جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات

ثقافة الاختلاف بين القائد والتابعين

ثقافة الاختلاف بين القائد والتابعين
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

الاختلاف سنة كونية، ولو كان الكون نسقاً واحداً لملت الأنفس، فاختلاف الآراء والأذواق والأفكار في حد ذاته رحمة للأمة، ونعمة من نعم الله علينا، وبصيرة لا يفقهها إلا العقلاء، فهو درجة من درجات التفكر والتعقل، ولولا الاختلاف في أنماط التفكير وطرح الآراء لما تطورت البشرية، فثقافة الحوار بلا اختلاف، كجسد بلا روح، أو كشجرة بلا ثمار، مع الأخذ في الحسبان أن الاختلاف يفقد قيمته حينما يتحول إلى خلاف أو عداء شخصي، إذن تساؤلي، لماذا لا نتكيف مع هذه الثقافة؟ ولماذا نضجر عندما لا تعجبنا أفكار الآخرين، فنقوم بتحقيرها وتسفيهها والتهجم على متبنيها؟ في حين أننا غير مرغمين على قبولها، بل وفي إمكاننا رفضها بكل حرية؟! فالفرد حر في قبول أو رفض أي رأي، أي فكر يختلف معه جملة أو تفصيلا، على أن تكون لديه بالضرورة ثقافة الاختلاف مع آراء الآخرين والتعايش بمرونة وسلم معهم. إن ديننا الحنيف يقبل ثقافة الاختلاف، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، أو المجادلة بالتي هي أحسن، لقوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن) والبعد عن التعسف وتسفيه آراء الآخرين، فرسولنا محمد عليه الصلاة والسلام كان يشاور أصحابه ونساءه، يستشيرهم ويأخذ بآرائهم ومقترحاتهم، وهو الذي يُوحى إليه، على عكس من يرتدون اليوم جلابيب الوقار، ويحسبون أنفسهم ضمن الخط الديني، فالتنوع مثل حوض من الزهور جمالها في تنوع الألوان وتناسقها، ولا يقضي على جمالها، إلا إذا أهملت بدون رعاية للأعشاب الضارة لتخنقها، وتقضي على استمرار جمالها، ليحل مكانها قبح الأشواك. فالخلاف هو الذي يولد التباغض والانقسام، وهذا ما يحدث مع الأسف في كل شيء في حياتنا، للأسف فلقد نشأت مجتمعاتنا العربية على ثقافة يسود فيها الخلاف، بمعنى مخالفة كل ما يعارض أفكارنا وتفكيرنا وميولنا، وقد ترسخت تلك الثقافة في اللاشعور العربي نتيجة للتخلف والتأخر الذي عرفته مجتمعاتنا، لذا يجب أن نؤمن بأن الخلاف في الرأي لا يفسد الود، وأن مناقشة الأفكار أجدى وأكثر فائدة من اعتقال الآراء، فأما آن الأوان لأمة “اقرأ” أن تتخلى عن الصياح وتبدأ بتقبل هذه الثقافة؟ أم إن ثقافة قبول الاختلاف ليست من جينات العرب؟ لقد خلق لنا المولى عز وجل أذنين، ولم يخلق لنا إلا فما واحدا فقط، لنسمع أكثر مما نتكلم، فمن منا لا يختلف مع الآخر؟ وهل هناك مشكلة في أن يكوّن الفرد لنفسه آراء خاصة به تعكس ثقافته وشخصيته وسلوكه؟ إن ثقافة الاختلاف يا أعزاء، والتي انتشرت عدواها في المجتمع انتشار النار في الهشيم، تتطلب منا واعيا مؤمنا بها، منفتحا عليها مع احترام الآخرين في آرائهم، لا يخرج عن سلوكياتها القويمة، ولا يقبل ما يناقضها من أي منهجية غير أخلاقية، تغيب عنها لغة الحوار الهادف، البعيد عن التشنج والصراخ، ومازال يراودني تساؤل فهل سيعود حوض الورد الجميل بتنوع ألوانه الرائعة المتناسقة ليتفاعل من جديد، أم للأسف لن يعود ؟ !

من هذا المنطلق فنحن كقادة يجب علينا ترسـيخ فـكرة الاخـتلاف، استناداً لرأي ايمامنا الإمـام الـشافعـي، رضـي الـله عـنه، عندما قال: «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب». إذا أخـذنـا هذا في الاعتبار، فلن يثور كل منا من أجل رأيه بل سيـكون عليه أن يستمع إلى رأي الآخرين، وإذا أصر على رأيه فعليه أن يقـدم الأدلـة والبـراهين على صدق كلامه، هذا إن لم يقـتنع برأي الآخـرين لأن لـديه مـا يـثبت خـطأ هذا الرأي. وأهم من إثبات الرأي طريقه إثباته، فيجب أن يكون هذا باللين والرفـق في الـكلام، لأن الكلام الليّن يغلب الحق البـيّن.