في ذكرى الرحيل .. الشهيد غسان أبو ندى
لا زالت الانتفاضة المباركة متأججة نارها على طول البلاد وعرضها وكل يوم يدفع شعبنا ثمن استمرارية الثورة من دمه وعرقه وجهده، فما من بيت فلسطينـــي إلا وزارته المحن والكروب ليدفــــع أهلنــــا ثمناً غالياً للحرية والكرامة وبطلنــــا اليـــــوم أحــــــد أولئك الذين أبوْا إلا العطاء، وأي عطاء ... إنه الــــدم والشهادة ...
كان اليــــوم الثالــــث من شهــــر مايو/ آيار من العام 1991م حيث أزهرت ورود الربيع الحالم، وحين داعبت نسمات المســــاء الرطبة وجوه الخلية القسامية الأولى في منطقة غزة الرابضة بين الأحراش الواقعة شمال غزة تنتظـــر صيدها الأصعب في باكورة أعمالها التطهيرية ... والصيد ليس سهـــلاً بل لعله أخطر المطلوبين لمجموعات الانتفاضة نظراً لتسليحه الجيــــد وتحركه الدقيــــــق...
لم يطل انتظار الخلية حتى تقدمت السيارة التي تحمل الهدف (مصطفي المشلوح) أخطر عملاء المنطقة الشمالية ... وتوقفت السيارة بشكل طبيعي أمام الحاجز الحجري الذي وضع لهذا الغرض ... فانقضت الخلية القسامية على العميل الخطير وأحاطت بالسيارة وأظل بطلنا المقدام (غسان) من زجاج السيارة إلى حيث يجلس المشلوح خلف المقوّد آمراً إياه بالنزول الفوري ... وفي لحظة أخرج المجرم مسدسه وأطلق الرصاص على رأس (غسان) الذي سقط فوراً على الأرض مدرجاً بدمائه الطاهرة ... ولم يلبث إلا دقائق حتى صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها... كانت السيارة حينها تنطلق وسط الحاجز فارة فيما بقي الأبطال القساميون في ذهول شديد ... أحاطوا بجثمان أخيهم الشهيد في لحظة وداع أخيرة مؤثرة، أقسم حينها الأبطال بالله العظيم على الثأر والانتقام لدماء (غسان) الغالية من كل المجرمين.
هذه اللحظات الرهيبــــة كانت الدافـــــع الأكبر لهذه الخلية القسامية للإنطلاق الإبداعي لتمثل أبرز ما أنتجـــــت خلايا القسام من إنجازات وليمثل كل واحد منهم علمــاً بارزاً من أعلام الجهاد القسامي علــــــى أرض الربـــــاط.
من قرية (بيت جرجا) الفلسطينية هاجرت عائلة (أبو ندى) كما هاجر كافة أبناء فلسطين الحبيبة إلى اللجوء في الديار بعد الهجمة اليهودية الشرسة بمساندة القوى الغربية وتخاذل القوى العربية حيث بات للشعب الفلسطيني أبناء في كافة البلدان نتيجة النزوح الجماعي والهجرة المريرة.
واتجهت عائلة (أبو ندى) إلى الجنوب حيث قطاع غزة وفي مخيم اللاجئين جباليا الأكثر شهرة والأكبر عدداً حُطت الرحال ونصبت الخيام ...
وظلــت أحلام العـــــودة إلى بيت جرجا ساكنــــــة في أوصال القلب النازف ... وشاب (مصباح أبو ندى) وما زال قائماً على حلمه ... ونقل حلمه إلى ورثته الذين عليهم أن يحملوا هذا الحلم حتى يتحقق أو يورثوه لأبنائهــــــم ...
كان الحلم أكثر رسوخاً في ذهن الابن الثالث (غسان) الذي ما كاد يشب عن الطوق في بداية نوفمبر سنة 1970م ... حتى بدأت أسئلته تكثر حول بلدته الأصلية وموقعها وجمال الحياة فيها... وكان يجلس ساعات إلى جوار والدته العطوف وهو يستمع إلى الحكايات عن بيت جرجا الرطبة ... وظل يردد :" يا ريح الصبا الوافي إن زرت الحمى سحراً وأهلي نائمون أقري الحمى منــــي السلام وقل له انا وان نأت الديــــار لعائــدون".
وبذلك ارتبط (غسان) بوالدته ارتباطاً وثيقاً حتى لا يكاد يفارقها أو يبتعد عنها وما زال يُسقى من معين حنانها حتى غدا الهدوء والسكون معلماً بارزاً من معالمه .
وارتقى (غسان) في هذا الحضن الدافئ، وفي كل يوم يزداد الفتى شوقاً للديار .. وشوقاً لسماع قصص وأحاديث الأم الحنـــون عن هــــذه البلاد وخيرهــــا .
وكان الفتى يتقدم في دراسته وما كاد ينهي الثانوية حتى انطلقت الشرارة الأولى للانتفاضة من مخيمه الحبيب حيث شاهد وشارك في هذه الانطلاقة المباركة لشعب يأبى الضيم والقيد...
ظروف النشأة التي ترعرع فيها جعلت هذا الفتى الوسيم خجولاً ... رغم ذلك فهو قويٌ صلبٌ متين يمارس رياضة فن الدفاع عن النفس (الكاراتيه) لضرورته لشعب أعزل يواجه خطراً داهماً ... إضافة لممارسته هوايات أخرى ككرة القدم هذا عدا الصداقة الدائمة للكتاب ... فحيثما حل حمل كتابه فنشأ متعلماً مفكراً فيما أطربته الأصوات الإسلامية ونشيدها العذب الرائع ... وهو كشاب مسلم نشأ في المسجد ورضع حليب الإسلام منذ نعومة أظفاره أراد أن يكون رجلاً كاملاً ... وتطبيقاً لمنهج الإسلام كان (غسان) حريصاً على الطاعة لأهله وإخوانه حتى عدت معلماً بارزاً يميز (غسان) الهادئ الوديع ...
ورغم الظروف المادية الصعبة التي تعيشها العائلة المتواضعة حيث والده العاطل عن العمل وشقيقه الأكبر يعمل كسائق سيارة، فيما شقيقه الثاني يواصل دراسته في أمريكا ... رغم ذلك أكمل الفتى المجتهد دراسته فتعلم فن العلاج الطبيعي وهو علم بدأ ينتشر في ظل الانتفاضة حيث المعاقون والجرحى المتعددون تضاعف عددهم وهم بحاجة إلى اليد الحانية التي تمسح عنهم عناء الإصابة ... وعمل (غسان) بعد تخرجه في المستشفى الأهلي العربي في مدينة غزة... يخفف عن الناس آلام المصاب بالعلاج الطبيعي والتمارين التي يؤدونها بتوجيهات (غسان) ... وكان أكثر ما يغضب الشــاب اليافع رؤيته لأحد أفراد شعبه وقد ترك الصلاة فيبادر إلى نصحه وتوجيهه.
فحرص على بناء نفسه بناءً إسلامياً صلباً ولم يقف عند هذا الحد حتى يبني بيته بناءً إسلامياً، فالتدرج في البناء مسألة هامة في العمل الإسلامي بها نتج المجتمع المسلم الذي يمثل اللبنة الأساسية للدولة الإسلاميـــــة التي يسعـــى (غسان) ومع إخوانه لبنائها، لذلك كان غسان الأسرع في تلبية أي نداء استجابة لمفهوم الطاعة الذي تعلمـــــه منذ نعومة أظفاره، واستجابة لمعنى التربية بالقـــــدوة لذلك لمّا نادت حمــــاس بتحريــــم البضائع الإسرائيلية فحرّم غسان هذه البضائــــع على نفسه بشكـــــل قاطع.
هذه الإرادة الصلبــــة كانت ناجمـــــة عن الارتباط الكبيــــر بالآخرة ... هذا الإرتباط المتواصل العبادة والالتزام التام في بيت الله ... كل هذا كان يدفعه دوماً باتجاه الشهادة والآخرة ... لذلك تراه يخبــــر كل من يحبهم أنه يزهد في الدنيا الزائلة ... المليئة بالظلم والإجحاف ... يريد أن يغادرها إلى الجنة للحياة مع الأنبياء والصديقين والشهداء وبجواره الحور العين استجابة لوعـــــد الله للشهيـــــد.
كان حديثه دوماً يحمل هذا الطابع الإيماني بحيث كان دوماً يدفع إخوانه نحو الجهاد والاستشهاد ونحو أداء واجب الدعوة على أكمل وجه، كل ذلك لم يكن ليدفع غسان إلى التهور أو تعجل القدر، فظل يعمل في صفوف حركة المقاومة الإسلامية - حماس - وهو ينتظر أمراً جديداً لعمل أرقى يرتقي به إلى العلى ويسطر بدمه خارطة الإسلام في العصر الحديث وليكون بذلك القدوة لهذه الطريق ... تماماً كما علّم أهله وكثير من إخوانه وهو صامت ... علمهم حين سلك الطريق القويم وأرشدهم بإرادته وعزيمته اللحاق به ...
كان من أكثــــــر ما يكره (غسان) النجاســـــة العالقة بمجتمعنا ... يتمنى أن يرى مجتمعاً طاهراً نظيفاً ويردد دوماً أنه بذلك نبدأ فقط طريق الحرية ... لذلك كان دائم الحديث عن العمـــــلاء وخطورتهم وضرورة التخلـــص منهم وربما كان هذا هو الدافع الأكبر (لبشير حماد) كي يتقـــــدم نحو (غسان) يعرض عليه الانضمام إلى أول خلية قسامية في جباليا لملاحقة أذناب الاحتلال والقضــــاء على فلولهـــــم، وضمت الخلية إلى جانبها (مجدي حماد) الذي يقبع خلف الأسلاك الشائكـــة يقضي محكومية عالية والشهيـد (عماد عقل) الذي أدرك رفيق دربه (غســــان) بعد سنوات لتنطلق الخليـــــــة الأولى لأداء عملها البطولي وعتادها في ذاك الحين الخناجــــر والسكاكين فقط .
وكان على أبناء الإسلام دفع مهر الجنة من بداية الطريق حيث أريق دم (غسان) في أول محاولة تطهيرية ليعلن هذا الدم الطاهر الزكي بداية الصعود القسامي الشامخ على أرض الرباط لتأخـــذ القضيـــــة الفلسطينيــــة بعدها العقائـــــدي الحقيقــــي ليس عبر شعارات بل عبر شلال دم نوراني لم يتوقف كان شهيدنا أحد روافده ...
انتصبت أم غسان واقفة وهي تضع يدها على وجهها لما وصلها خبر استشهاد (غسان) وهي تردد كنت أنتظره لتناول طعام الافطار سوياً ... هل حقاً لن تعود ثانية يا ولدي وظلت هكذا تردد حتى عاد إليها رشدها وأخذت تردد حسبنا الله ونعم الوكيل، فيما وقف الوالد أمام ولده المخضب بدمائه وهو يردد بشكل سريع " إنا لله وإنا إليه راجعون ".
وانطلقت مسيـــرة حاشـــــدة وهــــي تحمــــل جثمان رمــــز العطاء القسامي الأول (غسان) إلى حيث مثـــــواه الأخيــــــر ليـــواري الجســــد الطاهـــــر التراب ...
وفي مقبرة جباليا ينتصب قبر الشهيد غسان مصباح عبد الحميد أبو ندى كالنجم اللامع يهدي الحيارى إلى الطريق الصحيح نحو الآخرة ... نحو الفخار والحرية ... وكانت الدماء الغزيرة التي دفعها غسان ثمناً للجنة والحور العين تضع حاجزاً كبيراً مع العملاء والخونة وخاصة أولئك الذين لم يتورعوا عن قتل أبناء شعبهم ... وكانت ذات الدماء دافعاً أكبر للخلية القسامية للانطلاقة في حرب التطهير من دنس العملاء ورجس أسيادهم اليهود ...
وذات الدماء كانت أكبر دافع لعائلة غسان نحو مزيد من الالتزام الإسلامي القويم وهم يغشاهم طيف ابنهم وأخيهم يتقدم الطريق ولا زالوا يذكرون تقواه وصلاته وصيامه وغيرته على دينه وعقيدته، ولا زالوا يذكرون حثه الدائم لهم الالتزام وربطهم بالآخرة ويوم القيامة وفوراً يرددون أن العين لتدمع وأن القلب ليحزن وأنا على فراقك يا (غسان) لمحزنون ...
وقد نعت حماس على الجدران شهيد كتائب عز الدين القسام غسان أبو ندى وكان هذا أول بروز جماهيري لاسم كتائب القسام ... الاسم الأكثر شهرة وتواجداً في ضمير الشعب الفلسطيني في العصر الحديث.
