جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات
الخصخصة بين الواقع و المأمول
الكاتب : رامي أبو عجوة
|
ما إن بدأ القرن العشرون في البزوغ ظهرت عوامل متنوعة عملت على إيجاد دور بارز ومؤثر للدولة في المجال الاقتصادي، ويوماً بعد يوم قويت هذه العوامل ونمت، ومن ثم تضخم الدور الاقتصادي للدولة، باعتقاد أن هذا العمل الشاق والمجهود الضخم لا ينهض به إلا الدولة بكل مالها من صلاحيات وما تمتلكه من سلطات ومؤسسات، حيث أخذت الحكومات على عاتقها عبء القيام بإصلاح ما أفرزه نظام السوق من عيوب اجتماعية واقتصادية، تتعلق بالاستقرار الاقتصادي، وبالتوازن الاجتماعي، وبالكفاءة الاقتصادية. وما إن دخلنا في منتصف القرن العشرين وسرنا فيه حتى بدت عوامل التحول من هذا النهج إلى نهج مغاير، رويداً رويداً. من جراء ظهور متغيرات ومستجدات اقتصادية واجتماعية وسياسية. وأخذ القطاع الخاص يحتل مكانه شيئاً فشيئاً إلى أن دخلنا في الربع الأخير من هذا القرن، حيث كان التحول قد وصل إلى ذروته، فأخذ الفكر و معه التطبيق ينادي بسيادة وسيطرة وهيمنة القطاع الخاص، وانحسار دور القطاع العام، وكف الدولة يدها عن الكثير مما كانت في الماضي تحت سيطرتها، وبدت العملية كما لو كانت مقابلة بين دورين أو بين فاعلين، إذا قوى أحدهما ضعف الآخر. وسيطر مصطلح الخصخصة، كما سيطر من قبل مصطلح التأميم، وساد جهاز السوق كما ساد من قبل جهاز التخطيط، والأيام دول حتى بين الأنظمة والمصطلحــات. فهناك من ينظر للخصخصة ويتعامل معها علي انها نهج اقتصادي كامل وشامل يحيل النظام الاقتصادي القائم من تصنيف لتصنيف آخر ، وهناك من ينظر فيه علي أنه نهج اقتصادي جزئي يتعلق بتعديل وتغير بعض جزيئات الهيكل الاقتصادي القائم والنظام الاقتصادي المهيمن دون أن يترتب عليه أو ينجم عنه تغير للهيكل وللنظام ككل. في الإطار الواسع نعرف الخصخصة على انها "جزء من عملية الإصلاحات الهيكلية للقطاع العام في البنيان الاقتصادي، تستهدف رفع معدل النمو الاقتصادي، من خلال تحسين كفاءة المؤسسات والأداء السياسي"، وفي الإطار الضيق نجد هو" تحويل بعض المشروعات العامة الى مشروعات خاصة من حيث الملكية أو من حيث الإدارة " أوهى "إدارة المنشأة على أساس تجاري من خلال نقل ملكيتها كلها أو بعضها للقطاع الخاص، أو تأجير خدمات محترفة تضطلع بمهمة تسير المنشأة على هذا الطريق ". إذن نحن أمام ظاهرة محلية وعالمية تقوم على تحويل للمشروعات العامة أو بعضها إلى مشروعات خاصة، ملكية أو إدارة، وتقوم كذلك على اعادة رسم الخريطة الاقتصادية بحيث يكون الفاعل الرئيسي فيها هو نظام السوق بدلاً من الدولة ونظام التخطيط. وقد كانت هذه الدول الرأسمالية سباقة في تبني هذا التوجه الذي مثلت فيه الخصخصة محوراً رئيساً، وعلى رأس هذه الدول انجلترا، ففي عام 1977 عرضت شركة البترول البريطانية للبيع ثم شركة الطيران ثم شركات المياه والكهرباء وغيرها. |
|
و الذي اوصلنا للتوجه الكاسح نحو التخصيصية عوامل متعددة منها رفع الكفاءة الاقتصادية للاقتصاد القومي فقد تبين أن قدرات وإمكانات القطاع العام متواضعة على المستوى الإداري وعلى المستوى الفني، ومن ثم فهو عاجز عن تقديم السلعة أو الخدمة ذات النوعية العالية تستطيع التنافس مع المنتجات الأجنبية، وبالتالي تحسين وضعية موازين المدفوعات، و كذلك تسهم الخصخصة في توسيع قاعدة الملكية، كما أنها تجذب رؤوس الأموال الأجنبية وتغري بالعودة رؤوس الأموال الوطنية، كما و تسهم الخصخصة في إعادة تحديد دور الدولة بما يؤهلها للقيام بوظيفتها الكبرى المتمثلة في التحكم والانضباط والإشراف والرقابة بعد أن شغلت عن هذه الوظيفة بممارسة النشاط الاقتصادي. وهناك دافع قد لا يقل أهمية عن الدوافع الأخرى وهو الدافع الأيديولوجي، فهناك رغبة عارمة لدى دول النظام الرأسمالي بتعميم كل مبادئه وتنظيماته على كل دول العالم ، سواء كان ذلك في صالح هذه الدول أو في غير صالحها، ولهذا الدافع رصيد كبير من الصحة والمصداقية، وغير خاف ما هنالك من صلة وارتباط بن الخصخصة والعولمة، وبخاصة الشركات العالمية، فهناك تحريض قوي مباشر وغير مباشر وأحياناً يصل إلى درجة الحمل والضغط على قيام الدول النامية بالمزيد من الخصخصة، لأن ذلك يتيح الاستحواذ على العديد من الشركات والمؤسسات الوطنية أو المشاركة فيها غير عابئة بما يكون لذلك من أثر على الاقتصاد القومي. و لخصخصة المشروعات العامة العديد من الصور والأساليب وبوجه عام يوجد شكلان أو أسلوبان للخصخصة الاولى خصخصة الملكية ومؤداها تحويل ملكية المشروع كلياً أو جزئياً إلى ملكية خاصة ويمكن أن يتم ذلك من خلال البورصة أو المزايدة أوإلى العاملين فيه، كما يمكن أن يتم من خلال بيع المشروع أو جزء منه كأصول، وبالطبع فإن بعض هذه الصور لا تصلح لخصخصة ملكية كل المشروعات، وإنما قد يصلح هذا الأسلوب لمشروع ولا يصلح لمشروع آخر، و الاسلوب الثاني خصخصة الإدارة ومؤداها انه لا يحدث تغيير في نمط ملكية المشروع، فيظل المشروع مملوكاً ملكية عامة لكن الذي يحدث تغيير أسلوب ونمط إدارته، وهناك صور عديدة لخصخصة الإدارة منها عقود الإدارة وبمقتضاها تحتفظ الدولة بالملكية وتوكل إدارة المشروع إلى القطاع الخاص على أن توفر له كل الأموال اللازمة وذلك نظير عائد محدد وأكثر ما يكون ذلك في المشروعات الخدمية، ومنها عقود التأجير حيث تبقى ملكية المشروع للدولة ويؤجر للقطاع الخاص، والفرق بين هذه الصورة وسابقتها أنه في حال التأجير يدفع المستأجر الإيجار بغض النظر عن نتيجة المشروع، ويعد هذا الأسلوب أو هذه الصورة من أكثر الصور شيوعاً في عمليات الخصخصة، لما يتميز به من البساطة وجذب الاستثمارات الخارجية، وكثيراً ما يستخدم في مشروعات البنية الأساسية مثل شبكات الطرق ومحطات الكهرباء والمياه والمطارات و الموانئ .....إلخ. بالنظر في التجارب والبرامج التي طبقتها الدول المختلفة لإنجاز عملية الخصخصة نجد أن نتائج عملية الخصخصة تفاوتت بشكل كبير إيجاباً وسلباً من دولة لأخرى، وبوجه عام نجد أن الخصخصة قد حققت نتائج إيجابية في الدول المتقدمة بيد أن نتائجها في الدول النامية كانت في جملتها مخيبة للآمال، حيث لم تحقق الكثير من أهدافها، بل إنها في حالات كثيرة جاءت بنقيض مبتغاها، وذلك على صعيد الكفاءة والعدالة والعمالة وعلاج الاختلالات في الموازنات العامة وموازين المدفوعات. فزاد حجم البطالة ولم ينكمش وارتفعت الأسعار، بل وبددت أصول المجتمع الإنتاجية الثابتة من خلال عدم الرشد في استخدام حصيلة بيعها، كما أنه شابه في حالات عديدة الفساد، وأسهمت في توسيع نطاق الاحتكار، وتملك الأجانب كثيراً من الأصول الإنتاجية المهمة. و يمكن القول أن التوجه إلى انتهاج الخصخصة في مناطق السلطة الفلسطينية في اواخر التسعينات من القرن الماضي و ذلك بعد قيام السلطة الفلسطينية، حيث بدأت اول عمليات الخصخصة في عام 1997 قطاع الاتصالات بالكامل ،وقد ركزت خطة التنمية الفلسطينية2000-1998 على دور القطاع الخاص ، وأعطت الدور الريادي له في أعادة بناء الاقتصاد الفلسطيني، وذلك من خلال دراسة الوضع الاقتصادي العام للقطاع الخاص والقطاع العام في فلسطين وتحليل هذه العملية بكل ابعادها. ويعود السبب المباشر إلى هذا التوجه إلى الاختناقات والأزمات المالية التي كان يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني، والناتجة عن انخفاض المساعدات المالية التي كان يتلقاها الاقتصاد الفلسطيني من الخارج، وتضخم حجم القطاع العام في الدولة، وانخفاض نسبة الحوالات من العاملين في الخارج، بالإضافة إلى انخفاض حجم الصادرات من البضائع والسلع، كل هذه الأسباب أدت إلى أحداث ضغوط مباشرة على الموازنة العامة للدولة المنشودة ،مما أدى إلى ارتفاع قيمة العجز فيها ونتج عنة ارتفاع قيمة المديونية الخارجية وتفاقم مشكلاتها. نتيجة لهذا التوجه قامت السلطة بعمل دراسات تهدف إلى تحويل بعض مؤسسات القطاع العام إلى القطاع الخاص، وتم خصخصة شركة الاتصالات الفلسطينية في 1/1/1997 حيث باشرت شركة الاتصالات الفلسطينية المملوكة للقطاع الخاص أعمالها الميدانية براس مال مصرح به 65 مليون دينار اردني وبذلك اصبح قطاع الاتصالات في الاقتصاد الفلسطيني أول قطاع حكومي فلسطيني يتم نقله بالكامل للقطاع الخاص منذ ممارسة السلطة الفلسطينية صلاحياتها على الارض في العام 1994، وشركة كهرباء غزة ، وسوق فلسطين للأوراق المالية و كانت الخطوات القادمة تتجه نحو خصخصة ميناء غزة ، ومطار غزة الدولي ، والمدن والمناطق الصناعية . من الملاحظ ان الخصخصة في القطاعات العامة في الاراضي الفلسطينية لم تكن ناجحة بالحد المطلوب، بسبب التوجهات الاحتكارية لتلك المؤسسات و لعدم قدرتها على حل المشكلات الاقتصادية و الاجتماعية مثل ارتفاع اسعار الخدمات و الذي يظهر جليا في قطاع الاتصالات و الكهرباء و ازدياد معدلات البطالة بشكل ملحوظ. وكذلك ترجع مشاكل الخصخصة في المناطق الفلسطينية الى عدم الاستقرار السياسي في المنطقة، و عدم و جود البيئة التشريعية و القانونية التي تخدم التوجيه حيث ان قانون الاستثمار المالي و قوانين الضرائب المفروضة بحاجة الى اعاد النظر، وضعف البنية التحتية. والتساؤل المثار بعد كل هذه المشاكل لم كان هذا الحصاد المر؟ والجواب عن ذلك أن الخصخصة ليست مسألة نظرية فكرية يتقرر من خلال الورق صلاحها من عدمه، وإنما هي مسألة عملية ونهج تطبيقي، ومن ثم فهي في حاجة ماسة إلى توافر العديد من المقومات حتى تحقق مقصودها منها توفير البيئة الملائمة من النواحي التشريعية والقانونية ، وجود جهاز قومي أمين وكفء يتولى القيام بعملية الخصخصة من خلال تخطيط سليم يأخذ في الاعتبار جميع الجوانب الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية ، وجود توافق قومي صريح حول كل خطوات عملية الخصخصة وحتى التصرف في ايراداتها، و العمل على كسر الاحتكار في مجال الاتصالات و الكهرباء بما يخدم المواطن و بأسعار مناسبة. وبعبارة جامعة توفير قاعدة المشروعية لهذه العملية، حتى تحقق أقصى قدر ممكن من المصلحة العامة، تلك التي ترتكز على ركيزتي الكفاءة والعدالة معاً. |
