جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات

الحكم الرشيد.. خطى النصر الأولى

الحكم الرشيد.. خطى النصر الأولى
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

لا تزال مجتمعاتنا العربية والإسلامية تحلم بأن تمارس ما يسمى بـ "الحكم الرشيد"، وحتى إن لم تفهم أحيانا معناه الشامل الذي يشبه بناءً متكاملا يقوم على أسس راسخة وثابتة حتى يعلو شامخا قويا عصيا على الهدم.

     ومفهوم الحكم الرشيد ينقض أسس تفكيرنا التقليدية التي تقضى بأن الدولة هي كل شيء وهي الآمر الناهي، وهي التي تأمر والناس تطيع. إن مفهوم الحكم الرشيد يقوم بالأساس على مبدأ أن الدولة أو الحكومة لم تعد هي الفاعل الأساس في إدارة الإنسان، إنما يسعى لإعادة رسم العلاقة بين الحاكم والمحكوم عن طريق صيغ جديدة تعززها مؤسسات المجتمع المدني، في ظلال أجواء ديمقراطية تسودها العدالة التي تنبثق من قوانين وأنظمة يقبلها الجميع.

     ويمكننا القول أيضا بأن أساس مفهوم الحكم الرشيد هو عملية نزع هالة القدسية عن السلطة ونقلها للمجتمع والأفراد، وهو يعكس أساسيات الإصلاح والكفاية الإدارية في قيادة الدولة للمجتمع بسيادة القانون، ويسعى المجتمع من خلاله، في المقابل، إلى مزيد من المشاركة وتفعيل نفسه مدنياً.

     إن أس البلاء والتخلف والفقر في مجتمعاتنا العربية، هو الأنظمة المستبدة العقيمة الظالمة، التي تضع نفسها سيفا مسلطا على رقاب العباد، ولا تسمح لأحد أن يقول لا، أو أن يطالب بمبدأ المحاسبة والشفافية، رغم أن ديننا الحنيف أكد على ذلك، بل وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم من قام بهذا العمل وقتل لأجله من سادة الشهداء حينما قال: "سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى حاكم ظالم فنهاه فقتله".

     الحكم الرشيد لا يعني الفوضى أو عدم تطبيق القانون، بل هو إدارة للدولة بطريقة أكثر شفافية ومسئولية، يخضع الجميع خلالها للمساءلة والمحاسبة، وبذلك يعرف الجميع حدوده وواجباته ومسئولياته وحقوقه، ويكون هذا هو بداية الانطلاق والتطور والقضاء على الفساد بأنواعه المختلفة.

 

     إن مفهوم الحكم الرشيد يقوم في جوهره العميق على العدالة، وديننا الحنيف أكد على أن "دولة الكفر العادلة أدوم من دولة الإسلام الظالمة"، وهكذا يكرس ديننا الحنيف مبدأ الحكم الرشيد الذي نصبو إليه في مجتمعاتنا كلها وخصوصا في واقعنا الفلسطيني المعقد الذي يعاني من الاحتلال الصهيوني الذي بدوره يساهم مساهمة كبيرة في نشر الفساد من أجل إبقائنا على حالة التشرذم والضياع حتى يحقق السيادة الدائمة والسيطرة على الأرض والإنسان.

     إن الحكم الرشيد يهدف بالأساس لتحقيق المصلحة العامة للمجتمعات ويعتمد مبدأ المشاركة الفاعلة والتواصل المستمر بين أفراد ومؤسسات المجتمع بكافة شرائحه وبين الدولة فيصنع القرارات والبرامج وحل المشكلات. وفي واقعنا الفلسطيني الذي أشرنا إليه سابقا، أرى أن تطبيق الحكم الرشيد في داخلنا أفرادا وجماعات، قاعدة وقيادة، فصائل وأحزاب، حكومة ومعارضة، هو الطريق الأقصر، والأقل كلفة للتخلص من الاحتلال الصهيوني الغاشم.

    وسيزول أي عجب من القارئ عندما ينظر بحصافة إلى أهم مبادئ الحكم الرشيد، وهي باختصار: المشاركة، وسيادة القانون، والشفافية، والمساواة، والتجاوب الحسن، والفعالية، والمحاسبة، والنزاهة، والخطط الناتجة عن رؤى واضحة المعالم.

     إن تطبيق تلك المبادئ بصدق وجدية في أي مجتمع، كفيل بأن ترفع ذلك المجتمع إلى قمم الشموخ والرفعة، وأن تقضي على الجهل والتخلف والفقر، بل وأن تترك للإنسان أن يتفكر في جوهر وكنه وجوده ومن ثم يعمل عقله بحرية وحينها سيختار الإنسان كل ما فيه أصالة الفطرة السليمة التي ارتضاها الله عز وجل للإنسان.

     وفي مجتمعنا الفلسطيني، فإن تطبيق تلك المبادئ من شأنه أن يوحد صفنا، ويصلح أمرنا حتى ننتصر على المحتل الذي يستقوي علينا بضعف كلمتنا وتشرذم صفنا