في ذكرى الرحيل ... الشهيد موسى جاسر السيد (ربح البيع أبا البراء)
في فجر الثاني من أكتوبر من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين أشرقا على مخيم البريج الصامد، والحصــــار يشتد حول الدار التي تحصن بها المجاهد حامد القريناوي (المطارد القسامي)، الناس نيام وعينا المجاهد موسى ترصد كل حركة لقوات الاحتلال التي تتقدم بشكل منظم نحو الحصن، واستمر الجدل الدائر بين حامد وموسى، وحامد يقسم على أخيه أن لا يبقى داخل الدار ويتركه يواجه قدره وحيداً حيث إن موسى لم يكن مطلوباً لقوات الاحتلال، وموسى لا يرى أمامه إلا خياراً واحداً.. خيار المواجهة كتفاً بكتف مع أخيه وتوأم روحه (حامد القريناوي)، وهو يردد عليه لم نفترق في الدنيا ولن نفترق إن شاء الله، فإني أريد لنفسي ما تريد لنفسك.
اشتـــد الحصـــار، وتمكـــــن الغاصبــــون من الـــــدار، وخــــرج جميع الأهالي، وبقي عملاقا القسام يواجهان جيشاً جراراً، وارتفع لواء المعركة، وأطلق (أبو البـــــراء) رصاصته الأولى دفاعاً عـــن الكرامـــــة والوطن معلناً روح الوفاء القسامي في الذود عن الحياض والعطاء اللا محدود.
استمرت الحرب الطاهرة... رصاصات القسام معدودة، ولكن الإرادة فولاذية، فكانت المعركة مشتعلة تحاول قوات الاحتلال اقتحام المنزل، ثم ترتد على أدبارها خائبة خاسرة، ولمّا اقتربت مجموعة من جنود الاحتلال بجوار جدار المنزل كانت عين الراصد ترمقهم والساعد القسامي يقبض بقوة على قنبلة يدوية ينزع صمام أمانها وتسقط مدوية وسط جمع المعتدين ليسقطوا بين قتيل وجريح. يشتد القصف الصاروخي الهمجي رداً على هذه الخسارة الفادحة، ولكن المعركة مازالت مستمرة، السواعد القسامية المتوضئة تواجه بكل إيمان وعزم وقوة الغطرسة الصهيونية والاستبداد الإسرائيلي، والأفواه الطاهرة في البريج وكل فلسطين تلهج بالدعاء، أن يسدد الله رمية المجاهدين.
كان عشق الشهادة حلم (أبي البراء) الذي لا ينقضي، وها هي الشهادة والخلود تطل في ثنايا قذيفة تنفجر إلى جواره أو صلية رشاش تصم الآذان تصنع بحراً من الركام تحت قدميه. بقي الشوق الباسم للانتظام في موكب الخالدين الذي تراصت صفوفه يجول في خاطر (أبي البراء). هل يقدّر الله له أن يكون عضواً في هذا الركب المقدس، هل تتزين السماء بنجمه الذي يهوي فوق البريج الصامدة التي رسمت عبر تاريخها الوضاء معالم الجهاد والاستشهاد منذ العصر الأول للبيعة، فحفرت بأظافرها خندق المواجهة والتحدي وأنشبت مخالبها في عنق الجلاد، تهزأ بالموت وتلحق بالمستحيل تجره إليها صاغراً ليغدو الأمل قريباً... قريباً. أقرب من قذيفة تفتك بجدار مجاور (لأبي البراء)، أو أقرب من صلية رشاش تغرس أشتال الأمل بين قدميه الطاهرتين... ها هو صاروخ الخلود ينطلق بعد عشر ساعات من القتال الملحمي، يمتطيه أبو البراء بكل الكبريــــــاء والشمـــــوخ، يتناثر جسده الطاهر في كل موقع، يرسم معلماً في درب المستحيل من التحدي اللامعقول... وهي هي الدماء الطاهرة تروي أشتال الأمل.. تغدو أشجار عظيمة يتفيىء ظلالها اليائسون من الاختراق لجدار الأمن الواهم الأخطبوط السرطاني الجاثم السرطانية الجاثمة فوق الثرى الفلسطيني... يدعم بقاؤها أباطرة العالم، وثلة من المجاهدين تمثل تهديداً حقيقياً لبرنامج السقوط في براثن النظام العالمي الجديد والتسليم المطلق بالوجود والبقاء والتوسع فوق الذرى الفلسطينية المقدسة.
يرحـــــل أبو البراء.. يحدد معالم الوفاء.. معايشة وصبر واحتمال وتضحية وبذل وفداء.. بقاء في خندق الجهاد حتى الاستشهاد.. يأبى الخروج سالماً.. يصمم على خياره الأوحد.. يقذف في وجه القصف وفاءه اللا محدود.. ويستقبل في صدره صاروخ التحدي يشطر قلبه المفعم وفاءً وإخلاصاً.. تهتف ملائكة السماء ربح البيع أبا البراء..
ربح البيع أبا البراء وأنت تتقدم في درب الجهاد.. وأنت تضرب مثالاً نوعياً في التضحية يوم أن كنت تملك سيارة ومحلاً وقمت ببيعهما كي توفر لأخيك المطارد حامد القريناوي ولنفسك سلاحاً تشق به طريق المقاومة..
ربح البيع أبا البـــــراء وأنت ترفــــــض الخروج من الحصار سالماً دون أي أذى.. تأبى إلا أن تتـــم الصفقة ببيـــع المال والنفس في سبيل الله.
هنيئاً لك وأنت تخرج بمالك ونفسك في سبيل الله ثم لا ترجع من ذلك بشيء.
ربح البيع أبا البراء وأنت تحفظ سر أخيك (أبي جعفر) وتكن ساعده الأيمن في مواجهة ملمات الحياة، تعمل بكل جد وصمت. لم يسمع أحد صوت تفاخر أو اعتزاز بما تعمل في سبيل اللـه.
ربح البيع أبا البراء وأنت دوماً تتمنى الشهادة في سبيل الله.. تكرر دوماً اللهم ارزقني الشهـــادة في سبيلك، وأنت تبني لنفسك معالم المستقبل.. تزور مقابر الشهداء.. تناجيهم.. ترجو دوماً اللحاق بهم.. هنيئاً لك وأنت ترفض كل عروض الزواج وتردد بصوت يسمعه الجميع أريد أن استشهد وأتزوج في الجنة إن شاء الله.
ربح البيع أبا البراء وأنت تستعد ليوم اللقاء.. تنهل من معين الإسلام الصافي، فتشربت روحك الطاهرة معالم بارزة للشخصية الإسلامية التي نشأت عبر موائد القرآن.. تداوم بشكل كامل على صيام يومي الاثنين والخميس، تكثر من قيام الليل، فالليل مدرسة رحبة ينشأ بين أركانها أبطال المرحلة، عدا الطاعة اليومية لله تبارك وتعالى بين جدران (مسجد الصفاء) الذي احتضن موسى منذ نعومة أظفاره، حتى غدا ليثاً لا يهاب. هذا عدا استعداده في بناء جسده، فمارس رياضــة كمــــال الأجســـــام ورفع الأثقال، وأتقن لعبة الكاراتيه، واحترف لعبة الننشاكو (العقلة)..
ربح البيع أبا البراء وأنت تلتصق في بيت الله تبارك وتعالى منذ الطفولة، وبعد الميلاد المبارك في الخامس عشر من يناير من العام ألف وتسعمائة وسبعين، تدرج خطواتك الأولى نحو بيت الله تبارك وتعالى، تتحلق حول مائدة القرآن وتلتحق بجمعية تحفيظ القرآن ودروس السيرة النبوية والعقائد الإسلامية ونفسك الصافية تتشرب كل هذه المعاني منذ نعومة أظافرك.. و(مسجد الصفاء) يقذف في قلبك الصفاء والحب والأخوة والعزم، وأنت تحيا في رحابه مع إخوانك الذين منّ الله عليهم ليكونوا من الذين نشأوا في طاعة الله عز وجل.. تشاركهم الجلسات والرحلات وتمازحهم، ولا تكاد تخرج من بيت الله حتى تعود إليه مشتاقاً.
ولمّا شببت عن الطوق كنت أستاذاَ لأجيال فلسطين العائدة إلى بيت الله تبارك وتعالى بعد أن تتحصن بآيات الله البينات، تحفظها وتعلمها للأشبال.. يحفظون كتاب الله كما تتلوه عليهم. ثم تقودهم إلى مكتبة المسجد التي تحمل أمانتها، تطلعهم على الكتب الثقافية يتعلمون خلالها أبجديات العقائد الإسلامية وأسس التصور الإسلامي للإنسان وللكون والحياة والخلافة والأقصى.
ثم تقودهم عبر نشاطات رياضية متنوعة، وتعد لهم الإفطار الجماعي بعد يوم صيام جماعي كي ينشأ العظام على منهج السماء، تقوي العزائم وتهذب النفوس.
هنيئاً لك أبا البراء هذه القلوب التي التفت حولك تحمل كل الحب لأنك حملت لهم الحب وكنت خادمهم وأنت أميرهم.. تواضعت لهم فرفعوك.. حرصت على مصالحهم وتجاهلت مصالحك الشخصية.. كنت دوماً فــــي الميدان حاضراً تعد العدة لكافة الأنشطة وتتفانى في أداء الواجبات والخدمة لإخوانك، ولم يقف غزوك لقلوب شبان وفتيان مسجد الصفاء، بل كنت نبراساً لأقربائـــك وجيرانك الذين يرون منك الأدب العالي والخلق الرفيع، الصمــــــت رفيقك والالتزام منهجك.. حافظت على حق الجيران التزاماً بإسلامك فكنت خير قدوة.
ربح البيع أبا البراء وأنت تشق طريقك في الحياة تتعلم فنونها استمراراً لمنهج السماء في السعي في مناكب الدنيا، فحصلت على شهادة الدبلوم في أعمال النجارة وعملت نجاراً، وأتقنت مهنة الدهان، ثم عملت سائقاً، وكل ذلك لم يكن يشغلك عن مهمتك الرئيسة التي ما غابت عن خاطرك، وبلدة (المسمية) التي رحل منها (آل السيد) بعد أن هجّرت قوات البغي والعدوان جموع الراحلين ليستقروا في مخيمات اللاجئين جنوب الوطن، تهتف في أعماقك أنها في ذلك القيد تعاني وأن تحررها رهن عطائك المتجدد في درب الجهاد والتضحية.
ربح البيع أبا البراء وأنت تلتحق بركب دعوة (الإخوان المسلمين) تشق من خلالها الطريق نحو العلا والمجد تبني مع إخوانك سلم الصعود الإسلامي.
ولما انطلقت الانتفاضة المباركة أذن الله أن يخرج العملاق من قمقمه ليصنع مجداً عظيماً من الجهاد والفدائية والاستشهاد، كان موسى وقود هذه الثورة اللاحفة، فمنذ اليوم الأول للانتفاضة انطلق موســــــى جندياً مخلصــــاً في صفوف (جهاز الأحداث) التابع لحركة المقاومة الإسلاميــــــة (حماس) حتى غدا موســــى علماً من أعلام المقاومة في مخيم البريـج.
كانت الثورة الكامنة في نفس موسى تتصاعد وتخرج إلى حيز الوجود، انتقاماً للواقع المرير الذي يحياه شعب الأقصى الأسير والحـــــــــــرم الباكي وأرض الزيتون تنادي أبا البراء كي يبقى دوماً في الطليعة ناهلاً من موائد القرآن الكريم ملتحقاً بسفينة الحماس وصولاً إلى إحـــــدى الحسنييـــــــــندرب المحنة يقود إلى الجنة كي يمحص الله قلوب عباده، فالتحق أبو البراء في العام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين بمجموع المجاهدين الذي يضمهم سجن النقب الصحــــراوي، وما كاد يخرج من المعتقل حتى أعيد اعتقاله مرة ثانية في مطلع العام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين يقضي محكومية جديدة بلغت ثمانية شهور قضاها خلف الأسلاك الشائكة والجدران السوداء المظلمة ولكنها كانت مدرسة جديدة تعلم خلالها موسى فنون ابداعية في المقاومة والفدائية، كما أضاف إلى رصيده ثقافة إسلامية حركية ناضجة حول مفاهيم العمل الحركي والبناء التنظيمي المتين، فاشتاق كثيراً إلى تطبيق هذه المفاهيم على أرض الواقع بالعودة إلى ميدان الجهاد والتحدي. ليخرج من قلاع المقاومة في أكتوبر من العام نفسه، أصلب عوداً وأقوى شكيمة ليتابع عمله الجهادي وعبر معالم جديدة.
ربح البيع أبا البراء وأنت تهاجر مجدداً إلى الله ورسوله تركل الدنيا خلفك وتنضم إلى كتيبة الراحلين نحو الخلود.. تنظر في كتاب الله يحرضك على الفناء في درب الاستشهاد.. فالجنة تنتظرك.. والحور العين تتزين لاستقبالك.. فلمَ التراجع.. فالتحقت فوراً بركب كتائب الشهيد عز الدين القسام (الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" ) تعمل بصمت وإخلاص وتضحية وتفاني عز نظيره، ما علم بذلك أحد، فقد كنت علماً للسرية والكتمان. تعمل يداً بيد مع رفيق الدرب، (حامد القريناوي)، المطارد القسامي في مخيم البريج، فكنت خير عون في وقت جفت فيه منابع العون، فكنت السماء تظلل المجاهد القسامي وتسقيه ماء الوفاء تحجب عنه ظلام الاغتراب، تبيع كل ما تملك وتصر على البقاء في الخندق الأمامي للمواجهة المقبلة فتكن رأس حربة وطليعة متقدمة لهذا الجهاد.
ربح البيع أبا البراء وأنت تصوب بندقيتك الرشاشة التي اشتريتها بمالك الخاص نحو دورية عسكرية تجوب مخيم البريج، وتساهم دوماً في خطف العملاء والتحقيق معهم وتنفيذ حكم الشرع في الخارجين منهم عن الدين والوطن. وها أنت اليوم تسطر ملحمة الوفاء الخالد وتصر أن تكون ركب الراحلين إلى الخلود المسطرين معالم التضحية والخلود والفداء.
هاجر جمع المجاهدين إلى الله، فوجب أجرهم على الله، فمنهم من مات ومنهم من لم يأكل من أجره شيئاً، كان أبو البراء أحدهم أصابته القذيفة تناثر جسده يزرع في كل بستان وردة للاستشهاد ويتناول الظالمون جسده وما علموا أنه استقر هناك " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلامً عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار ".
فكانت ملحمة البريج مصدراً للوفاء والتفاني سكنت فيها معاني الصدق والثبات والإيمان.. وكان (أبو البراء) معلم ذلك الفداء.
ولمّا كان الرحيل... رحيل الأساتذة.. أبا (أبو البراء) إلا أن يحقق هدفه وأن يربح بيعه، بُنى دين الله على أكتافه وإخوانه ومضى قبل أن تقبل الدنيا فأجره على الله... وعده الله فأسرع بالوفاء.. فكان تمام البيع. ولمّا قدمت القافلة العسكرية تقل أشلاء جثمان (أبى البراء) وتمنع جل أحبابه من رؤيته أستاذاَ عملاقاً.. هبت مع قدوم أشلائه رائحة المسك التي غطت المكان.. وسكنت الروح التواقـة للقاء في أرض البريج التي أحبت وفي ظل شجرة مورقة الأغصان، كان السكون الأخير لمعلم الوفاء.. وما تزال تلك الشجرة غصن نضرة وأوراقها خضرة.
طوال العام يرويها أبو البراء بدمه ويمدها بالغذاء.. وأغصان شجرة الشهادة التي غذي (أبو البراء) أحد أغصانها تتسامى وتكبر في مواجهة السرطان الذي يغزو الأرض الحرام على الدخلاء وأشلاء (أبي البراء) دواء هذا الداء السرطاني اللعين.
وانطلــق الفتيان الذين نشأوا في كنف موسى ينهلون منه مفاهيم الإسلام صافية، قالها بلسانــــه وها هــو يخطها بدمه، وها هم على ذات الدرب يتحرقون شوقاً للحسنيين يخطون بعلب الطلاء في كل المواقع عبارات التحية لقائدهم العظيم يودعونه على أمل اللقاء في الجنان.
وحفل مهيب تكريماً للشهيد تقيمه حركة المقاومة الإسلامية (حماس) يبرق الجمع الهدار بالتهنئة الغالية لأستاذ الوفــــاء والعطــــاء..
وها هو أبو (البراء) يرقب من بعيد ثمار غرسه الناشئ.. يبتسم راضياً ويشد على يد (أبي جعفر) مهنئاً.. ويغمضا أعينهما ويناما...
" في مقعد صدق عند مليك مقتدر "
