جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات

مقال بعنوان: الحكم الرشيد بين الواقع والمأمول..!!

مقال بعنوان: الحكم الرشيد بين الواقع والمأمول..!!
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

                                   الحكم الرشيد بين الواقع والمأمول..!!

بقلم الباحث/ صلاح محمد إبراهيم أبو غالي

في ظلال التطور الفكري ونهضة الأمم، وتغيرات الواقع في كافة الصعد على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي والقانوني والأمني، لا بدَّ لنا إلا أن نتفيَّأ بهذه الظلال لنفهم ماهيَّة هذا التطور الحديث والمتسارع والذي نواكبه خلال هذا العصر، حيث أصبح لدينا مصطلحات حديثة لابد لنا إلا وأن نتعرف عليها لندرك ماهيَّة هذا التطور وأبعاده ومآلاته، ومن أهمها هو مصطلح  "الحكم الرشيد"، فماذا نعنى بالحكم الرشيد؟ وكيف يتم تطبيقه؟

فالحكم الرشيد بمفهومه العام يدلُّ على جُملة الممارسات والأساليب التي تضمن تحقيق ودعم وتعزيز الرفاهية الإنسانية، وتتيح إمكانية توسيع دائرة خيارات البشر وفرصهم، وفتح الآفاق المتعددة لهم لتحقيق مستوى معيشي أفضل على كافة الأصعدة الحياتيّة، بما في ذلك الجانب الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي، والأمني، ويرتبط مفهوم الحكم الرشيد وعناصره إلى حد كبير بمفهوم الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية والأمن والاستقرار, متصلة ومرتبطة ببعضها البعض, كون أن أي مجتمع ديمقراطي يكون قائم على احترام حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير والمحاسبة والشفافية وسيادة القانون والفصل بين السلطات الثلاثة، ودورية الانتخابات والتداول السلمي للسلطة، والمشاركة والتعددية السياسية.

وهناك مبدآن للحكم الرشيد، المبدأ الأول: سيادة القانون، والمبدأ الثاني: السلطة حق للناس جميعاً، فالمبدأ الأول يرى أن "السيادة للقانون، ودين الله هو مصدر القوانين، وقيم المجتمع العليا هي المرجع والإطار للقانون". أما المبدأ الثاني فإن السلطة حق للناس جميعاً، وليست ممنوحة لشخص أو سلالة أو طائفة أو جماعة. فالله هو الحاكم، والناس خلفاؤه، والرئيس إنما هو نائب عن الناس، يولونه ويعزلونه ، ومن أبرز  معايير الحكم الرشيد حق المشاركة والانتخاب والتصويت حيث يتضمن حق جميع المواطنين في التصويت، وإبداء الرأي، والمشاركة الفعّالة والمباشرة في العملية الانتخابية، ولا بد لسيادة القانون أن يكون هناك مرجعية ثابتة وقوية لكافة المواطنين، وتعتبر سيادته هي الأقوى، والمعيار الثاني هو الشفافية، ويدلّ هذا المعيار على تحقيق الكشف، والشفافية، والإفصاح، والوضوح في كافة التعاملات، ويتيح توفر كبير للمعلومات المختلف، وذلك من خلال فتح قنوات الاتصال الفعالة بين المواطنين والجمهور والمسؤولين والقائمين على الأعمال المختلفة في المجتمع والدولة، تحقيق العدالة والمساواة فيما يتعلّق بتوفير الفرص لكافّة أفراد المجتمع أي أن تتم إتاحة الفرص بدون تحيز وبكل موضوعية، وتأخذ جميع الفئات حقّها. والمعيار الثالث هو الفعالية، أي إنجاز الأهداف، والقدرة على تحقيق كافة الأهداف الموضوعة في الخطط، وذلك من خلال استغلال الموارد بالأسلوب الأمثل لتحقيق ذلك. والمعيار الرابع هو المساءلة والمحاسبة، أي الرقابة على الموظفين والمسؤولين في الجهات العليا في الدولة، والحرص على عدم حدوث الفساد، والاحتكار، والاختلاس، وغيرها ، والمعيار الخامس هو النزاهة، وتتمثّل في مجموعة القيم الأخلاقية الموجودة في مدونة السلوك المقبولة، مثل: الصدق، والأمانة، والإخلاص، والمهنية، وإدارة المصالح العامة، والمعيار السادس هو الرؤى الاستراتيجية، وتتمثّل في جملة الخطط متوسطة وبعيدة الأجل التي يتمّ وضعها خصيصاً لغرض تطوير المجتمع والنهوض به، ويتمثّل في قائمة الطموحات التي يسعى الأفراد والمواطنون والمجتمعات والدول إلى تحقيقها من خلال تطبيق كافّة معايير ومبادئ الحكم الرشيد.

هذا نبض الواقع لبعض المعايير الهامة والتي بدأت الدول المتقدمة والمتطورة بتطبيقها أو تطبيق أبرزها، إيماناً بصنَّاع السياسة والقرار بأنها داعم مهم للاستقرار السياسي والسلم المجتمعي,

وانسجاماً مع هذه المعايير والتي يطبقها البنك الدولي والأمم المتحدة، وتساوقاً مع المطالب الدولية والعالمية بضرورة تطبيق هذه المعايير ليتم تصنيف والحكم على أي دولة بأنها دولة ديمقراطية وتمارس وتطبق معايير الحكم الرشيد بكفاءة وفاعلية، تتسابق الدول الآن في تطبيق هذه المعايير بشكل فعليّ وبعضها شكلياً لتظهر بمظهر حضاري، وفي كل الأحوال تظل هذه المعايير محط تداول وسجال بين الأمم.

والمأمول على مستوى الأمة العربية والإسلامية أن تلحق بركب الأمم المتقدمة وأن تلحق بركب التطور المتسارع وأن تحذوا حذوهم، وأن تسعى جاهدة لتطبيق معايير الحكم الرشيد بالشكل الذي يليق بها كأمة إسلامية هي الأساس لتلك المعايير ونزل الإسلام بها ضمن مقاصد الشريعة الإسلامية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما مدى تطبيق معايير الحكم الرشيد في فلسطين؟ وما هي أبرز معوقات تطبيقه؟

                                                                            * تم بحمد الله *