مستقبل عباس بعد المؤتمر السابع

مستقبل عباس بعد المؤتمر السابع
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

 

في نفق لا نرى ضوءاً في نهايته، دخلت حركة فتح والسلطة الفلسطينية معركة "كسر عظم" داخلية، بعد أن احترق سلم الصعود ولم تعد تتوفر أدوات النزول عن الشجرة، وغدا مشهد اللاعودة طاغياً، ونحن على بعد أيام من المؤتمر السابع، والذي يشكل نقطة حسم صارخة.

 

النزف في الإفتراق بدا واضحاً بين رام الله والعين السخنة، والتي مثلت الثانية في الآونة الأخيرة نقطة ساخنة وملتقى لساسة ورجال أعمال وأكاديميون وإعلاميون والحبل على الجرار، مع مؤشرات سلوك جديد لمصر تجاه غزة، على قاعدة أن غزة تمثل الحديقة الخلفية لمصر، ولا يمكن أن تتنازل عن التأثير فيها مهما تغيرت المعادلات وتباينت المواقف وتفاقمت الصراعات، سواء في المشهد الفتحاوي الداخلي أو المشهد الفلسطيني الداخلي أو المشهد المصري الفلسطيني وتحديداً الغزي. لذا سيناريو فتح القنوات المباشرة مع قوى مجتمعية يغدوا مساراً مفهوماً، ولكن ذلك ليس بعيداً عن معركة "كسر العظم" التي تشتعل في تنصيب الوريث المرجو.

 

على الجانب الآخر، حيث تستقطب رام الله معشر المؤتمرين، بعد خطوات قاسية في الفصل بدعوى التجنح وقطع الرواتب، وما يقابل ذلك من التهديد بمقاضاة الرئيس عباس. وسباقاً مع الزمن تجري تحضيرات المؤتمر السابع، وما سينجم عنه من تعديل رئيس في النظام الداخلي، واعتماد تشكيلات مفضلة للمركزي والثوري، ويبدوا وفد جامعة الدول العربية برئاسته الحالية والسابقات لم تفلح في وقف النزف وعقد الصفقة، فتحولت إلى جزء من الخصومة وغدت أحد أطراف الصراع الفتحاوي الداخلي.

 

في أجواء مضطربة وبيئة حرجة وضغط إقليمي متزايد يمضي الرئيس عباس في مركبه التي تكاد تبتلعه أمواج عاتية، محاولاً تلمس الطريق، والتي قد تذهب به نحو عودة خطوة إلى الوراء والتنازل لمصالحة مع دحلان، ويصعب تحقيق ذلك لرفض مؤسسات فتح المتزايد، وصعوبة تحول عباس عن طبيعته الشخصية في الخصومة. أو قد تمضي باتجاه المراوغة السياسية التي يتقنها، لعل رياح الرباعية العربية تخف حدتها، وصولاً إلى قواسم مشتركة ليس بالضرورة بقاء دحلان في مشهدها، ولعل خيار عباس نحو حماس بمصالحة جادة ما زال قائماً، وبذلك يقطع الطريق على دحلان.

 

يمكن القول أن عباس يقف على المفترق الأدق، فإما أن يستمر في الحكم بذات المواصفات لسنوات قليلة قادمة باستقرار صحي وإقصاء لخصومه، وعلى الأرجح فإن الأجهزة الأمنية سيكون بذلك لها الكلمة العليا في ضبط الإيقاع الفتحاوي الفلسطيني. أو قد يذهب نحو تنحي اختياري بعد اختيار نائب يمضي على ذات النسق، بعد أن يكون قد أغلق كل الطرق في وجه دحلان والمتجنحين، وستمضي السلطة أيضاً على ذات النسق بوجوه جديدة.

 

أو يصل المشهد إلى تنحية إجبارية لعباس، بعد فرض بديل ترضاه الأطراف ومنها (إسرائيل)، ودحلان الأوفر حظاً وفق هذا السيناريو، باعتباره يحظى بالدعم المأمول من الأطراف، ويستفيد من سياسة الإقصاء التي مارسها عباس.

 

وحال أخفق المؤتمر في إقرار البديل مع عدم اجراء انتخابات فلسطينية عامة، قد تنعقد صفقة فتحاوية عربية – إسرائيلية لإحلال بديل ليس بالضرورة دحلان، مع ضمان استمرار السلطة في أداء دورها التدجيني للقضية.

 

إن المشهد الفتحاوي بالغ القتامة، بحيث تتحول فيه حركة التحرر الوطني الرائدة إلى عبء على الشعب الفلسطيني ومشروعه التحرري. وكذا عقبة لأطراف إقليمية صاحبة أجندة خاصة، وربما تذهب الأطراف ومنها فتح إلى صفقة يغيب فيها عباس، مع ضمان عدم الوصول إلى الفوضى، وخلال ذلك دحلان يمضي في السيناريو الخاص به عبر غزة التي يعتبرها الورقة الوحيدة الرابحة، في ظل حاجتها الحياتية وفي أجواء مصرية مساعدة له.

 

إن الأمل ينعقد على أن تلتقى القوى الفلسطينية على كلمة سواء، حفاظاً على الحالة الفلسطينية من تيه يتهددها وفوضى قد تعصف بها، وعبث داخلي وخارجي قد يذهب بها.

 

وحتى يتحقق ذلك لا بد من تغليب لغة الوطن على لغة الفصيل وتحقيق شراكة واسعة على كافة الصعد، مع الإقرار العربي العملي بأن أصحاب البيت هم الأولى بترتيب شؤونهم، على قاعدة أن الشعب الفلسطيني يرزح تحت الاحتلال ومن حقه المضي في مشروعه التحرري بجسم تمثيلي حقيقي واحتضان شعبي وعلاقات إقليمية متوازنة، مع بقاء البوصلة نحو القدس.