الشهيد القائد أبو جهاد .. في ذكرى الرحيل

الشهيد القائد أبو جهاد .. في ذكرى الرحيل
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

حياة الأمم والشعوب والمجتمعات والأفراد إذا تقاس بقدر عطائها لا بقدر المدة الزمنية لحياتها.. لذلك كان من يعيش لغيره (وإن قصر عمره) يعيش طويلاً لأنه يسبق الزمان في ميلاده وفي قوته. ومن عاش لنفسه عاش حياة قصيرة (وإن طال عمره) لأنه ينفصل عن أمته ومجتمعه ووطنه.. وجل أولئك العظام كانت حياتهم (معظم الأحيان) قصيرة لكن الخلود لازمهم وحُفظ أسمهم محفوراً في تاريخ أمتهم وشعبهم.. أولئك الرجال الذين ينبغي أن نلتزم ذكرهم ونحيا مع أطياف نسمات نسمات تضحياتهم وعطائه.

ومن أولئك الرجال كان أبو جهاد (خليل الوزير) أمير الشهداء، ومعلم من معالم الثورة، وقطب من أقطاب العمل التحرري الفلسطيني، فبعد تاريخ من العطاء المتواصل لقي الرجل ربه في منزله الآمن بطريقة مذهلة سخيفة، لا يزال الكثير من حلقاتها مفقود أو مُغيب عن الجماهير، حيث كان الرجل رمزاً من رموز المقاومة الصلبة والعقلية العسكرية الفلسطينية التي لا تقبل الانحناء أو التبديل.. لذلك لمّا نُشر خبر اغتياله تدافعت مواكب الشهادة الفلسطينية تلحق بركب أبو جهاد، حيث سقط على ثرى فلسطين أثر نبأ استشهاد أبو جهاد ما يقرب من سبعة عشر شهيداً.

وفي السادس عشر من أبريل من كل عام يقف شعبنا الفلسطيني وقفة إجلال وإكبار لهذا الشهيد ليقام له حفل تأبين ونصب الذكرى.. نشيد بالرجل ونذكر مناقبه وعطاءه وجهاده وتضحياته منذ أن كان فتىً يافعاً في مخيمات وشوارع غزة ومنذ التحق بركب العمل العسكري لجماعة الإخوان المسلمين في ذلك الحين وحياة الغربة والرحيل عن الوطن بعد ذلك حيث اسس مع رفاقه (حركة فتح) ومن ثم منظمة التحرير الفلسطينية وكان الرجل العسكري الأول في هذه الحركة وقائد وحدات الانطلاق نحو فلسطين لذلك كان الرجل هدفاً ثميناً وصيداً غالياً لأولئك الذين سرقوا الوطن والإنسان وسرقوا البسمة من الثغر الفلسطيني، وللأسف.. تمكن السارقون من اصطياد الرجل العظيم وفي منزله حيث قُتل بطريقة وحشية حاقدة وأمام زوجته أم جهاد..

ولسنا الآن بصدد استرجاع الماضي الأليم فما زلنا نتجرع مرارة الحاضر الممتد من ذاك الماضي، ولكنا بصدد لفت النظر إلى المنهجية المعتمدة لدى شعبنا وقيادتنا ومنظماتها ألا وهي منهجية التسليم بالأمر الواقع رغم مرارته وغبنه وظلمه لشعبنا وأمتنا وأثر أي حدث يضاف إلى قاموسنا الفلسطيني يوماً أسوداً إضافياً من أيام التاريخ المليئة بنكد الطالع.. المغموسة بالمرار والعلقم، حتى غصت رزنامة الفلسطيني بالأحداث المؤلمة وما يكاد يمضي يوم أو أسبوع أو شهر إلا ونحيي الذكريات الغارقة في حبر الدم الفلسطيني ويغدو همنا الأوحد بعد الحدث وألمه كيفية إحياء ذكراه والوقوف على أطلاله، والبكاء على المجد المهدور غدراً في واقع ضعفنا وهواننا على الناس.

ولا يخطر ببالنا التحول إلى النهج العلمي الأصيل في معالجة أسباب الحدث والحرص على عدم تكرار وقوعه ومحاسبة مقترفيه والجرأة في الدفاع عن أجسادنا الغرقى في بحر دمنا المراق بأيدي السارقين.

وها نحن اليوم بعد مضي (30) سنة على استشهاد أبو جهاد لا نقف لنهتف من المسئول عن إراقة هذا الدم الطاهر، خاصة ونحن اليوم في ظل سلطة فلسطينية، وما زال رفيق درب أبو جهاد الشهيد أبو عمار سر رحيله حبيس الإرادة صاحبة المصلحة، وتستطيع السلطة أجراء تحقيق كامل في الموضوع، ولكن لماذا لا نقف جميعاً وعلى رأسنا (أم جهاد) صاحبة الحق الأول والشاهد الأقرب لحادث اغتيال أبو جهاد.

نقف إجلالاً وإكباراً لدماء الشهيد القائد أبو جهاد في ذكرى رحيله الثلاثون لنقول طبت حياً وطبت شهيداً أبا جهاد، رحمك الله وكوكبة شهداء شعبنا التي ما زالت تخضب أرض فلسطين بالدماء الطاهرة العزيزة.