في ذكرى الرحيل ... الشهيد إبراهيم يونس عاشور (النجم الحمساوي)
في قلعة الجنوب الباسل (رفح) وفي مخيم لاجئيها (يبنا) حيث أشرقت شمس النصف من شهر ديسمبر من العام ألف وتسعمائة وتسع وستين، وكان يونس عاشور على موعد مع مولوده الجديد، وما كاد الوليد يرى النور ليغمر قلب الوالد بهجة غريبة لا نظير لها، كان يرى في مولوده الجديد الامتداد الطبيعي لجيل العطاء الأول، فأسماه (إبراهيم) نسبة إلى (إبراهيم عاشور) أحد مفاخر العائلة الذي كان عضواً في (جماعة الإخوان المسلمين) في أواخر الستينات والذي حاول رسم خارطة الوطن الإسلامي في مرحلة التهاوي الكبير، فجمع السلاح لمواجهة الاحتلال اليهودي واعتقل ورحل إلى الحدود الشرقية للوطن الموجوع، والتحق هناك بقواعد الشيوخ، ثم أعد العدة لتنفيذ عملية عسكرية استشهادية وعلى حدود الوطن المحاصر بين غربة الوجع ومتاهات المستقبل وتخلي القريب والبعيد، سقط إبراهيم مدرجاً بدمه في غور الأردن كي تبقى البوابة الشرقية مفتوحة على مصراعيها .
واليوم يأتي إبراهيم الوليد ليمضي على أثر قطـــــرات الدم المهدورة على حدود الوطن المسلوب، ولا يخفى (يونس) رغبته في هذا العطاء الجهادي فيقول أتمنى أن يكون إبراهيم (المولود) مجاهداً مثل إبراهيم الكبير ويستشهـــد مثلــــه .
... هكذا كان قدر (إبراهيم) من البداية فهو على انتظار لاعتلاء مركب الشهادة من لحظة الميلاد ليضاعف اسم إبراهيم عاشور في قائمة الخلود ولوحة الشرف التي تحمل فنون العطاء ونسائم الاستشهاد المعبقة بريح المسك والعنبر .
ومكث إبراهيم أربعة وعشرين عاماً في انتظار لحظة الخلود كان خلالها خير من حمل الأمانة، فأودع فيها كل خلجات فؤاده ونبضات قلبه التي تؤّذن كل يوم للرحيل على درب العطاء الدامي من أجل فجر مشرق رغيد لأمةٍ طال عليها الهوان ومشى عليها ذل القيد وغدت ملكاً مشاعاً وحرمةً مستباحة لولا الرهط الفدائي الكريم المتواصل من إبراهيم الكبير وحتى (إبراهيم) الوليد، وعلى مدار ذاك الزمن لازالت زلازل غور الأردن تلهج بالتكبير، ورفح الباسلة أخرجت أشتالها بوارق نصر تملأ الآفاق وترسم ملامح البواسل بين شقوق الغمام ... إنهم قادمون يكبرون، فسلسلة الجهاد لن تتوقف لأنها قدر الله الذي لا يفنيه كيد عصابة حمقى من الصبيان . وفي هذا العمر الممتد الذي يعود إلى الجذور الأولى كتب (أبو البراء) ملاحم حياته ونقش اسمه على كل جدار .
فكان (مسجد الهدى) القابع في مخيم (يبنا) للاجئين في رفح الملاذ الأول (لإبراهيم)، فمنذ نعومة أظفاره التجأ إلـــــى هذا الركن الحصين، يصلــــي بين جنباته ويرتشف من معينه، وحيق الإسلام المختوم لينشأ الفتى صافياً نقياً، وخلال سنواته تلك أنهى (إبراهيم) دراسته الابتدائية والإعدادية والثانويــــــة، وكان (أبو البراء) في كل هذه المراحل مميزاً بطبعه الهادئ ومحبته لإخوانه وغيرته الشديدة على الإسلام والمسلميـــــن لا يقبل أن يداس لهم طرف أو ينقص لهم حق، ورغم ذلك فقد كان مرحاً ذا مشاعر دفاقة وأحاسيس جياشة، لذا تراه يمسك قلمه ويكتب القصص القصيرة وبعض الأشعار والأدبيات، وقد نشط في العمل المسرحـــــــي، فكان ممثلاً في فرقـــــة المجمع الإسلامـــــي للفــــــن وكان رياضياً وثاباً يحسده الآخـــــرون على همتـــــه العاليـــــة وحيويته الدائمــــــة، فمــارس لعبـــــة كرة القدم .
وعلى منهج اللاجئيـــــن يرون العلم وسيلة الإصلاح ومركب العودة إلى (يبنا) مدينة الميلاد الأول ومحط خيام الآمال في لقاء أكيد مهما تباعدت مسافات الاغتراب فامتداد الأجيال معقد هذه الآمال . ورغم ضيق ذات اليد إلا أن مسيرة العلم مطلب ضروري لمثل أولئك الطامحين إلى العلا المترنمين بلحن العودة . فالتحق (أبو البراء) ليدرس الصحافة والإعلام في كلية المجتمع العصرية برام الله، حيث كان لوجود إبراهيم هناك اثر كبير في نشأة الكتلة الإسلامية والتي فازت بانتخابات مجلس الطلاب لأول مرة في عهده وكان (أمين اللجنة الثقافية) .
وقد التحق (إبراهيم) كذلك للدراسة في معهد الأزهر الديني بعزة حيث حصل على دبلوم لغة عربية . ورغم كل هذا النشاط الدائب لم يكن إبراهيم ليوقف نبض حياته المغموس بلحن الجهاد والراقص على أنغام رصاصات العز والفخار التي ستوقظ أمة من سبات وتحيي شعباً من رقاد.
فتراه من أوائل الملتحقين بركب حركة المقاومة الإسلامية (حماس) يحمل روحه على كفه يطوف أزقة وشوارع رفح الباسلة ينتظر قدره الموعود، ونشط في نقش شعارات الانتفاضة على الجدران ونظراً لتميزه بالجرأة اللامحدودة وإلحاحه المستمر للعمل ضمن مجموعات العمل العسكري، فنشط في عمليات الردع للمشتبه بهم في رفح، وحين وجه الشاباك ضربته المشهورة في العام 1989 لحركة حماس كان (إبراهيم) من أولئك الذين طالتهم أيدي المخابرات الاسرائيلية ليقضي محكوميته البالغة عاماً ونصف العام بتهمة الانضمام إلى مجموعة تابعة لحركة حماس .
ولم يكن أبو البراء ليوقف هذا الزحف من النشاط والعمل الخالص لله تبارك وتعالى حيث شارك بفعالية في العمل التنظيمي في معتقل النقب الصحراوي وكان مسئول الأرشيف الأمني لحماس في النقب .
وإثر خروجه من السجن كان (أبو البراء) أكثر تصميماً من ذي قبل لمواصلة عزف سيفونية الجهاد حتى النصر أو الاستشهاد .. وكان يرى أن خط المقاومة هو الطريق الوحيد للعزة والكرامة، وصبر في البحث عن ضالته كي يعمل ضمن (كتائب الشهيد عز الدين القسام)، وبدأ يبحث في رام الله ونابلس عن ضالته المنشودة ورفض كل العروض للعمل كمسئول اجتماعي أو دعوي لأنه كان يلمح بعين البصيرة أقرب الطرق الموصلة إلى جنان الفردوس الأعلى فيسعى لها بكل عزم وقوة .
فكان له ما أراد والتحق بكتائب القسام في العام 1991م، وحاول جاهداً نقل العمل من الإطار الأمني إلى الإطار العسكري ورغم ضآلة الإمكانيات المتاحة للمجاهدين إلا أن (أبا البراء كان يملك مع إخوانه العزم الكافي لبدء مشوار جهادي طويل، وعندما كثرت الاشاعات والأقاويل في رفح حول رؤية (أبو البراء) يحمل سلاحاً وملثماً قرر الإقـلال من حركته وظهوره في المجتمع، حتى جاء عليه اعتراف من أحد إخوانه في السجن بحقيقة عمله ضمن صفوف (القسام)، ولمّا قدم الجيش الإسرائيلي لاعتقاله لم يسلم نفسه وبدأ من لحظتها مرحلة جديدة في حياته، (مرحلة المطاردة) بكل ما تحمل من عزم ورجولة وفدائية وتحدي .
ليتولى أبو البراء مسئولية الجهــاز العسكري في المنطقة الجنوبية ويبدأ نشاطه الجهادي في هذه المرحلة في مدينتي رفح وخانيونس، لينفذ عملية المطافئ في رفح، حيث قام (أبو البراء) بإطلاق النار باتجاه دورية عسكرية في مدينة رفح الساعــــــــة التاسعة مساءً وذلك في شهر يناير من العام 1993م، وفي ظل منع التجول الليلي الشامل، كما شارك في مجموعة عمليات مع إخوانه المجاهدين في منطقة خانيونس الفداء ..
وفي غزة والشمال شارك بمجموعة عمليات فعّالة مع الشهيد الفذ (عماد عقل)، وكان أشهرها اطلاق النار من مقبرة جباليا باتجاه دورية عسكرية، وقتل جندي وإصابة آخر وذلك في ليلة القدر من شهر رمضان عام 1993م .
وكان (أبو البراء) في كل مراحل عمله زاهداً يرغب في الراحة في ظل ذي الجلال والإكرام، فقد كان يرسم صفحة ناصعة مرسومة بألوان الإخلاص اللامحدود التي تكسو هذا الفدائي المغوار الذي قضى أغلب أيامه صائماً ولا يكثر الظهور إلا لأداء مهامه الجهادية، وقد عرض عليه إخوانه مراراً الخروج من فلسطين فرفض ذلك بإصرار غريب، فكان يرد عليهم (والله لن أخرج ولن ألقي السلاح)، ويقول بكل عزم ومضاء: لقد طوردت من أجل أن أتمتع بقتل يهود لا من أجل الهروب وكي استشهد على أرض فلسطيـــــن . فقد التصقت فلسطين بقلب (أبو البراء) فكانت عشقه الدائم وشغله الشاغل، كيف نحميها وندافع عن مقدساتها وبرتقالها وزيتونها . وكان يردد دوماً لحن الوطن، من أجلك يا بلادي صرت مقاتل، من أجلك يا بلادي صرت مناضل، أغنية من الثوار للوطن الحبيب أهديها، أغنية من الأحرار للوطن السليب أهديها، وتمر قافلتي مع الثوار من بين السنابل، ونصبر في انتظار النصر والنصر دوماً للمقاتل، لنكون يا شعبي فدا، إما النصر وإما أن نكون الجسر في درب القوافل .
كان اليوم الجمعة، الثامن والعشرين من مايو من عام 1993م، حيث انطلق (أبو البراء) وإخوانه (رائد الحلاق، وعماد عقل، ومحمد ضيف) بعد قراءة القرآن والدعاء لله بالتوفيق والسداد، وفي الطريق اتجهوا حيث (محمد صيام، وعبد الرحمن حمدان)، ليتجهوا جميعاً إلى البيارة حيث يقبع الهدف هناك، وظل طوال الطريق ينشد (أبو البراء) (عند البيارة يلا نتجمع.. ننزل على الغارة والمصحف نور الثورة .. والجميع يردد خلفه ..) .
وعلى الطرف الجنوبي للبيارة كمن (إبراهيم ورائد)، وقد مكن (أبو البراء) بندقيته فوق كتفه وصوب باتجاه طريق الدورية ... بعد أن نزرع الجاكيت التي يرتديها وألقاها ووضع فوقها صورة الشهيد حسين أبو اللبن وكتب خلفها (هذه العملية من كتائب القسام انتقاماً لمقتل حسين أبو اللبن)، وما إن أصبــــــح الهدف على مرمــى النيران حتى انطلقت صليات من كلاشن (أبو البراء)، وينسحب المجاهدون فوراً، وصيحات التكبير تدوي في المكان، و(أبو البراء) يهتف (الله أكبر .. كتائب القسام)، ولما عادوا إلى الموقع جلس أبو البراء في قمة السعادة وهو يقول : (الواحد يحس حاله وهو يطلق الناء كأنه يأكل فستق حلبي وقدامة مانجا ولوز) .
وبعد هذه العملية الجريئة بيوم واحد كان المجد يقترب رويداً رويداً من الفتى العاشق لحلمه الدفين، ففي الثلاثين من شهر مايو من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين وفي يوم أغر من ايام الله تبارك وتعالى، حيث وقف حجاج بيت الله في عرفات يؤدون مناسكهم، فيما بدأ شهيدنا يومه صائماً لله تبارك وتعالى حيث زحف أكثر من ألف جندي اسرائيلي في فجر هذا اليوم الأغر إلى منزل يقبع في حي اليرموك بمدينة غزة حيث المجاهدين الأبرار (إبراهيم عاشور ومحمد صيام ورائد الحلاق).
فيما ثلاث طائرات مروحية عسكرية تحوم فوق المنطقة، وتقذف حممها على رؤوس المجاهدين، وأثناء ذلك ينطلق العهد والقسم من أفواه المجاهدين الصائمين على المواجهة حتى الاستشهاد على درب القسام رافعين شعار شيخهم عز الدين القسام (موتوا شهداء)، فقاتل الأبطال بذخيرتهم المحدودة وأسلحتهم المتواضعة واستمر القتال أكثر من اثنتي عشرة ساعة تساقطت خلالها القذائف الصاروخية من طراز (لاو) والقنابل ودفعات متواصلة من أسلحة رشاشة انصبت من طائرة مروحية ومن مجموعات راجلة في وصف شهود عيان، حجم الجنود والقـــــوة المستخدمة أنها تفوق حجم القوة الاسرائيلية التي احتلت مدينة غزة فـــــي العام 1967م.
فيما ارتقى المجاهدون إلى سطح المنازل يقاتلون حتى الطلقة الأخيرة ليسقط العديد من جنود الاحتلال قتلى ومصابين بينما يرتقي (إبراهيــــــم ومحمد) مدرجين بدمائهما، حيث مزقت قذيفة صاروخية جسد إبراهيم، بينما اعتقل المجاهد (رائد الحلاق) وهو مصاب والذي ما زال يقبع حتى اللحظة في سجون الاحتلال .. وإلى جوار جثمان الشهيدين سقط كل شيء، فقد دمروا كل شيء أبنية تهاوت، ومزرعة دجاج أحرقت، وسيارات تحطمت وشجر بقى صامداً شامخاً (كإبراهيم ومحمد) رغم الرصاصات التي مزقت كل شيء . استشهد (إبراهيم) في هذا اليوم الأغر بعد أن طبع اسمه في قلب فلسطين الدامي، استشهد وهو يحمل دليل الطريق مصحفاً وُجد ممزقاً من طلقة صاروخية يحتفظ به الأهل حتى اللحظة .. شاهد حي باق يشهد (لإبراهيم) عظيم ولائه واخلاصه، وما أعظمه من شاهد وما أجله من شهيد . وخرجت رفح بأسرها تودع إبراهيم خير خلف لخير سلف ورغم منع التجوال خرجت الجماهير تودع (أبا البراء) وعلى أثر دمه الممتد من غزة إلى رفح نبت شهيد جديد يحمل نفس الحلم ويكتسي ذات الملامح الوردية شهيد ينتظر دوره في قائمة الخلود كي يعيد البسمة إلى الشفاه التي غابت عنها ملامح السعادة .
وفي قلب رفح نصب سرادق عزاء (أبي البراء)، انتصب آل الشهيد فخورين بابنهم البار الذي صدق الله ما عاهد عليه .. كانوا يوزعون الحلوى والشراب يرددون من أعماق قلوبهم إبراهيم لم يمت .. إبراهيم حيٌ يرزق .فشمخ (آل عاشور) بولدهم وعلاهم الفخر أن كان (إبراهيم) ولدهم .
وحول سرادق العزاء اجتمع العشرات من صبية المخيم يبكون طيف (أبي البراء) الذي تربع في قلوبهم وكلٌ يرقب بعيون ملؤها الدمع حزناً على فراق إبراهيم صوره التي تغطي حفل العزاء وهو يحمل سلاحه بعز وشموخ، فيما يتهامس الفتية ترى من يكون الامتداد الطبيعي لجيل العطاء الفدائي حتى تحين لحظة القطاف .
استشهد (أبو البراء) ليهب هؤلاء الفتية الحياة، والتضحية الغالية لا يمكن حصرها برصيف البلاغة وكلمات التدشين لأن المجد الذي بناه إبراهيم لا يُضاهي ودفاعه المستميت عن الحلم الأول فلسطين الحاضر الغائب في وجدان إبراهيم وكل الأحرار .. وتماماً للشـــــوط واصـل إبراهيم طريقه المخضب بالدم حتى النهاية وما زال في حلقات السلسلة الممتدة منذ سمية متسع لمزيد من الأسماء، التي اشترت ما باع الله وكان الثمن دمهم المراق على أعتاب كل المراحل.
