جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات

فلسطين بين نحيب المسرى وأنين الأَسرى

فلسطين بين نحيب المسرى وأنين الأَسرى
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

تكاد الأخبار الصادرة من فلسطين في الآونة الأخيرة تنحصر بين جملةٍ من المآسي المتكرِّرة، الفاعل فيها مجرمٌ بامتياز، وكلّ الشَّعب جمهور يتفرَّج، إلاّ قِلّةً ممَّن يصرخون في وجه الظالم، صرخات ضعيفةً خجولةً غير قادرةٍ على دفع الظُّلم أو تحطيم الأغلال. فالمسجد الأقصى المبارك، بات يتعرَّض يوميَّاً للانتهاكات والاقتحامات، من قِبل عصابات المستوطنين، ومن يقف وراءهم من القيادات الحزبيِّة والدّينيّة. وقد زادت وتيرتها هذا العام عن كلِّ الأعوام السَّابقة، وباتت أعداد المقتحمين تعدُّ بعشرات الآلاف في السَّنة الأخيرة . في الأسبوع الأخير كان المشهد قاسياً ومؤلماً جداً، مع تزامن الاقتحامات في ذكرى "خراب الهيكل" . أعداد المقتحمين تتزايد، وأعداد المصلّين المسلمين في ساعات الصباح في مسجدهم تتضاءَل. وبالطبع، فقد سبق هذا الواقع المرير سلسلةٌ طويلةٌ من الإجراءات الظالمة، من ملاحقات، واعتقالات، وإخطارات لبعض روّاد المسجد الأقصى لمنع الوصول إليه...... ولكنّ تقاعس الكثيرين من المسلمين وتكاسلهم وقلّة مبالاتهم، هي السَّبب الأكبر في قلَّة وجود المسلمين ووصولهم إلى مسجدهم الأقصى المبارك في ساعات الصباح، في أيام الاقتحامات المركَّزة التي تعلنها الجماعات اليمينيَّة المتطرِّفة.
وعليه، فانَّ واجبنا، تجديد العهد مع المسجد الأقصى المبارك، وتكثيف شدّ الرِّحال إليه، قبل أن نبكي عليه دماً وندماً..... الأسبوع الماضي كانت ذكرى خراب هيكلهم، والأسبوع القريب ذكرى حريق مسجدنا الأقصى، والذي تم في 21-8-1969. فليشهد المسجد الأقصى من أهله، وأحبابه، حنيناً،ومحبةً ، زيارةً وعمارةً ورباطاً، يغيظ أعداءه ويشرح صدور محبّيه.... فكونوا للأقصى خير سند، وخير نصير وظهير ومدد.
معارك الأمعاء الخاوية..... صراعٌ على الكرامة
أما الخبر الثاني الذي لا ينفك يتردَّد في أصداء فلسطين، فهو فيما يتعلَّق بأخبار الأسرى المضربين عن الطعام، وعلى رأسهم الأسير بلال كايد الذي يدخل إضرابه الأسبوع العاشر، ممَّا يجعل حياته في مرحلة الخطر الحقيقي. فعاليات تضامنية، ووقفات احتجاجية، وإضرابات عن الطعام من بقية الأسرى تضامناً معه......ودعاءٌ صادقٌ من قلوب المؤمنين بان يفرِّج الله كرب الأسير وإخوانه أجمعين، وان يعجِّل لهم بالفرج والحريَّة.
ها هي فلسطين، تسطِّر ملحمة تلو أخرى، من ملاحم الصَّبر والتحدِّي. فعندما يقف الصلف والعنجهيَّة والتنكُّر لقيمة الإنسان الفلسطيني (من خلال ممارسات الاحتلال) سدَّاً أمام حريَّة الأسير وكرامته، يختار لمحاربة كل ذلك أمعاءه الخاوية التي يعجز المحتل عن اقتحامها. إنَّ كلَّ إضراب عن الطَّعام في سجون الاحتلال،هو صرخة مظلوم في وجه مستبدٍّ،وهو صوت كرامة أمام مجرم متنكِّر لمفاهيم الكرامة الإنسانية. فالاعتقالات الإدارية التي تمارسها وتشرعنها سلطات الاحتلال، ستة أشهر قابلة للتمديد إلى ما لا نهاية دون محاكمة أو إثبات أدلة، ما هي إلاّ ممارسات خارقة لكلّ القيم والقوانين والشَّرائع الأرضيَّة والسماويّة.
يجب أن تُلغى هذه الإجراءات الظالمة، وتتوقَّف تلك الاعتقالات المجرمة والمسمَّاة " اعتقالات إدارية "، ويجب أن يعترض عليها كلّ شريفٍ حرٍّ، ولنقف جميعاً لنصرة أولئك الأبطال المصابرين القابضين على الجمر حتى تنتصر قضيّتهم.
والعنفُ والقتلُ تلك الطامَّة الأخرى
عنفٌ في كلِّ مكان ودمٌ يسفك في كلِّ ميدان، وجرائم تشيب لها رؤوس الولدان. ذاك الذي يكمل المشهد الحزين في أخبار فلسطين. العدَّاد لا يتوقَّف، وأخبار الإجرام تهزّ الأبدان في كلِّ يوم وساعة.الأسباب غالباً مجهولة، ولكنَّها بالتأكيد تافهة كان بالإمكان تجاوزها.
فيا شعبي الحرّ، قف وانظر عن يمينك ويسارك قبل أن تعبر إلى عالم الجريمة، حيث خسران الدنيا والآخرة.
الآباء والأجداد كانوا طوال أعمارهم يستعيذون بالله من" شرِّ بني ادم ". وبعض أبنائهم يثبون إلى الشرِّ وثباً، وينغمسون في الجريمة تهاوناً وخفةً. أمّا علموا أن القتل سبيل مباشر إلى جهنَّم وبئس المصير؟ وانه سبب في خراب الدِّيار، وتشتيت الشَّمل، ونهاية الاستقرار؟ فالقاتل، إن عاش فهو مشرَّدٌ مطاردٌ أو سجينٌ. وأهله في نكبةٍ وتشريدٍ وضياعٍ..... والمجتمع بعد الجريمة لا يكون مثلما كان قبلها
كفى قتلاً، كفى إزهاقاً للأرواح
كفى دماراً، كفى فرقةً وشتاتاً
اللهم احقن دماءنا واحفظنا جميعاً من كلِّ مكروهٍ وسوءٍ.
وحسبنا الله ونعم الوكيل