في ذكرى الرحيل ... الشهيد عصام مهنا الجوهري (عاشق بيت المقدس)
كانت الرحلـــة بين مصــر وفلسطيـــن شاقـــة وعسيرة علــــى الفتــى اليافـــــــع رغم القرب القلبي والمكاني بينهما... لأن عصـــــام الشاب المسلــــــم المصري الفطــن محرّم عليه الخروج أو الدخــول، فكيف إلى (فلسطيـــــن المحتلة) التي لا يدخل معبرها جيئاً وإياباً إلا أصحاب العيون الزرقاء والشعر الأصفر.
أما عصام فكان عليه أن يلتجأ إلى الطرق الملتوية للوصول إلى (فلسطين)، فأعد لذلك جواز سفر مزيف باسم (لؤي) وحمله مهاجراً إلـــــى الله مجاهــــــداً في سبيله.
في طريق الرحلة بين مصر وغزة كان يحلم أبو دجانة بكل شىء ويطوف في وادي الذكريات، فرحل إلى المستقبل القريب وكيف سيلقى الله تبارك وتعالى على (الأرض المقدسة)، وهل تتحقق أحلام حياته العريضة بالشهادة حقيقةً على أرض الربــاط والجهاد.
فقد غـــــــرس حـــــب الشهـــــادة ولقاء الله تبارك وتعالــــى في قلب أبو دجانة ولم يبق في هذا القلب الصغير متســــع لأي شىء آخر، وقد ترسخت هذه الأمنية بمتابعته أخبار المجاهدين في فلسطين، ومن الصعيـــــد المصري حمـــــل كل هموم الإســلام وكل المعاناة التي يلقاها أهل هذا الدين العظيـــــم...
رحلت فيـــــه الخواطر يوم أن داهمـــــت المخابـــــرات المصرية بيته لاعتقاله إثر اغتيال رئيس مجلــــــس الشعــــب المصري (رفعت المحجـــــوب)، وقد أفرج عنه بعد جولات تحقيق قاسية لا زال فرقعة السياط على جسده النحيل يرن صداها في أدنيه ويتحسس موقعها بيديه فيشعر بقسوة الألم والظلم الذي وقع عليه وأمثاله دون جريمة تذكر... رحلت كل خواطر (أبي دجانة) إلى الواقع المضطهد الذي يحياه مسلمو العالم... وكيف تحول هذا الشعور المكبوت إلى فعل متحرك يبتغي وجه الله تبـــــارك وتعالى، فقد بادر (أبو دجانة) الذي يحمل همّ الوطن الكبيـــــر، ألا وهو الإســـــلام إلى تسجيل اسمه ضمن المتطوعين للجهاد في البوسنة والهرسك...
أراد بذلك الشهادة والأجر من الله تبارك وتعالى وأراد نصرة دين الله ولكن السلطات المصرية منعته من السفر إلى البوسنة للقتال ضد الصرب.
كان يسمع (أبو دجانة) يومياً بالجرائم الصربية ضد المسلمين التي تجاوزت كل الأعراف الإنسانية ويذوب في نفسه حسرةً وكمداً على أولئك الذين أغلقوا الحدود وحاصروا المجاهدين خدمة لمشاريع غربية تهدف إلى استمرار السيطرة على الإنسان والأرض الإسلامية...
حلم الشهادة الذي نشأ مع (أبي دجانة) منذ نعومة أظفاره لم يكن لينتهي أو يزول نتيجة عوائق بشرية، ولكنه بقي يترقب هذا الأمـــــل الموعود يطوف بخاطره كل أرجاء الوطن الكبير ويحويه بقلبه وعقله وأمله في أن يراه حراً كريماً عزيزاً وأن يقـــــدم روحه ودماءه وأشلاءه فداءً لهذه العــــزة والكرامة.
كانت الشهادة على أرض فلسطين وفي بيت المقدس خاصة حلمه الأكبر، ولمّا كان يرى هذا الحلم بعيد المنال انصرف عنه للتفكير في الشهادة في أي مكان آخر، ولكن قدر الله تبارك وتعالى يرسم (لأبي دجانة) ملحمة من نوع خاص ليس على أرض فلسطين فحسب، ولكن في قلب بيت المقدس عروس المواجهة مع الكيان اليهودي ورأس الحربة والطعنة السامة التي تلقاها المسلمون في أعز ما يملكون.
كان (أبو دجانة) يسمع كثيراً عن (كتائب الشهيد عز الدين القسام) و(حماس) والانتفاضة وجميعها مفردات ترسخت في ذهن الشاب الصامت الكتوم... كما كان يحلم في منامه وفي يقظته أنه فــــــي (فلسطين) وأنه ضمـــــن (كتائب القسام) مقاتلاً صلباً عنيداً وأنه شهيد على هذه الأرض الطاهرة الطيبــــــــة.
لم يكن (أبو دجانة) قد رأى بيت المقدس والمسجد الأقصى وقبة الصخرة، ولكنه كان يرحل كل يوم إليها عاشقاً متلهفاً متمنياً الموت على ثراها الطاهر، وكم بحث في غياهب الكبت عن آيات القرآن الكريم وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تحدثت عن الأقصى وفضل الرباط حوله والموت على ثراه...
ولم تكن خوالج قلب (أبي دجانة) حالة شاذة في العالم الإسلامي، فكم هي القلوب التي تختلج بحب الإسلام وفلسطين والأقصى، ولكن (أبا دجانة) كان حالة الفعل والتنفيذ لكل خلجات القلوب المسلمة على امتداد الوطن الأسير من المحيط إلى الخليج.
كان العصامي (أبو دجانة) الذي يحمل كل الأصالة المصرية العريقة، وكل غيرة الصعيد المصري قد أنهى دراسة الثانوية ورفض الزواج عدة مرات رغبة منه في الشهادة ونيل الدرجات العلى في الجنة، لم يبق في قلبه متسع لغير الله ورسوله والشهادة في سبيله، فقد كانت كل حياته وربما سيرة حياته تنبىء عن سريرته التي طوى عليها صحاف قلبه حتى لقى الله وهو عنه راض بإذن الله، كيف لا وقد فارق الوطن والأحباب والأهل وترك كل شىء في هجرة نموذجية عز نظيرها تحملنا إلى هجرة (صهيب الرومي) وإخوانه الصحابة الأجلاء تاركين كل شىء من أجل الله ورسوله..
هذا العشق المتلهف للشهادة والتضحية في سبيل الله تبارك وتعالى دفع عصام أن يكنّي نفسه (أبا دجانة) نسبة إلى الصحابي الجليــــل (سمّاك بن خرشة) الذي لقى الله وهو يتمرتس دفاعاً عن النبــــي صلـــى الله عليـــــه وسلــم.
واصل (أبو دجانة) دربه الممهر بالدم والنار والبارود ليقطع صحراء التيه في سيناء ويصل إلى كبد الحقيقة (بيت المقدس) وكما رحل موسى عليه السلام الهجرة الأولى، وحيداً شريداً... ملاحقاً... رحل أبو دجانة في ذات الدرب ليصل إلى المعشوقة (بيت المقدس)، وسكن مؤقتاً حي المجاهدين (الشيخ رضوان) وبدأ يسعى (أبو دجانة) نحو هدفه الذي قدم من أجله وبدأ يسأل عن القسام ومطارديه حتى عثر بعد طول عناء على المطارد القسامي (محمد الضيف) الذي سرعان ما أدرج اسمه في قوائم العمل الجهادي ليضع (أبو دجانة) قدمه الأول في درب الشهادة، ويتعرف (أبو دجانة) على شقيق رحله الهجرة إلى الله والرحيل إلى الجنة (حسن عباس " أبو مصعب ") ويبدأ المجاهدان سوياً في رسم خطة المواجهة الجريئة في قلب القدس بعد أن تدرب (أبو دجانة) على الأسلحة اللازمة لاستخدامها في العمل الفدائي الموعود.
كان طوال تلك الفترة يختفي (أبو دجانة) خلف اسمه المستعار (لؤي) ويخبر من يعرفهم أنه شرطي من مصر، زيادة في التخفي ولم يكن قد أنبأ أحداً من أهله بنيته الشهادة التي حملها في خلجات قلبه ورحل بها إلى (فلسطين) الجهاد والمقاومة، فقد كان حريصاً على أن يبقى عمله مكتوماً حتى ينال الأجر الجزيل من الله تبارك وتعالى وحتى لا تصل أخباره فتضيع منه فرصة الشهادة التي طالما تردد أن يلتقيها في ذكرى مجزرة المسجد الأقصى، وأن يكون معراجه إلى السماء من بيت المقدس.
واحتفاءً بهذا العرس العظيم تم تصوير الشهيدين (أبي دجانة وأبي مصعب) قبل تنفيذ العملية ليوجها إلى الأمة التي تقف خلف أسلاك العجز والهوان تتراجع عن حقها وعن قدسها أننا نحن الطليعة وأن دمنا هو زيت قنديل الحرية وأن أشلاءنا وعظامنا تعبد الطريق للسالكين نحو النور المتوهج المنبثق من فجر قلوبنا التي تحمل كل الحب للإسلام وللوطن وللأقصى.. فهيا تقدموا.
كان أبو دجانة يتمثل الصحابي الجليل (أبا دجانة) وهو يربط عصابته الحمراء ويحمل سلاحه الوضاء مختالاً أمام صفوف الكافرين، ويصفه النبي الممصطفى صلى الله عليه وسلم يقول : " هذه مشية يكرهها الله ورسوله إلا في مثل هذا الموضع "، يقف (أبو دجانة الجوهري) بعصابته الحمراء يحمل كل الكبرياء والشموخ ليعلن إزالة كل الحدود والحواجز والسدود ويعبر بشلال دمه مرحلة جديدة من أن فلسطين للمسلمين جميعاً وأنهم مسؤولون أمام الله تبارك وتعالى عن ترك الجهاد لخلاصها.
وقبل أن يبزع فجر التاسع من أكتوبر من عام 1994م ذكرى الأقصى الأسير بأربعة أيام تحرك المجاهدان من غزة أرض الفدائية صوب بيت المقدس تحمل في رحالها (أبا دجانة) العصر الحديث وقد أعد كل شىء لتنفيذ الخطة المرسومة بعناية، وفي التاسع من أكتوبر وفي ميدان مليىء باليهود في مدينة (القدس) صوب (أبو دجانة) وشقيقه المجاهد (أبو مصعب) رصاص الكلاشنكوف الهدار إلى الجمع الذي قتل المسلمين في المسجد الأقصى وتتطلق مئات الرصاصات ويقذف المجاهدان اثنى عشر قنبلة داخل مقهى إسرائيلي ويقدّر الله تبارك وتعالى وجود وحدة خاصة للجيش الاسرائيلي في المكان ساعة التنفيذ ويقع اشتباك عنيف ومطاردة من شارع إلى آخر والعصابة الفدائية الحمراء تنتقل في كل مكان تقذف الرعب والهلع في صفوف بنى اسرائيل تعيد إلى قلوبهم جبنهم الذي نسوه خلف جدران الوهم والدعم ليقفوا أمام أسود القسام، عاجزين أقزام والمواجهة في عقر أمنهم المزعوم.
وظلت العصابة الحمراء تتحرك لتزرع الرعب في كل مكان حتى نفذت ذخيرة (أبي دجانة) لتستقر رصاصات يهودية في الصدر الذي طالما انتظر هذه اللحظة الغالية وسخر لها كل حياته ووظف من أجلها كل أبجديات العطاء اللامحدود.
ليسقط الجسد العملاق مدرجاً بدمه معلناً حقيقة الصراع مع مغتصبي الأرض، يقف الجسد العظيم عن الحراك بعد أن سطر ملحمة عز نظيرها، وبعد أن زرع الرعب في أوصال دولة يهود، وفي قلب المدينة المقدسة، وبعد أن سقط القتلى والجرحى مدرجين بدمائهم بعد أن اخترقت أجسادهم رصاصات (أبي دجانة) القسامي.لتعتقل السلطات الإسرائيلية بعد هذا الهجوم الجرىء جثة البطل المقدام (أبي دجانة).
وما أن تناقلت اسرائيل الخبر وعلمــــــت أن المجاهد الفذ قد قدم من مصر (أرض الكنانة) حتى جن جنون رابين وحكومته وحتى تحركت القوات المصرية نحو منزل الشهيد تداهمه وتعتقل إخوانه والعديد من أصدقاء الشهيد في محاولة يائســـــــة لوقف المد المتصاعد من العطاء والجهاد في شــــتى المياديـــــن...
ولكن شيخ الأزهر (جاد الحق علي جاد الحق) يقف موقفاً شامخاً يحفظ له ويصدر بياناً يُعلن فيه (عصام الجوهري) شهيد قاتل من أجل قضية عادلة وهي (القدس).
ويقف نبض الشهيد الغالي بعد أن سطر ملحمة بطولية عز نظيرها وبعد أن أعلن بكل الجوارح أن الطريق إلى القدس لن تغلقه حدود أو تقف دونه حواجز أو تمنع الوصول إليه أسلاك شائكة وإنما الوصول إليها يسير سهل لمن رفع راية الجهاد خفاقة وحمل روحه فوق كفه وقطع أولاً كل أسلاك الخوف، وتجاوز حدود الجبن وتعدى حواجز الوهن التي زرعناها في قلوبنا، فما جنت هذه القلوب إلا الذل والمهانة والضياع للدين والأرض والإنسان....
فإلى من رســـــم طريــــق القـــــدس مـــــن الصعيــــد المصري إلى بيت المقدس بمــداد مــــــن دم ورصـــاص ألـــف ألــف ســلام...
