في ذكرى الرحيل ... الشهيد صلاح حسن جاد الله (جنرال خطف الجنود)

في ذكرى الرحيل ... الشهيد صلاح حسن جاد الله (جنرال خطف الجنود)
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

(حي الشيخ رضوان) القابع بين (غزة وجباليا والشاطئ) ما زال يغفو على أحلام نورانية مزهراً بأطياف شهداء (مجزرة مسجد الرضوان) حيث خضبت دماء الشهداء (فواز بخيت - عبد الناصر الشريف - مجدي الغوراني)، ودماء عشرات الجرحى في ساحة المسجد وذلك في الثامن عشر من شهر مارس من العام 1989م... كان هذا دافعاً كافياً لينطلق شباب هذا الحي في مواجهات بطولية لجنود الاحتلال ليمثل رافداً كبيراً للانتفاضة الفلسطينية التي تشتعل ناراً ولهيباً في قطاع غزة الذي غدا شوكة في حلق الاحتلال، وكم تمنى قادة إسرائيل زوال هذه المنطقة عن الخارطة وإغراقها في البحر...وكان وجه فتانا يطل من بين الوجوه غضباً وناراً على هدر الدماء المسلمة في بيت الله تعالى لتغرس في قلب الفتى بذرة الثأر والانتصار.

وبعد أيام من انقضاء عيد الفطر المبارك وبالتحديد في السادس من شوال اندلعت مواجهات حادة في (حي الرضوان) وكان (صلاح) وشقيقه (خالد) من أولئك الذين قفزوا فوق المنازل يدافعون عن الحي بحجارتهم في مواجهة رصاص جنود الاحتلال... وكان (خالد) ذلك الشاب الهادىء الوديع (صائماً في هذا اليوم استجابة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم في صيام ستة أيام من شوال) يبدو مواجهاً صلباً وإلى جواره شقيقه (صلاح) وذلك حين انطلقت رصاصة أصابت قدم المدافع العنيد (خالد) الذي سقط جريحاً وأدركه جنود الاحتلال بعد أن سقط أرضاً وضربوه بعنف موقع الإصابة وانسابت الدماء طاهرة زكية من جسد (خالد) فيما يرفض الجنود اسعافه، وكانت عينا (صلاح) ترقب الموقف والألم يعتصرهما والدمع ينهمر منهما كان ينطلق لإنقاذ شقيقه وهو لا يملك أدنى عناصر المقاومة اللهم إلا قلباً عامراً بالإيمان وبحب شقيقه (خالد)، ولكن زخات من الرصاص انطلقت نحوه أوقفته جامداً، لكنها لم توقف كوامن نفسه التي تغلي كالمرجل، وبقي هذا المشهد يعتمل في صدر الفتى ليروي بذرة الثأر والانتصار، فقد حركت هذه الرصاصات كوامن الجهاد والتضحية والفدائية إلى نفس فارسنا الصنديد... ألم ير جنود الاحتلال وهم يضربون شقيقه وجرحه نازف حتى فاضت روحه من أثر النزيف ظلماً وعدواناً، وفي عزاء شقيقه أقسم (صلاح) على الثأر من تلك القلوب القاسية حتى يردها لصوابها... وبينما كان (صلاح) بهذه الحالة طافت بخاطره صور جده وأعمامه يقتلون على يد ذات القلوب القاسية كما صورها له والده الشيخ الجليل حين حدثه عن قصة الرحيل الكبير للشعب الفلسطيني ورحيل عائلته مـــــن بلدة (برير) الفلسطينية والإقامة في حي التفاح الملاصق لمدينة غزة من الشمال.

وحدثه والده عن زيارته الأولى للدنيا في هذا الحي وذلك في اليوم السادس والعشرين من شهر نوفمبر للعام ألف وتسعمائة واثنين وسبعين، وكيف أسماه والده (صلاح الدين) تيمناً بالقائد المسلم (صلاح الدين الأيوبي) أملاً بتحقيق النصر على يد هذا (الصلاح)... كما رزق الله الشيخ الجليل ستة من الأبناء وخمسة من البنات إضافة إلى فتانا المستمع بشغف إلى والده... والذي أفاق على آذان المغرب يتردد صداه في (حي الرضوان)، تلك المنطقة التي أقاموا فيها بعد رحيلهم عن منطقة التفاح حيث نشأ فارسنا في ظلال مسجد الرضوان يتنشق خلاله الصفاء والنقاء بعد أن فطم على العزة والكرامة والحرية على يد والديه... وكان الذكاء أكثر ما يميز الفتى وقد زين ذكاؤه جرأة غير عادية فاق بذلك أقرانه، وقد أنهى الفتى دراسته الإبتدائية والإعدادية، ثم درس المرحلة الثانوية في مدرسة (فلسطين الثانوية)، وكان حينها أحد أبرز نشطاء (حماس) يلقي الندوات في المسجد عدا دوره المتميز (رغم حداثة سنه) في قيادة جهاز الأحداث التابع لحماس في حي الرضوان... وقد اعتقل ذات مرة في إحدى المواجهات العنيفة في (مسجد الرضوان) على أيدي القوات الخاصة... حيث ضربه جنود الاحتلال بكل وحشية وألقوه بين الأحراش بعد أن فقد الوعي لينفذوا بذلك بذرة الثأر والانتصار في قلب ذلك الشاب الوديع.

وكان (صلاح) في عنفوان انطلاقه لمواجهة من بذروا داخله الكراهية والثأر لما اقترفت أيديهم تجاه شعبه وأهله وشقيقه واتجاهه شخصياً... وفي مشهد مكرر لحادث استشهاد شقيقه (خالد) انتصب (صلاح) فوق أحد الأسطح في حي الرضوان يرجم الصهاينة بحجارته النارية، وانطلق الرصاص مدوياً في سماء (الرصوان)، وكانت إحدى تلك الرصاصات نصيب فارسنا المقدام ليضاف إلى سجل معاناته صفحة قاسية جديدة حيث اخترقت الرصاصة جسده الطيب وأصابت الكبد والبنكرياس واستقرت في الإثنى عشر وأمضى (صلاح) على أثرها شهرين راقداً في أسرة مستشفى الشفاء بغزة وثلاثة أشهر أخرى في مستشفى المقاصد الإسلامية بالقدس نتيجة سوء حالته الصحية. كل ذلك كان يمضي ليحفر في شخصية (صلاح) علامات بارزة لترسخ لديه قسم الثأر لكل قطرة دم أريقت على يد أعداء شعبه وأرضه.

وإثر شفائه تحرك بطلنا المغوار لإكمال دراسته العلمية حيث أنهى دراسته الثانوية بتفوق كعادته وليتحرك إلى (الضفة الغربية) لإكمال مسيرته التعليمية حيث التحق (بالكلية العربية للمهن الطبية) برام الله وحصل على شهادة الدبلوم في الأشعة وذلك رغم انشغال (صلاح) الكامل بالعمل الجهادي القسامي الذي بدأت تنمو بذوره في قطاع غزة، وكان صلاح يعقد آمالاً عظيمة على تقوية الشوكة الصغيرة لهذه النبتة الصافية حتى تبقى حماس وكتائبها رقماً صعباً، وفكر صلاح ملياً في جدوى نقل العمل العسكري من غزة الفداء إلى الضفة الغربية وتحرك لأجل ذلك بكل عنفوان، حيث بادر بتوفير بطاقات هوية اسرائيلية وتزويدها لأبناء القسام الأول ومطارديها النجوم (بشير حماد ومحمد حرز ومحمد أبو عطايا وطلال نصار ومحمد عايش وعماد عقل)، مع توفير سيارات إسرائيلية ومأوى مناسب لهم... وكان قدر الله أسبق حيث اعتقل ثلاثة من المجاهدين من أفراد المجموعة من البيت المُستأجر في بيتونيا برام الله وضبطت معهم هوية مزورة باسم (صلاح) الذي فر لمدة أسبوع انتقل خلاله من رام الله إلى الخليل ثم غزة حيث اعتقل بتاريخ 6/8/1992م في سجن غزة المركزي لينهي صفحة المطاردة الصغيرة ويفتح صفحة أخرى لبداية جديدة ولبطولة فريدة خطها مجاهدنا العظيم بصبر وصلابة، وكان لتلك الأيام القاسية أعمق الأثر في فكر (صلاح) وشخصيته وتوجهاته الجهادية حيث أخضع فارسنا المغوار لجولات تحقيق رهيبة استمرت ثلاث شهور في زنزانة انفرادية بسجن غزة المركزي كُسر خلالها أنفه، ونقل لمستشفى (سوروكا) في بئر السبع لإجراء عملية جراحه، إلا أن تعنت جهاز المخابرات منع ذلك وأعيد للتحقيق مجدداً حيث نقل بعدها إلى (عزل المجدل) لأربعة شهور أخرى.

وكان خلالها في ظل تحقيق وتغيب كاملين حتى بدا صلاح في حالة من الانهيار والجنون لينقل للعلاج في المستشفيات ثم يحوّل لمعتقـــــل النقــب الصحراوي، وعلم هناك أن والده الشيخ (أبا أحمد) قد أُبعد إلى مرج الزهور أثر عمليات عسكرية فعًالة نفذتها كتائب القسام... اكتسب أبو محمد خلال تلك المدة المزيد من العزم والصرامة والسرية والكتمان مع مزيد من الاهتمام بالإعداد الجيد والعمل المتقن الدقيق مع شعور جارف أن الأولوية الأولى للعمل الجهادي الإفراج الكامل عن كافة المعتقلين الفلسطينيين وعلى رأسهم (الشيخ أحمد ياسين).

ولمّا تحقق أمر الله بالإفراج عاد صلاح لنشاطه القسامي المتميز حيث بادر لتجنيد مجموعات سرية خاصة جديدة في مناطق الضفة والقدس، وكانت الخلية المقدسية (أيمن أبو خليل - طارق أبو عرفة - راغب عابدين - حسن النتشة - عبد الكريم بدر) أبرز تلك الخلايا حيث قامت باختطاف الجندي (شاحر سيماني) عضو وحدة دوفدفان العسكرية الاسرائيلية ونتيجة مقاومته العنيفة تم قتله وسلب سلاحه وهويته، وقد أصيب في العملية أيمن أبو خليل...

ثم تقدمت ذات الخلية وخطفت الجندي (أرئيل فرنكتال)... وقد قتل بعد خطفه مباشرة... ثم قامت الخلية بالإعداد لهجوم مسلح على منزل (شارون) في القدس ووقع اشتباك عنيف مع الشرطة الإسرائيليـــــة وقد استشهــــد أثره المجاهــــدان ‎‎(طـــارق أبو عرفة وراغب عابدين)، وتمكن المجاهدان (حسن النتشة وعبد الكريــــــــم بدر) من الفرار بأسلحتهما فيما أصيب المجاهد (أيمن أبو خليل) وتم اعتقاله... لتبدأ لمجاهدنا رحلة جديدة... رحلة المطاردة، حيث أنه قائد هذه الخلية وليكون (صلاح) بذلك أول مطارد لإسرائيل منذ دخول السلطة الفلسطينية أرض قطاع غزة وقد أمضى (أبو محمد) شهرين مطارداً داخل قطاع غزة ثم انتقل للضفة الغربية ليكمل مشواره في خليته المقدسية... صور المعتقلين ومعاناتهم اليومية ما فتئت تراود (صلاح) والتفكير باطلاق سراحهم شغله الشاغل.. واستأجر لذلك بيتاً في (بير نبالا) قضاء رام الله أغلقه باحكام، وفي صبيحة الأحد 9/10/1994م تحركت السيارة القسامية وهي تحمل أرقاماً إسرائيلية وبداخلها المجاهدون (صلاح جاد الله وحسن النتشة وعبد الكريم بدر)، وعند موقف للجنود توقفت السيارة يعتليها (نخشون مردخاي فاكسمان) إلى المقر في بير نبالا ليصل في ذات اليــــوم بيان إلى الصليــــب

الأحمر بإعلان مسئولية كتائب القسام عن خطف الجندي، ويوزع شريط فيديو يظهر فيه الجندي المخطوف وخلفه الملثم القسامي الذي لم يكن يرى  سوى المجاهد (صلاح جاد الله) وهو يحل سلاح الجنـــــــــدي وأوراقه الثبوتية مع إعلان بكافة مطالب الخلية والتي انحصرت في الإفراج عن المعتقلين مع تحديد الساعة التاسعة من مساء يوم الجمعة 14/10/1994م موعداً نهائياً، وقد اعتبرت أطول فترة زمنية تسمح بها خلية مسلحة تختطف جندياً وتقع تحت سيطرة الحكومة التي يتبعها الجندي المختطف، وقد غدت هذه الصورة رمزاً للعمل القسامي المتصاعد ومثال فخر وتفاؤل للمستقبل الواعد لأولئك الرجال الذين حملوا أرواحهم فوق أكفهم وخاضوا بحار المجد والعز والفخار لتسقط أمامهم كل حسابات الأرقام وتوقعات الساسة.

حركت عمليــــــة الخطف هذه العالم بأسره ووقف العالم على قدم واحدة طوال ستة أيام متواصلة يرقب نهاية المشهـــــد الدرامي لحرب غير متكافئة الأرقام والحسابات، خلية بإمكانيـــــات محدودة وقائد شـــــاب مقابل دولة لها جيشها وقائدها الكهــــــل المحنك ولكن نتيجة المعركة تتحــــــــدث عن نفسهـــــا.

وقد فشلت المفاوضات مع الحكومة الإسرائيليــــة في الإفراج عن المعتقلين... وناورت الحكومــــــة لكسب المزيد من الوقت، وتم تمديد الزمن إلى مساء اليوم السبت 15/10/1994م... وكانت حينها إسرائيل تعتقل جهاد يغمور مراسل الخلية القسامية... وجهزت قيادة إسرائيل العسكرية وحدة الأركان الخاصة وحاصرت الموقع القسامي في (بير نبالا) وذلك مساء الجمعة 14/10/1994م، وفوجئت الوحدة الخاصة بالجــــــدران المغلقة والموقع المحصن لتقع في شر أعمالها وتغدو أهدافاً سهلة لنيران المجاهديـــن ليُقتـــــل قائــــــد الوحدة الخاصة وقتل وأصيب أخــــــرون...

وأعادت الوحدة الكرة مرة أخرى مع استخدام مكثف للقنابل والمواد المتفجرة لاقتحام المنزل ولكن أين تتقدم هذه الوحدة وقد أقسم المجاهدون قسم الاستشهاد وألا تمتد إليهم يد يهودية وفيهم عرق ينبض، فتقدمت الوحدة ولكن على جثث ثلاثة من الشهداء الأبرار وجثة الجندي المختطف... ونظراً لاستمرار المعركة مدة طويلة بين أعضاء الخلية القسامية ووحدة أركان الجيش الإسرائيلي، فقد سميت بمعركة رام الله الكبرى، وعقد إثر هذه المعركة (اسحق رابين) رئيس وزراء إسرائيل وزير الحرب الإسرائيلي وقائد أركانه (ايهود براك) مؤتمراً صحفياً أعلن فيه (رابين) أن هذا أصعب يوم تمر به حكومة اسرائيل... وأنه شخصياً يتحمل المسئولية الكاملة لنتيجة هذه المعركة والتي كانت حسب رأي مختلف الأوساط المطلعة أنها خسارة فادحة للطرف الإسرائيلي خاصة في مثل هذا النوع من أحداث الخطف، وقد احتجزت إسرائيلي جثة الشهيد (صلاح) حتى افرج عنها في العام 1997م، ولن يضر الشاة سلخها بعد ذبحها، فالروح في حواصل طير خضر تغدو وتروح في جنة عرضها السماوات والأرض حيث شاءت بإذن الله تعالى. وليختم شهيدنا المقدام حياته الجهادية بملحمة تاريخية خالدة... خلود دمه الطاهر ، يختمها بمشهد عظيم يصعب على القلم كتابته يفوق حدود الوصف " تضحية وتفانياً وعطاءاً وعزاً وفخاراً ومجداً.... ".

ارتقى الشهيد المغوار وهو يحمل همّ الوطن، وهمّ إخوانه المعتقلين، ارتحل باراً بقسمه الأول في الثأر لدماء شقيقه وأعمامه وجده وإخوانه في (مسجد الرضوان)... وفي الانتصار لقضية شعبه وأمته وإخوانه القابعين خلف القضبان... ارتقى وهو يواصل دربه لم تثنه الشدائد ولم ترده المحــــــن ولم تعجزه المصائب عن المواصلة بعزم جديد وإرادة حديد... ارتقى وهو يبنى منهجاً جديــــداً للعمل العسكـــــري القائــم على أســــاس من التخطيط المتين والتنفيذ الدقيق بعيــداً عن الارتجالية والعشوائية مع تحديــــد أهداف مصيرية لمسيرة الجهاد الوضاءة.

ارتقى وهو يرسم صورة جديدة للمجاهد المسلم العظيم... عزيزاً... كريماً... حراً أبياً... ملثماً... يشهر سلاحه في وجه الظلم ويقهر جند الغطرسة والعدوان في أكثر لحظات حياتهم ذلة ومهانة... هذه الصورة التي غدت مصدر إلهام للكتّاب والشعـــراء والفنانيـــــــن...

فشاهد عشرات الآلاف (مسرحية اختطاف فاكسمان) ويظهر فيها (صلاح) البطل ملثماً قوياً عزيزاً وأسفله الجندي الاسرائيلي مقهوراً ذليلاً باكياً.

ارتقى وهو يرسم صورة المستقبل... صورة العلو الإسلامي القادم والذلة الاسرائيلية المحاصرة إذا توفرت مقومات النصر وليس أقلها الإخلاص والتفاني من أجل الله ودينه وأرضه وحينها لن يتخلى الله عن جنده.