جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات
فقه الإدارة الأمنية بين النظرية والتطبيق
الكاتب : خالد أحمد خليل الشيخ
فقه الإدارة الأمنية بين النظرية والتطبيق
يعود السبب الرئيسي لفقدان الأمن على مستوى الدول والأفراد والجماعات إلى عدم إدراك هذه الدول أو الأفراد أو الجماعات للمفهوم الحقيقي للإدارة الأمنية.
فبالإدارة بعناصرها الخمسة، والأمن بمجالاته المتعددة ، تتكون لدينا المنظومة الأمنية وما تشتمل عليه من ( تخطيط، وتنظيم، وتوظيف، وتوجيه، ورقابة) ، والتي تعني تحقيق الأمن بأفضل الطرق وأقل التكاليف .
و فقه الإدارة الأمنية : هو المعرفة الشاملة ، والفهم العميق لمتطلبات الأمن ، و حاجات الناس وما تملكه الدولة من موارد وإمكانات ، ثم تكون قادرة على الموازنة بين تلك المتطلبات والحاجات ، وبين مواردها المتوفرة .
وعليه فإن أول مهام الإدارة الأمنية : هو صياغة نظرية أمنية شاملة تتحقق فيها الأركان الأساسية للأمن وهي : ( القوة ، والعدل ، والحكمة ).
ومن الغباء المركب أن يُتَصور الأمن بدون توفر هذه الأركان مجتمعة.
فالقوة في جميع المجالات ( العسكرية، والأمنية، و السياسية ، والاقتصادية، والصحية ،والتعليمية، والسلوكية، والأخلاقية، وفي الزراعة، والصناعة، والتكنولوجيا ..الخ )، هي مطلب أساسي لتحقيق الأمن والاستقرار على مستوى الأمن الداخلي والخارجي للدولة، وهذا ما أكده القرآن الكريم في قول الله تعالى:(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ )([1]).
وفقه الإدارة الأمنية في عنصر القوة يعني ضرورة الالتفات إلى أمرين في غاية الأهمية :
الأمر الأول: الإعداد، وهو القوة المطلوب إعدادها لتحقيق الأمن والاستقرار للنظام والمواطن بما يتناسب مع حجم التهديدات، والإعداد يشمل جميع مجالات الحياة وفق منظومة أمنية شاملة.
والأمر الثاني : هو الوقت والكيفية التي يتم فيها استخدام القوة ، إن كانت عسكرية أو أمنية أو علمية أو صناعية أو تكنولوجية .. الخ وهو ما يتعلق الجانب الإداري التنفيذي .
من هنا فإن فقه الإدارة الأمنية، هو المسئول الأول و المباشر عن تحديد مجال القوة المطلوب استخدامها بما يلائمها من تهديدات فلا يعقل أن يجابه الغزو الفكري والثقافي بالقوة العسكرية مثلاً ، ولا يعقل أن يواجه غضب الشعب بالرصاص الحي والمدافع والطائرات.
وفي الأمرين يتدخل فقه الإدارة الأمنية، التي تحتاج إليه القيادة الواعية الحكيمة ، والتي نعني بها علم القيادة بالأبعاد الحقيقية للأمن، وفهم الواقع المحيط ومعرفته معرفة جيدة يستطيع من خلالها توظيف كل الطاقات لأجل تحقيق الأهداف.
هذا وتعتبر القوة فارغة من محتواها مهما عظمت ما لم يتوفر الركن الثاني من أركان الأمن وهو العدل ، فقوة بلا عدل تصبح قوة ظالمة غاشمة مسيطرة ما تلبث أن تضعف قليلاً حتى ينقض عليها المظلومين ليطيحوا بها، لأجل ذلك كان العدل مهما للحفاظ على هذه القوة ، وهو ما أكد عليه القرآن الكريم في قوله تعالى:(وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ)([2])، وفي قوله جل وعلا:(وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ)([3])، ومفهوم العدل يشمل الجميع حتى الأعداء الذين يقاتلوننا، قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )([4]).
ولقد أفصح القرآن عن أهمية العدل لتحقيق الأمن في قوله تعالى : ( الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ(([5]).
( فعلى قدر العدل يكون الأمن ، وعلى قدر الظلم يكون الخوف ) .
والعدل ليس مسئولية الإدارة الأمنية فحسب، وإنما العدل أمر مشترك يجب أن يتصف به المجتمع بأسره، وما فَقدت المجتمعات العربية والإسلامية الأمن، إلا بسبب ظلمهم وتجاوزهم للحق!!
والإدارة الأمنية الناجحة هي تلك الإدارة التي تتصف بالحكمة وهي الركن الثالث من أركان النظرية الأمنية .
والحِكْمَة لغةً: ما أحاط بحَنَكَي الفرس، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّها تمنعه من الجري الشَّديد، وتُذلِّل الدَّابَّة لراكبها، حتى تمنعها من الجِماح ، ومنه اشتقاق الحِكْمَة؛ لأنَّها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل.
وأَحْكَمَ الأَمْرَ: أي أَتْقَنَه فاستَحْكَم، ومنعه عن الفساد، أو منعه من الخروج عمَّا يريد .
و معنى الحِكْمَة اصطلاحًا:
قال أبو إسماعيل الهروي :( الحِكْمَة اسم لإحكام وضع الشيء في موضعه).
وقال ابن القيِّم: (الحِكْمَة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي).
وقال النَّووي: (الحِكْمَة، عبارة عن العلم المتَّصف بالأحكام، المشتمل على المعرفة بالله تبارك وتعالى، المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النَّفس، وتحقيق الحقِّ، والعمل به، والصدِّ عن اتِّباع الهوى والباطل، والحَكِيم من له ذلك)([6]).
فالحكمة مطلب مهم وإذا فقدت الحكمة فسدت الأمور فلا تنفع القوة حينها ولا العدل .
خلاصة الأمر ..
فإنه لكي يتحقق الأمن بمفهومه الشامل لا بد من قيادة واعية وإدارة حكيمة تعمل أولاً على صياغة نظرية أمنية تقوم على مبدأ (القوة ، والعدل ، والحكمة) ، وتوازن بين متطلبات الأمن بأبعاده المختلفة واحتياجات الناس المادية و النفسية.
[1] - سورة الأنفال الآية (60) .
[2] - سورة الشورى الآية (15) .
[3] - سورة النساء الآية (58) .
[4] - سورة المائدة الآية (8) .
[5] - سورة الأنعام الآية (82) .
[6] - موقع الدرر السنية . http://www.dorar.net/enc/akhlaq/452
