في ذكرى الرحيل ... الشهيد حسين أحمد أبو اللبن
إذا ألمت بك الأيام الخوالي وترددت على أكثر من مسجد في مدينة غزة ، كان لابد أن يطالعك هذا الوجه الوضاء الذي ينضح بالنور واللحية الشقراء التي لا تغطي معظم ذقنه ولكنه يصر رغم ذلك على بقائها إقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، رغم أنه دفع ثمناً غالياً حين أخرجه والده من البيت طالباً منه حلق لحيته ، ومكث خارج المنزل وبقي مصراً على اقتدائه بسنة النبي صلى الله عليه وسلم .. تراه بعد الصلاة يقف واعظاً في الناس ، يتحدث عن الإسلام وتاريخه الناصع وشرعه العادل ومستقبله الأكيد بحكم البشرية بعد سنوات الظلم ، يحمل البشارة دوماً للمستضعفين في الأرض بالتمكين والاستخلاف ، كم كان سعيداً وهو يؤدي هذه الرسالة الخالدة امتداداً لعهد النبوة ، فهو واعظٌ ومرشدٌ على هذا الدرب الذي سلكه جل الأخيار من الدعاة والعلماء .. وكم كانت مواعظ (الشيخ المجاهد) تسكن في قلوب المستمعين بشغف إلى أسلوبه الجذاب ودروسه الموثقة التي يعتمد فيها على تحصيله العلمي الوافر من دراسته الشرعية في (كلية الشريعة) بالجامعة الإسلامية بغزة ، ومن هناك انطلق .. ليؤدي رسالته الطاهرة ويكون إماماً للناس وواعظاً ، ويبقى الشيخ المجاهد قبلة لكل الظامئين لسيادة منهج السماء .
وإذا صادفتك الأيام وزرت (الجامعة الإسلامية) أثناء دراسة (الشيخ المجاهد) فيها ، وكان هناك عرضٌ لألعاب القوى في الجمباز والكاراتيه والننشاكو . سيطالعك ذات الوجه الوضاء وهو يؤدي مهارات استعراضية عالية المستوى ، وتبحث عن أداة ربط بين هذه الشخصية وتلك فينبؤك العلم والبيان أن هذه شخصية الفارس المتكامل ... راهب الليل وفارس النهار .. تلك شخصية من عهد الصحابة والتابعين .. لا من القرن العشرين .
وإذا حالفك الحظ وشاهدت عرساً إسلامياً في إحدى شوارع قطاع غزة ، وشاهدت ذات الوجه الوضاء وهو يؤدي دوراً مسرحياً .. يعجبك أداؤه ويستحثك دوره التمثيلي للتقدم والالتحاق بحظيرة الإسلام الواسعة المترامية ... وتميل بوجهك إلى من يقف جوارك تبدي إعجابك بالمسرحية وقصتها ... يجيبك على الفور .. نعم فهي بقلم (الشيخ المجاهد) ...
وفي الأيام الأولى لانطلاق الانتفاضة وأنت تسير بسيارتك يعترضك حاجز يعده مجموعة من الشبان قائدهم ذات الوجه الوضاء .. وفجأة ينطلقون في مسيرة يحملون على الأعناق صاحب اللحية الشقراء والوجه الوضاء يظل يهتف والجميع يردد .
ينطلق (الشيخ المجاهـــــــد) إلى أصحاب المحلات يأمرهم الاستجابة للإضراب ، وماذا في يده.. إنها قنبلــــــة .. تقترب قليلاً .. إنها قنبلـــــــة غير حقيقية مصنوعة من الطين بشكل دقيق متين .. صنعها الشيـــــــخ المجاهد بيديه ويستخدمها الآن في تأجيج نار الانتفاضة .. تبتسم بصمت وتهـــــــم بالمغــــــادرة ولكــــن حب الاستطلاع يمنعك ، تميل إلى أحد المشاركيـــــن في المسيرة .. من هذا الشيــخ ..؟؟
ينظر إليك بما يشبه الاستغراب .. ألا تعرفه ..؟! إنه الشيخ (حسين أبو اللبن) ... تومئ برأسك وأنت لا تعرف من هو المقصود ... ولكن مساجد غزة وشوارعها وكافة الشباب المسلم هناك يستطيعون سرد تاريخ الرجل فهو أشهر من أن يُعرف .
في جباليا الثورة كان ميلاد الشيخ المجاهد (حسين) ، في الثامن من فبراير من العام ألف وتسعمائة وواحد وستين ، أطل الوليد الجديد على الدنيا بوجه ينضح بالنور ويشرق بالأمل لوالده (الحاج أحمد) الذي كان مع جموع الفلسطينيين الراحلين نحو الجنوب مغادراً قرية (سمسم) الفلسطينية بعد أن داهمتها الغربان ، وأوجدت مكانها الاستيطان ، وفي خيام اللاجئين في (مخيم جباليا) لم يكن هناك متسع ، تكومت اللحوم البشرية وهي في حالة انتظار للعودة السريعة ، وطالت الأيام وتبدلت الأجيال ، وقرر (الحاج أحمد) الرحيل إلى مدينة غزة ويستقر به المقام في حي التفاح ، وهناك كانت البدايات الأولى (للشيخ المجاهد) حيث درجت قدماه على بيوت الله تبارك وتعالى واستقر به المقام في مسجد السيد هاشم (سُمّي المسجد بهذا الاسم تيامناً بجد الرسول صلى الله عليه وسلم .
وفي بيت الله تبارك وتعالى رضع الفتى الوسيم الوضاء ، حليب الإسلام نقياً صافياً ، ويشعر في قرارته بحلاوة الإيمان حين يرى بنور قلبه الله ورسوله أحب إليه من كل ما على الأرض، ويكره الكفر وأهله ويكره النار ..
لم يتعلم (حسين) في بيت الله الإسلام وحسب ، بل تعلم فنون القتال وأبدع في الكراتيه حتى حصل على الحزام الأسود ... وأتقن الجلوس ساعات طويلة خلف مكتبه يطالع الكتب الإسلامية والثقافات حتى غدا ملماً بالكثير من العلوم والمعارف ... وصقل كل ذلك يوم توجه للدراسة في الجامعة الإسلامية والتحق (بكلية الشريعة) بها ، حيث يرى (حسين) شخصيته ، وشعر في رحاب تلك الجامعة بالانتماء .
وكان حسين أحد أبناء (الكتلة الإسلامية) البارزين ..وجندي في (جماعة الإخوان المسلمين) وتدرج في سلمها الإداري حتى غدا رقيباً .
ما انشغل (حسين) عن العمل لدنياه ، ورغم انشغاله في الدراسة فقد أتقن مهن أعمال البناء وأجاد (القصارة) وكان كثيراً ما يقوم بالعمل في هذه المهنة الشاقة من أجل المساهمة في توفير لقمة العيش الكريمة لأهلـــــــه وإخوانه ...
كان (الشيخ المجاهد) في كل ذلك رءوفاً بإخوانه رحيماً بهم ، عاش لأجلهم في المسجد والمنزل حتى أحبوه حباً جما ... وكان دوماً يؤثر الجماعة على عمله الخاص ، فكم أجّل من أعماله وربما تركها من أجل عمل الجماعة ومستقبل الإسلام . ويبقى الشهيد ملتصقاً ببيوت الله تبارك وتعالى ولمّا تخرّج من كلية الشريعة واصل عطاءه لدين الله حيث عمل خطيباً في مساجد مدينة غزة من خلال دائرة الأوقاف وأتم نصف دينه الآخر بالزواج .
وقبيـــــل الانتفاضــــة شرعت قوات الاحتلال بإهانـــــة الشبان في شوارع غزة بأمرهم بالرقص أو سب الذات الإلهية أو الحديـــــث معهم بألفـــــاظ لا أخلاقيـــــة وحدث ذلك مع (الشيخ حسين) الذي لم يتـــــوان في الدفاع عن نفسه ، فقامت قوات الاحتلال بالاعتــــــداء عليه وضربه وإصابته بجراح ، لكن ذلك كان أهون عليه من إهانته على يد حفنة لا يقر لهم بالوجود على هــــــذه الأرض الطاهرة .
كانت روح الجهاد والبذل تملأ على الشيخ حياته وكيانه ويرى في امتشاق السلاح أمراً لابد منه، وأن أي تهاون أو تخاذل عن هذه الطريق جريمة لا تغتفر ..
هذه الحماسة الملتهبة كانت تدفع الشيخ أحياناً إلى الحديث عن تسويف الإخوان المسلمين امتشاق السلاح .. فكان يرى تسويفهم وكانوا يرون استعجاله .. حتى كانت الانتفاضة المباركة، ومنذ اللحظة الأولى كان الشيخ حسين التواق في مقدمة الصفوف ، وفي التاسع من ديسمبر من العام ألف وتسعمائة وسبع وثمانين وبعد يوم واحد فقط على انطلاق الانتفاضة كان (الشيخ حسين) في مقدمة الصفوف التي تواجه قوات الاحتلال في منطقة مستشفى الشفاء ، وفي هذا اليوم كان أول من ألقى الزجاجات الحارقة (مولوتوف) حيث أعدها وأطلقها نحو قوات الاحتلال ، وقد تم اعتقاله على إثر ذلك مباشرة بتهم إلقاء زجاجات حارقة قضى ما يقرب العام كان أول من افتتح الاعتقال ، وأول من حكم عليه بتهمة إلقاء زجاجات حارقة وأول من افتتحت قوات الاحتلال به وبإخوانه سجن النقب الصحراوي .
وما كاد يخرج من المعتقل حتى أعيد اعتقاله وقضى حكماً جديداً لمدة عامين بتهمة المسئولية عن حركة حماس في منطقتي التفاح والدرج .
كان (الشيخ المجاهد) في حياة الاعتقال علماً لا يشق له غبار يؤدي دوره الثقافي والإرشادي بكل عزم وأمانة وإخلاص يعقد الجلسات ويوجه شبان الانتفاضة نحو مزيد من الجهاد والتضحية يخلق الحافز والتحريض وهو يروي لهم قصص الخالدين من الصحابة والتابعين الذين ضربوا أروع الأمثلة في التضحية وكان يؤمن دوماً أن حالة التصاعد الإسلامية ليست محض صدفة ، وإنما تقف خلفه عقول تفكر وأيادٍ تنفذ ، ولذلك كان يوصي إخوانه دائماً إذا انطلقت إلى الجهاد لا تستشر في ذلك أحداً ، بل تحرك دوماً نحو المقدمة فهذا أمر الله ولا يوقفه أمر بشر .. لذلك لمّا تحرك لإلقاء العبوات والزجاجات الحارقة كان تحركه ذاتياً .
هذا الولاء الصافي والحماس المتدفق والحب الخالص لله تبارك وتعالى محاور تشكيل شخصية (الشيخ حسين) الذي ما كاد يخرج للمرة الثانية من الاعتقال حتى التحق بالعمل في الجهاز العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وأضفى على شخصيته المزيد من السرية ، حيث غدا يتردد على (مسجد الصحابة) في مدينة غزة ، ويخرج مع (جماعة التبليغ والدعوة) .. يطوف المدن وبيوت الله تبارك وتعالى مبلغاً هذه الرسالة الخالدة بشتى الطرق .. وأثناء ذلك وإثر حملة اعتقالات في صفوف حركة المقاومة الإسلامية (حماس) اعترف أحد المجاهدين بدور (الشيخ حسين) الذي بدا معتزلاً للحياة ، ودوره في (كتائب الشهيد عز الدين القسام) ، وانتقل (الشيخ حسين) بذلك إلى حياة المطاردة ، فخرج ولم يعد إلى منزله ، رغم أنه كان طوال الفترة الماضية محتاطاً لا يبيت ليلاً في منزله ، بل كان يتجه إلى المنزل نهاراً فقط .
ومنذ اليوم الأول لإعلان المطاردة انطلق (الشيخ المجاهد) الذي يرى في الشيخ عز الدين القسام قدوة خالصة له .. انطلق من أجل المزيد من الجهاد ، ورغم أن الواقع الأمني كان معقداً بشكل أكبر بكثير من السابق ، حيث طورد (الشيخ المجاهد) في أواخر شهر رمضان المبارك من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين .
فقد ازدادت أيام منع التجول وإغلاق المناطق ومداهمة البيوت وملاحقة المجاهدين ، خاصة في ظل تصاعد العمل العسكري ، ووجود المبعدين في مرج الزهور .
وقد مثل (الشيخ حسين) في حينه الأب الحاني على جموع المطاردين من (كتائب القسام) ، يشفق عليهم ويفتح معهم جسور الثقة والتعاون ، فكان يُنظر إليه على مستوى واسع كأمير رغم أنه لم يكن أميراً رسمياً لمجموعة المجاهدين ، ولم يخرج (الشيخ المجاهد) من مدينة غزة ، فكان جل عمله فيها حيث كان مسئولاً إدارياً للمجموعات العسكرية في منطقة غزة ، فقام بإجراء تحقيقات واسعة مع عدد من العملاء وتنفيذ حكم الإعدام إذا اقتضـى الأمر ، كما ساهم (الشيخ المجاهد) بالتنفيذ العملـــــي لمجموعـــــة عمليات أربكت قوات الاحتلال ، فقد هاجم (الشيخ حسين) ومجموعتــــه دورية عسكرية فــــــي شارع الوحدة بمدينة غزة ، كما هاجم دورية عسكريــــة بالقرب من مدرسة يافا بمدينة غزة ، وقد اعترف راديو إسرائيل بهذه العمليات لكنه لم يوضـــــح خسائره فيها .
لم يكن (الشيخ المجاهد) لينقطع أثناء مرحلة المطاردة عن أهله وإخوانه ، فكان دائم الاتصال بهم يوصيهم بتقوى الله عز وجل وسلوك درب الحق والجهاد وينادي فيهم أن الصبر والثبات عنوان مرحلة المطاردة والجهاد ، يرسل لأمه دوماً " لا تقلقي .. إما نصر أو شهادة .. لا تحزني فإني مع الله تبارك وتعالى " .
يوصي والده دوماً : " لا تفكر كثيراً بي ، بل ادعو الله لي أن أموت شهيداً "، يرسل رسائله لإخوانه أبناء دعوة الإسلام : " لا تغرنكم الدنيا وعليكم النظر إلى الآخرة " .
الشيخ المجاهد في رحلة مستمرة إلى الله تبارك وتعالى ، يرى أن الرحلة ممهرة بالدم ، ممزوجة بالحنظــــل ، وعلى سالكها اجتراع الصبر ، فأعد العدة وأخذ الأهبة ورحل إلى الله غير عابئ بالدنيا وزخرفها ، فقد طلقها ثلاثاً لا رجعة فيها .
فكان يقبل على الآخرة بلا حدود ، فقد أحسن النية وأعد الزاد وخفف الحمل ، فتراه يقنت في صلاة الفجر يومياً يردد : " اللهم أحيني سعيداً وأمتني شهيداً " ، فقد أقسم (الشيخ حسين) على الله أن يلقاه شهيداً ... صدق الله فصدقه الله .
ويوم أن تزين الناس للدنيا وتزينت لهم .. كان الشيخ المجاهد يتزين للحور العين ، يقبل على الموت بلا وجل .. يحتضن رشاشه الكلاشنكوف بكل قوة وعزم ، يرى فيه ذاته ، ويصنع منه مجده .. ويجعله مركبته إلى الدار الآخرة .
طاف (الشيخ حسين) البلاد كلها ، أم الناس في بيوت الله .. وعظهم .. أرشدهم .. قادهم في مسيرات الشوارع .. خاض معترك الحياة الاعتقالية شامخاً أبياً .. لم يجد حلاوة المراغمة ومتعة الصراع كما يراها الآن وهو يحتضن رشاشه الهدّار ... ويمضي بكل كبرياء التحدي... واعتزاز المجاهد الصلب .. المتمترس خلف جدران إيمان خالص لله تبارك وتعالى ... وعزم أثبت من الجبال الراسيات ، كان (الشيخ المجاهد) يقسم كل يوم على الله أن يري في اليهود يوماً ، وأن تروي دماؤه الأرض الظمأى لدم حر طهور....
وفي كل يوم ترسل له قيادة العمل العسكري أن عدد المطاردين في تزايد وأن الملاجئ ضاقت بأهلها ، وأن السلاح لا يكفي وعلى مجموعة (الشيخ حسين) أن تتنازل عن بقائها في الأرض المقدسة وتهاجر على أمل العودة القريبة ... ويرد عليهم بكل العزم والإباء .. من كان يرغب الهجرة فليهاجر ، أما أنا فسأموت هنا ... وأدفن هنا .... تأتيه الرسائل .. أن هذا أمراً له مبرراته القوية ، لا يستجيب (الشيخ المجاهد) .. ويرد : ما على هذا بايعت ولا على ذلك تمت المطاردة ، إن لي خياراً واحداً ألا وهو الشهادة ، ولن أقبل غيرها .
ولمّا جد الأمر بكـى حسين كما لم يبكِ من قبل .... بكى حتــى اخضلت لحيتـــــه وسقى الأرض من هذه الدموع .. حسين لا يبكِ جبناً أو خوفاً وخوراً .. بل يبكي حباً وفداءً وتضحية.. يبكي عزة وكبرياء وشموخاً ... ويردد .. أأتـرك الأرض ..؟! أأترك فلسطيـــن ..؟! يخبر إخوانه بالأمر الذيـن قــض مضاجعهم هذا النبأ ... بخبرهم بالصعوبـــات وعدم توافر السلاح والمال.. يرددون بصوت واحد سوف نحفر الصخر، وننبت زرعنا القسامي مهما كلف ذلك من ثمن .
وفي النهاية .. كانت الرحلة .. رحلة الهجرة عبر الحد الجنوبي للوطن المحاصر بين غربة الأبناء ، والأسلاك الشائكة والدوريات التي تجوب المنطقة .
انتقل المجاهدون (حسين أبو اللبن ، أنور أبو اللبن ، حسن حمودة ، بسام الكرد ، عماد نصار، خالد العالم) إلى رفح ، واستمر الموكب في التقدم وأميرهم (الشيخ المجاهد) الذي كان يبكي دوماً على هذا الفراق .. كان الله تبارك وتعالى في عليائه يصنع لهم القدر ، قدر الكرامة والعز ... عرف ما في صدورهم من إيمان وإخلاص ، فرزقهم الشهادة ، وهناك على الحدود المصرية اصطادهم كمين غادر أسقط الجمع الطاهر مدرجاً بدمائه العزيزة ... في هذا اليوم الثامن من مايو من العام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين وبعد أقل من ثلاثة أشهر على المطاردة.. كان القدر يرسم (للشيخ المجاهد) طريق الجنة المعبّدة بالدماء الطاهرة الفياضة ...
ولم تعهد (فلسطين) المطر في شهر مايو .. ولكن ها هو المطر ينهمر كما الرصاص .. وكما الدماء الطاهرة .. كانت (دماء الشيخ المجاهد) وإخوانه تنزف على الأرض تغسل أدرانها وساكنيها من الجبن والخور والتراجع والخطيئة .
وكانت السماء تبكي الأحباب الذين صدقوا الله ما عاهدوا عليه ، فكان حقاً على الله الاصطفاء والاختيار ليلحقوا بركب الخالدين ، تنهمر الدماء من أجل فلسطين والأقصى وترسم حداً جديداً للوطن المسلوب ، بعد أن قطع هذا الدم الطاهر ، أسلاك الوهم الحاجزة وأوقف دوريات التفتيش ، يرسم حداً جديداً لا تقف معالمه عند حدود الادعاء الزائف .. بل تتجاوزه ليشمل خارطة العالم .. فينادي دم المجاهد في الأمة : " الله أكبر فتحت كل الأرض أمام جحافل الإسلام ... وها هو الدم عنوان الدرب ... ها هو الدم لا سواه يبني جسر العودة " .
نقلت السماء رسالتها .. وتلقف الشعب الفلسطيني بأسره النبأ الفاجعة ، ستة من الشهداء، وأي شهداء يسقطون دفعة واحدة ، وتصل الرسالة إلى آل (أبي اللبن) الذين بدأ يصبّر بعضهم بعضاً من هول المصيبة ، حيث سقط شهيدان من بيت واحد (حسين وأنور) .. ولمّا قذف الله سكينته على قلوب المؤمنين بدءوا يزفون الشهداء ، والأغاريد تنطلق في سماء غزة .. وتردد الأم بصوت عالٍ .. " هنيئاً لك يا (حسين) .. هنيئاً لك يا (أنور) " .وهطلت العيون بالدموع بكاءً مراً من الجميع ، فقد كان (الشيخ الشهيد) أستاذاً وأباً وأخاً وخطيباً وإماماً ... كان كما يسمونه شيخ الحارة .
ولكن (الشيخ الشهيد) صمم على الرحيل بطريقته الخاصة .. صمم على أن يرسم بدمه كما رسم بكلماته معالم الطريق ... وها هي معالم الطريق بيّنها للسالكين ولكن الثمن غالٍ لأن السلعة غالية ، فهل من مشترٍ ؟ ، وهل من دافعٍ للثمن كما فعل (الشيخ الشهيد) ؟
وفي حي التفاح حيث انطلق وهج الشمعة المضيئة ليمتد إلى جنوب الوطن المسربل بالدم .. هناك نصب سرادق ضخم للعزاء ... والألــــوف تحتشد يوياً تلقي تحيـــة الاحتــرام والتقدير ..
والإعزاز والإجلال (للشهيد) ... الذي ما جهد أحد .. وها هو باستشهاده يتسابق الجميــع يلقون
النظرة الأخيرة على الوجه الوضاء والثغر الباسم ، وترحل بهم الذكريات أين سمعت الشيخ حسين يخطب لآخر مرة ، وعن أي شيء تحدث .. ها شاهدت صورته وهو يمتشق الكلاشنكوف ...
ها هو يرحل بعد أن ألقى كلمته الأخيرة في الزحوف المحتشدة .. وكم كانت كلمته الأخيرة صادقة قوية صارمة .. فللحرية الحمراء باب بكل يد مدرجة يدق ...
وبعد أيام أقيم حفل عرس الشهيد .. وأي عرس وقفت الخلائق تشرأب أعناقها لتسمع اللحن الأخير في سمفونية خالدة امتدت من
الشيخ الشهيد عز الدين القسام في أحراش يعبد حتى الشيخ الشهيد حسين أبو اللبن في صحراء سيناء ... ولكن هذا اللحن الممتد جزء من مقطوعة موسيقية يطول عزفها ، فالطريق يمتد والدرب يتواصل وفي الجنة متسع لكل الصادقين .
ألقى الجميع نظرة الوداع الأخيرة على الشهيد المقدس ... الذي ما بخل أو استغنى ما قال أو استقال .. كان دوماً في الطليعة .. وها هو اليوم يسقط على الأرض وترتفع الراية إلى عنان السماء .. ويبقى الشهيد الشيخ دوماً في الطليعة .
