، لأن وجود التمكين يوصل القرار إلى أفضل درجاته من التميز. مهارات بناء الفريق الناجح وغيرها من المهارات الفنية0 

إن تمكين العاملين لا يمكن أن يتم دون إيمان من المديرين بأهميته وفوائده فغالباً ما يحتاج الأمر إلى تنمية الأفراد ورفع قدراتهم ومهاراتهم لحل المشكلات ومواجهة المواقف ومنحهم الفرص للمبادأة وتقبل التحدي. وفي ضوء ذلك يجب تنمية المهارات الإدارية وتطوير الأساليب والطرق التي يمكن الاستعانة بها ومن بينها، مهارة حل المشكلات ، واتخاذ القرارات ، والتخطيط ، والمهارات القيادية.       

إن مفهوم تمكين العاملين من المفاهيم التي صاحبت تطور الفكر الإداري في السنوات الأخيرة، من خلال منحهم السلطة، و توثيق العلاقة بينهم وبين المنظمة في كل المستويات الإدارية بما يحفزهم على تقديم أفكارهم وتنمية مساهماتهم الإبتكارية لخدمة منظماتهم. ولهذا سعت العديد من الآراء والاتجاهات والمنظمات إلى المناداة بتمكين العاملين، وتقوية مركزهم بغية إتاحة الفرصة للإبداع والابتكار وزيادة الإنتاجية، وذلك باعتبارهم جزءاً أساسياً من النظام الإداري بالمنظمة.