في ذكرى الرحيل ... الشهيد بسام محمد الكرد (القانت)

في ذكرى الرحيل ... الشهيد بسام محمد الكرد (القانت)
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

 

كان الركب القسامي الإيماني يتقدم نحو البوابة الجنوبية للوطن المغيب بين الأسلاك الشائكة والغربة عن أبنائه الذين عاشوا فيه عبيداً لأولئك الذين سرقوا الأرض وشيدوا المدن والمستوطنات كي تبقى منغرسة في قلب الوطن .

 

كانت هذه المستوطنات سرطاناً يسري في قلب الأرض المقدسة، يشعر به أولئك الرجال الذين امتشقوا السلاح كي يبتروا المرض المستشري في الأرض .. ويجعلوا من دمهم أداة هذا البتر.

 

الموكب النورانـــــي يتقدم وكل لحظـــــة ترى (بسام الكرد) أحد أبرز مقاتلي كتائب الشهيد عز الدين القسام يتراجـــــع إلى الوراء، خطوات ويرفض التقدم مقسماً الأيمان المغلظة على العودة السريعة إلى أرض الوطن، مصمماً على أن الخــــروج جريمة سوف يحاسبنا الله تبارك وتعالى عليها، وأن قرار الخروج خاطئٌ أياً كان مصــــدر القرار، ويقفل (أبو محمد) راجعاً إلى (رفح الصمود)، يلح عليه إخوانه أنه سيكون في خطـــــر، خاصة أن لا أحد يعلم بعودته وأنه من الضروري أن يواصــــــل الطريــــــق معهم .

يقف (أبو محمد) جامداً كالصخر ساكناً كالليل، يذرف الدمع كأمواج البحر، هل كتب علينا أن نغادر الأرض؟ هل هذا هو قدر الله لنا؟ بل إننا نسير الآن للخروج بإرادتنا ولن يشفع لنا أحد أمام الله تبارك وتعالى .

 

يساعدون أبا محمد على التقدم يرتجف الخطى لم يكــــــــن (أبو محمد) ليهرب من الموت، بل كان يبحث عنه ليل نهار، يتقدم إلى مواقع الجهاد حيث يرى أن فيها الشهادة، ولو علم أنه على بعد خطوات منه يقبع قدر الله الغلاّب ينتظر حيث تقبع خفافيش الليل تنتظر الصيد الثمين، ستة نفر من خيرة مطاردي كتائب الشهيد عز الدين القسام تمسهم عين الغدر .. وها هو كمين الموت ينتظرهم في الساعات الأولى لفجر الثامن من مايو من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين .

الركب النوراني يتقدم .. وملائكة السماء تستعد لتحتضن الأرواح الطيبة والسماء تتزين .. تفتح أبوابها كي يدخلوها بسلام آمنيــــن لحظة الصباح الصامتة، حيث العصافير تغرد .. انطلقت صواريخ الحقد الأسود من كل مكان تستهدف الركب الطاهر .. تتمزق أشلاء المجاهدين، تتناثر .. لا تتمايز عن بعضها البعض، تحلق الأرواح في السماء .. تتلقاها الملائكة .. تزرعها في حواصل طير خضر يمتطي (أبو محمد) صهوة المجد ويرتقي إلى الفــــردوس الأعلى هناك حيث النبييـــــن والصديقين والشهداء لينال حلمه الأعظم وشهادته العليا، كم كان بسام في شوق إلى لقاء الله تبارك وتعالى منذ اللحظة الأولى التي التحق فيها بركب كتائب الشهيـــد عز الدين القســـــام، أخبر قيادته لا أبايع إلا على شيء واحد .. (الموت) .. (قالوا نعم الرجل أنت من نبحث عنه) .

 

لم يكن يعطل أبو محمد عن مشروعه الاستشهادي عياله الذين بلغ عددهم ستة، ولا عمره الزمني وهو الآن على أبواب عقده الثالث، فقد ولد شهيدنا في منطقة الجرن في جباليا في الثامن عشر من إبريل من العام ألف وتسعمائة وثلاث وستين، كان والده الحاج (محمد الكرد) ككل الآباء الفلسطينيين يخرج من بزوغ فجر النهار ولا يعود حتى الليل من أجل أن يوفر لقمة الطعام لأبنائه الذين يقبعون في بيتهم القرميدي الذي طُور عن الخيمة التي تسلموها من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بعد الرحيل الأكبر عام ألف وتسعمائة وثمان وأربعين، حيث هاجرت عائلة شهيدنا من قرية (بيت طيما) والتحقت بزحوف المهاجرين إلى (مخيم جباليا) الثورة، كان الأبناء يكبرون ويكبر معهم الحلم الفلسطيني بعودة الأبناء إلى وطن الأجداد، وكان من الأبناء بسام وبسيم اللذين التحقا بركب المقاومة كي يشقا بأظافرهم طريق العودة، فكان أن أعتقل بسيم ونال حكماً قاسياً بالسجن، واستشهد بسام وهو يطارد أعداء الله.

 

كان أبو محمد يتمتع بذكاء حاد، رغم أنه لم يكمل دراسته، حيث أنهى المرحلة الإعدادية، والتحق بسوق العمل ليتقن مهنة (القصارة) كي يساعد في إعالة آل بيته في ظل الظروف الخانقة التي يحياها أهل المخيم قاطبة .

 

كان شهيدنا مميزاً بالشجاعة والجرأة، وكانت تلك الصفات أول ما برزت في شخصية (بسام)، فعندما التحق بالمدرسة الابتدائية، وكان في الصف الأول الابتدائي حيث ألقى الفدائيون قنبلة على مركز شرطة أحدثت إصابات كثيرة وتجمعت الشرطة بشكل كثيف، فما كان من الطفل الصغير إلا أن ألقاهم بالحجارة، فأمسكوه وتم استدعاء أهله حيث صدر بحقهم والدته قرار حضور يومي إلزامي إلى مركز الشرطة من الساعة الثامنة صباحاً، وحتى السادسة مساءً، وأن يحضروا معهم ولدهم الذي يرجم الحجارة، واستمر هذا الحال أربعين يوماً، وأحياناً كثيرة كانوا يستجوبونه في غرف التحقيق حول من الذي دفعه لإلقاء الحجارة ... كانت هذه الشخصية بتلك المعالم الزاهية لم تكن تـنـقــي في غير ذات الدرب الذي انقضت فيه .

 

وكم كان هذا الطفل حبيباً إلى قلب أمه بشكل خاص، والتي كانت ترعاه في كل خطوة من خطواته، وكم شعرت برجولته المبكرة، وكان من أبرز معالم هذه الرجولة الالتحاق السريع ببيوت الله تبارك وتعالى يؤدي الصلوات جميعاً دون انقطاع حتى عن صلاة الفجر، كما يقوم برفع صوته مؤذناً منادياً الناس للصــــــلاة، ولا ينقطع مطلقاً عن كتاب الله تبارك وتعالى تلاوة وحفظاً . وكان أجمــــل الأوقات لدى (بســــــــام) يوم ينطلق إلى شاطئ البحر يغوص في أعماق المياه ويجوب البحر .

 

استمر (بسام) في دربه يمخر عباب بحر الحياة يرتشف رحيق الإسلام صافياً نقياً من بيوت الله تبارك وتعالى، وفي كنف ورعاية جماعة (الإخوان المسلمين)، الذين التحق (بسام) في ركبهم في العام ألف وتسعمائة وست وثمانين، وتدرج في ركبهم الدعوي حتى غدا (نقيباً)، ونادراً ما يصل إلى هذا الموقع من هو فــــــي مستوى تعليمي منخفض، ولكن بسام كان قد تجاوز تلك العقبة بمواصفاته الخاصة وذكائه الحــــاد وهمته المتقدة، حتى أنه كان يقود النشاط الدعوى الإسلامي في مسجـــــده .

 

وما كادت الانتفاضة الفلسطينية الماجدة يبزغ فجرها في التاسع من ديسمبر من العام ألف وتسعمائة وسبع وثمانين حتى كان بسام الرائد الأول في منطقة بيت لاهيا، (حيث انتقل وأهله للسكن هناك)، فلا تكاد تلحظ دقيقة هدوء أو سكون في حياته ؛ ينطلق نحو المسجد منذ الفجر، ومن هناك ينطلق إلى عمله ثم يعود إلى المسجد، ومساءً تراه يرتدي زي الانتفاضة (اللثام) يخط على الجدران شعارات المقاومة ويضع الحواجز والمتاريس، وليلاً ينكب على الأوراق يكتب التقارير الأمنية اللازمة لتواصل المسيرة، ولم يكن ذلك يخفي عن الأعين التي ترصد حركات المقاومين فكان الاعتقال الأول في حياة (بسام) في منتصف عام 1988، حيث قضى ثمانية عشر يوماً في التحقيق وخرج بعدها بتجربة جديدة، أضافت إلى رصيد (أبي محمد) رصيداً .

 

وما كاد أبو محمد يخرج من المعتقل حتى كانت قوات الاحتلال تداهم منزله وتعتقله مرة ثانية، ولكن بعد تحقق معلومات حول انتمائه إلى جهاز الأمن والدعوة (مجد) التابع لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وكان ذلك في العام ألف وتسعمائة وثمان وثمانين، وهي الضربة الأولى التي تعرضت لها حركة (حماس)، ولم تكن على نطاق واسع .

ويتم الحكم على بسام بالسجن لمدة ثمانية عشر شهراً، وعلى أرض النقب الثائر يواصل بسام دوره الجهادي والأمني، حيث يعمل ضمن جهاز الأمن العام لحركة حماس، وكان من أوائل الذين أسسوا الجهاز الأمني في النقب ليواصل دوره المقدس يرصد العملاء، يحصل منهم على المعلومات اللازمة للمواجهة المستمرة مع قوات الاحتلال سواء على أرض (النقب) أو في الخارج، هناك في (قطاع غزة) .

 

ولم يكن ينقطع أبو محمد عن حنينه للعودة السريعة إلى أرض المعركة، ولم يرَ في العمل الأمني على أرض النقب سوى مسكنات وأن ميدان العمل الحقيقي هناك على أرض (غزة هاشم)، حيث المجال مفتوح لخلق فجوات وتصدعات في جند الاحتلال المتغطرس .

 

وما كادت أيام الاعتقال تنقضي والتي تزود فيها بسام بخير الزاد (التقوى)، فالتجأ إلى كتاب الله تبارك وتعالى يتلوه ويقوم الليل يحسن صحبة إخوانه، وخرج من السجن ليعود سريعاً إلى حلبة الجهاد والمقاومة، فالتحق بكتائب الشهيد عز الدين القسام (الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية -حماس)، فقد كانت النواة الأولى للكتائب تنطلـق بطيئاً في جباليا الثورة، وكان كثير من الذين قاوموا الاحتلال في مجموعات ولجان حركة حماس هم الذين بادروا بتأسيس الجهاز، ولم يكن (أبو محمد) ليغيب رجل إخوانه الذين أحبهم أمثال (بشير حماد وعمل عقل) يخوضون مرحلة جديدة للجهاد والمقاومة.

 وتركز دور (بسام) في هذه المرحلة السعي الدؤوب لتوفير السلاح، وقد كانت تلك المهمة الأصعب في تلك المرحلة، فالسلاح شحيح جداً، وقديم والأموال لا تتكافأ بحال مع السلاح المراد الحصول عليه، لذلك ما أن حصلت المجوعـــة على كارل غوســـتاف قديـــــم لا يطلــــــق النـــار في أحيان كثيرة حتى أعدت جموع المجاهدين احتفالاً حقيقياً بهذا الفتح الجديد . عدا عن دور (بسام) الكبير والمتواصل في كتابة التقارير حول العملاء وحركاتهم في عملية رصد شامل طالت إثر ذلك مجموعة ممن باعوا ضمائرهم للشيطان وارتكبوا أعمالاً قاسية ضد الشعب الفلسطيني. وامتدت عمليات الرصد لتشمل دوريات قوات الاحتلال التي تجوب المنطقة الشمالية من قطاع غزة. استمر (أبو محمد) يخط معالم الجهاد في شتى المناحي والدروب يفتح الآفاق لكل عمل جديد أو رؤية مستحدثة جادة .

 

حرص دوماً أن يكون قريباً من الله تبارك وتعالى مبتهلاً إليه مقبلاً عليه حتى غرس الإيمان في قلبه الهانئ بحب الله، فكان مقداماً يحب الموت، كما يحب الناس الحياة، يقول لأهله دوماً .. وداعاً .. وداعاً إلى اللقاء في ظل عدالة السماء، أوصيكم أن تلتزموا دوماً بالزي الإسلامي، وألا تتركوا كتاب الله من أيديكم، إقرءوه واحفظوه وتدبروا معانيه، وإياكم وترك الصلاة أو إهمال فريضة، وكان يمثل لهم القدوة الحسنة في هذا المجال لا يترك صلاة الفجر بل كان يذهب لإخوانه إلى بيوتهم يوقظهم للصلاة على ما في ذلك من مشقة، ولا يكاد ينسى صلاة الضحى، حتى عرف بين إخوانه (بالقانت) دوماً .

 

كان أخشى ما يخشاه على أهله أن ينغرسوا في الدنيا، فتشغلهم عن الآخرة ويدعوهم إلى الاحتراس من العملاء ومن الذين لا يتقون الله عز وجل، كان ذلك النهج القويم والصراط المستقيم ديدناً متواصلاً لفتى شمر عن ساعد الجد، فما كلّ ولا ملّ .

 

استمر يؤدي بهذه الروح المتقدة والعزيمة الصلبة دوره بكل أمانة وسرية وإخلاص، ومنذ أن غرس البذرة القسامية حتى استوت على سوقها تعجب الزراع لتغيظ الكفار، وبسام يلكأها برعايته ويحفظها في سويداء قلبه عهداً وبيعة وقسماً .

 

وها هو اسم (القسام) يدوي في أرجاء الدنيا يحمل الرعب لقلوب تحمل الجبن والخور، فكان النصر قبل النصر، وكانت الهزيمة قبل الهزيمة حتى وقف عز الدين القسام عملاقاً يغطي بين السماء والأرض، هبَّ من موته على يد هذه الثلة المؤمنة لتعيد التاريخ وتمتد أحراش يعبد تغطي كل ذرة تراب في فلسطين، فالقسام وكتائبها في كل مكان تملأ عقول اليهود وقلوبهم رعباً وخوفاً . وها هي كتائب القسام تنفذ في 7/12/  199 عملية الشجاعية وتقتل ثلاثة جنود، ويغلي دماغ اسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها.

 

وفي ذات الليلة تقتحم قوات معززة من جنود الاحتلال منزل الحاج (محمد الكرد) تبحث عن (بسام) الذي اختفى عن العيون، واتخذ قراره الاستراتيجــــي أن يطارد قوات الاحتــــلال حتى يطردها أو ينال ما يريد، شهادة يُعز الله بها جنده ويذل بها عدوه، كما كان يدعو دوماً . ولم ينقطع (بسام) في مرحلة المطاردة عن العطاء القسامي اللامحدود، فتواصل جهاده وامتد إلى كل المواقع، وغدا (بسام) علماً في صفوف المطاردين لما يتمتع به من مواصفات خاصة في خفة الحركة والاتصالات وشراء الأسلحة والسرية المتناهية حتى كان القرار بالخروج من قطاع غزة وقف حينها بسام بكل قوة يدفع باتجاه البقاء على أرض الجهاد حتى كانت الشهادة على الحد الجنوبي للوطن، تلك الشهادة التي نالها بعد أن بذل كل شيء من أجل الوصول إليها، ولمّا طار الخبر إلى بيت لاهيا حيث والد بسام ووالدته وزوجه وأولاده الستة ما هو خبرهم ؟، كانت النفوس قد استعدت، فقالوا جميعاً كلمات الحمد :  " ولا حول ولا قوة إلا بالله "، " إنا لله وإنا وإليه راجعون " . وردد والده " الحمد لله الذي شرفني باستشهاد ولدي بسام، وإن شاء الله نلتقي في الفردوس الأعلى " .

 

ورددت زوجـــــه قد كان نعم الزوج، كان مثالاً وقـــــــدوة يحتذى بـــه فــــي كــــل شــــيء .

 

جميع إخوان بسام وجيرانه كانوا يعتزون بهذا  الشهيد الذي طلق الدنيا وزخرفها، وكانت تحت قدميه كي يلاقى الأحبة محمداً وصحبه، فاختار طريق الجهاد والشهادة لذلك، فرحل الدنيا وما ترك على ظهرها من يريد منه شيئاً أو يحمل في قلبه عليه شيئاً .

 

ها هو الجمع يصطف، يدفن جثمان الشهيد المشطور بقذيفة صاروخية ليلاً، وبحضور عدد قليل من ذويه .... الآلاف تلقي تحية الختام لرجل ملأ الدنيا جهاداً وعطاءً وفداءً وتضحية، فاستحق سلام العظماء ... الجميع يحتشد في الوداع الأخير لعملاق فريد بعد أن زرع في كل موقع سنبلة للقسام ضاعف الله غراسها، فأنبتت ألف حبة، وها هو المجد القسامي يتسامى على الجراح وشجرة الجهاد نضرة الغصون بهذه الدماء الفياضة ...

 

ها هو (أبو محمد) يسلم الروح بعد أن أدى الأمانة وأودعها في جنبات القلوب المؤمنة نوراً وناراً .. ها هو يرحل بعد أن حمل الراية ردحاً من الزمن حتى بتر العدو يديه فحملها بعضديه، ولما تسامت روح الشهيد إلى الفردوس الأعلى قذف الراية إلى أرواح تواقة مازالت تمسك البندقية تضغط على الزناد وحادي الركب آيات الله من (الأنفال والتوبة والإسراء) . ها هي الروح تستقر في حواصل طير خضر وبعد مشهد الختام في حفل تأبين القسامي المتواصل لن يكون هناك ختام، فالدرب الذي سلكه بسام لن يغلق باستشهاده بل إن القوافل تنتظر كي تمضي تغسل عار السنين ويبقى الجسد مسجى والروح تحلق في الجنة حيث شاءت باسمة هانئة، فقد نالت الشهادة ونجحت في الاختبار .