غزة ... هل يتجدد العدوان؟
51 يوماً متتالياً تعرضت غزة المحاصرة لنيران وقصف وتدمير غير مسبوق، حرق الأخضرَ واليابسَ، ودمر كل شيء إلا الإرادة والعزيمة، وفي المقابل لقَّنت المقاومة الفلسطينية عدوها دروساً وعبراً في إدارة فنون القتال حتى كان وقف إطلاق النار الذي جاء بعد مخاض دراماتيكي مقلق، تباينت فيه الانتماءات، وتعارضت فيه المصالح، وبدا وكأنه وقف إطلاق نار مؤقت لم يفضِ إلى ولادة وقائع جديدة أو قبولٍ من الأطراف كافة بنتائج العدوان وملحمة الصمود والانتصار الأسطوري.
لقد جاء العدوان على قطاع غزة على شكل رغبة صهيوعربية في استئصال النموذج الموجود في غزة، على اعتبار ذلك نقطة ارتكاز لإنهاء مشروع ما يسمى بـ (الإسلام السياسي) في المنطقة عربياً، وكذا الخلاص من صداع صهيوني مزمن اسمه (قطاع غزة) على اعتبار غزة من أربكت الحسابات وأعادت رسم المعادلات، وقيضت التفاهمات من وجهة النظر الصهيوعربية، وزاد غرور الكيان الصهيوني شعوره المتزايد والمعلن أنه جزء رئيس من محور جديد يتشكل في الإقليم بصورة مفاجئة.
وجاء هذا العدوان الهمجي على قدر متزامن مع الرغبة الصهيونية المتزايدة في إنهاء هذا الصداع من خلال استغلال خطف وقتل الجنود في الخليل، والتدحرج المتسارع للأحداث مدخلاً للانقضاض على غزة وهي في أضعف حالاتها، حيث الغياب الرسمي عن إدارة شؤون غزة بغياب حكومة التوافق، وإدارة الظهر لغزة وأهلها. وما صاحب ذلك من إنجاز ورقي للمصالحة، وهذا لم يعجب الكيان الصهيوني ومن لف لفه مما دفعه لرفض التعاطي مع حكومة التوافق كإفراز لاتفاق المصالحة في الشاطئ في إبريل 2014م. وبالتأكيد شكَّل إغلاق مسار التسوية وإعلان انتهائه بشكل أو بآخر مزيداً من الاحتقان، حيث أصبحت كافة الخيارات المطروحة من إفرازات أسلو لا تلبي الحد الأقل من الأدنى في الحقوق الفلسطينية.
واكب ذلك بيئة إقليمية تدفع باتجاه فلسفة الاستئصال، حيث نشأت ظروف إقليمية جديدة لم تكن في عام 2012م، حيث آخر عدوان على غزة، مما سمح للكيان الصهيوني محاولة استثمار اللحظة بفقدان السند والظهير العربي للشعب الفلسطيني. بل أكثر من ذلك، محاولة استغلال علاقة حماس المتوترة مع بعض دول الإقليم ووصولها إلى طريق مسدود من أجل الفوز بالضربة القاضية وشطب غزة وإنهاء حالة الصداع المزمن.
ومن هنا فقد جاء العدوان غلى غزة في لحظة صعبة وقاسية على الشعب الفلسطيني، الذي يعيش مرحلة حصار ظالم غير مسبوقة، وواقع مرير على كل الأصعدة، وحيث الرغبة العارمة من أكثر من طرف في استئصال هذا النموذج، واجتثاث هذا الكيان الذي يجسد المقاومة شاخصة منتصرة ثابتة.
ما زالت تداعيات ما بعد العدوان قائمة، فالحصار ما زال يضرب أطنابه في كل زاوية في غزة، والتحول فقط من حصار معلن إلى سبل إدارة هذا الحصار، والإعمار ما زال غامض الأفق (يراوح مكانه) في ظل رغبات الاسترزاق والخشية أن تعيد المقاومة بناء قدراتها، وما زالت المشاريع الكبرى كالميناء والمطار والممر الآمن في دهاليز الحسابات الضيقة.
ومن القضايا الكبرى التي تراود ذهن أبناء غزة، ويهمس بها أهل السياسة والفكر، أن العدوان لم يتوقف بشكل بيَّن وواضح والخشية من تجدده قائمة لذلك ترى هاجس تجدد العدوان البربري الشرس قائماً.
إن القراءة المتأنية الموضوعية تقول. إن تجدد العدوان أمر مستبعد بشكل كبير، فدولة الاحتلال بدأت تشعر بعزلة جراء جرائمها في غزة، وهذا يؤثر على اقتصادها بشكل غير مسبوق.
أما داخلياً فإن أمام الكيان الصهيوني مرحلة عصيبة، إذ ثبت لدى قادة الكيان أنهم غير قادرين على الحسم الميداني، وهذا مخالف لما روّجوه سنوات، وما تمثله قوة الكيان العسكرية مقارنة بغزة الخاصرة الرخوة الضعيفة المحاصرة.
يضاف إلى الصدمة التي تلقاها جيش الدفاع في العدوان البري، وما مثلت من هاجس جديد سحق الأسطورة وأذل الكبرياء وقلب المشهد وبعثر المعادلات.
فالوصول إلى هدوء في الجنوب كان ثمنه باهظاً وفادحاً، وليس من السهل دفع مثل هذا الثمن مجدداً، وأكثر من هذا فإن مؤشرات الدخول في حرب استنزاف والتي كانت متوقعة في الأيام الأخيرة للعدوان أمراً مربكاً لحسابات قيادة الكيان وقدرة الجبهة الداخلية على الصمود بعد أن حققت المقاومة قدرة على الإيلام والإرباك وإشاعة الرعب في صفوف الجمهور الصهيوني.
هذا عدا عن أن انشغال قيادة الكيان في المرحلة القادمة بتشكيل لجان تحقيق تشمل القيادات العسكرية والسياسة، والدخول في معركة تفاوضية لاستعادة الجنود المفقودين في غزة، وكذا معركتهم الكبرى في القدس والأقصى وتهويده وتقسيمه زماناً ومكاناً.
أما على الجانب الفلسطيني فإن المقاومة بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى ترميم مقدراتها بعد عدوان غير مسبوق، من حيث المدة الزمنية والعنف الاستئصالي. إضافة إلى الواقع الفلسطيني المعيشي القاسي للمواطنين جراء العدوان، وما صاحبه من إهلاك للحرث والنسل وتدمير البنية التحتية وتردي الخدمات الصحية، وتراجع مخيف في الظروف الاقتصادية وتأثيرات بيَّنة في الواقع الاجتماعي. ولعل تأثيرات الواقع السياسي المرتكس أكثر حضوراً وتأثيراً في ظل حالة إحباط متزايدة في صفوف الشعب الفلسطيني جراء تعطل قطار المصالحة وعدم تحقيق الشراكة الوطنية المأمولة على الرغم صمود الشعب والنموذج المقاوم والتضحية الفريدة التي قدمها الشعب الفلسطيني مما يلقي بظلاله القاتمة على المشهد الوطني.
ومن جانب آخر فإن الموقف الأمريكي الذي يشعر بالحرج الشديد جراء عدوان (إسرائيل) وهمجيتها وفشلها في تحقيق الأهداف يجعل من الظهير الأمريكي صعب التحقق في هذه المرحلة.
وما لم تخطئه العين حالة اللامبالاة العربية والتي وصلت إلى درجة التواطؤ حيث شكلت هاجساً مريعاً للشعب الفلسطيني حال تجدد العدوان، والأمر يتجاوز ذلك إلى حد الشعور المتزايد بوجود رغبة في استئصال المقاومة الفلسطينية وشطبها من العقلية الفلسطينية خصوصاً والعربية عموماً.
وأخيــــــراً:
إن ما جرى من عدوان على غزة، وما رسمته المقاومة على تخومها من ملاحم بطولية خالدة جسدت صورة البطولة الفلسطينية المتصاعدة والكارثة، كذلك شهد الدمار المريع من جانب آخر.
ومن الضروري طمأنة الشارع الفلسطيني الغزي بنشر تفاصيل الاتفاق الذي توصل إليه الوفد الفلسطيني الموحد مع الكيان الصهيوني حتى لا يحدث تباين في المواقف أو تعميق لإحباط الشعب المتزايد، مع التأكيد أن الوعود الشفوية لا مقام لها في عالم السياسة، وأن الاتفاقات الموقعة بدون ضمان دولي وازنٍ كزرع لا ضمان لمستقبله، لذا وجود وثيقة مكتوبة مع ضمانات واضحة ومسؤولة مهم لعدم تجدد العدوان.
وبالتأكيد فإن البيت الفلسطيني الوطني الجامع بحاجة إلى ترتيب على أسس راسخة تضمن عدم العودة إلى الوراء، وعدم الإنصياع للتهديدات والإملاءات. مع تثبيت أن نهج المقاومة يؤتي أُكله كل حين بإذن ربه وهو طريق حقق نتائج بيّنة، مطلوب تثبيت المنهج وتعميقه وتوسيعه ليشمل الضفة الغربية وعدم السماح لعدونا بالتفرد بالجغرافيا عدواناً ولا بالفصائل تمزيقاً وتفريقاً.
