في ذكرى الرحيل ... الشهيد أسامة حمدي حميد (شهيد الإنطلاقة)
الليل يمضــــــي متثاقلاً في مساء إحدى ليالي كانون الباردة، خاصة في (غزة) التي تخضع لنظام منع تجول ليلي مستمر، غير أن الليل أكثــــــر تثاقلاً لدى (أبو مصعب) ذلك الشاب الذي يحمل هم الإسلام والوطــــــن وخاصة تلك الليلة التي يحمل فجرها واقعاً جديداً وسنة إضافية في عمر حركة المقاومـــــة الإسلامية (حماس) التي اقتنع بها (أبو مصعب) وعاش حياته من أجل عزها ومجدها.
كان (أبو مصعب) يحمل كل الهم، فذكرى انطلاقة الحركة في الرابع عشر من ديسمبر من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين، يجب أن لا يمر هذا اليوم دون احتفال بهيج علىطريقة حماس وكتائبها خاصة بعد أن تعودت الجماهير هذه الاحتفالات منذ استل (مروان الزايغ وأشرف البعلوجي) الخناجر وأراقوا الدماء اليهودية في يافا الساحل.
كان الأرق قد بلغ مداه مع (أبو مصعب) فقد أعد العدة جيداً للقاء الغد المنتظر... وليس كأي لقاء، إنه لقاء الدم والنار والبارود، تململ الرجل واستوى وأعد نفسه للصلاة وبدأ في اتصال مع الله تبارك وتعالى وابتهــــال عجيب راجياً المولى عز وجل أن يقبله في المصطفين من عباده وأن يوفق خطوته الميمونــــة.
وكان أشد ما يؤرق (أبا مصعب) الاستعداد المكثف لقوات الاحتلال الصهيوني.. فمنذ حرب الأيام الستة.. أي على امتداد أيام وسني (أبي مصعب) على هذه الأرض لم تنتشر قوات الاحتلال بهذه الكثافة تحسباً لعمليات (كتائب القسام) في ذكرى انطلاقة حركة المقاومة الإسلامية (حماس).. خاصة وأن ذكرى الانتفاضة تأتي هذا العام بلون مختلف، فالعام 1993م كان حافلاً بالهجمات العسكرية الدامية بين قوات الاحتلال وكتائب القسام، وغدا جند القسام شوكة مرهوبة الجانب تنخر في عظام اليهود وتصيب منهم موضعاً حساساً.
بقي (أبو مصعب) على حاله من القلق والترقب والانتظار.. حيناً يفزع إلى الصلاة، وحيناً آخر يلجأ إلى الذاكرة تعيد إليه أنسام الماضي المعبق بحلاوة الجهاد والمصابرة والمرابطة على ثرى الوطن الحزين، فما علم (أبو مصعب) في حياته عدا الرجولة والفدائية.. فيوم انطلقت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) كان (أبو مصعب) بارزاً في منطقة التفاح حيث التحق بجهاز الأمن والدعوة (مجد) ونفذ العديد من الهجمات التي استهدفت أوكار الفتنة والفساد، حتى اعتقل في ضربة شهر (مايو) 1989 الشهيرة، ومكث في السجن خمساً وأربعين شهراً، كانت بمثابة سنوات جامعة ومعهد للتعليــم العالي تخرج منه شهيدنا بامتياز مع مرتبة الشرف، صبر وصلابة وصمود وعزم وإيمان وعلم وتضحية وإخوة، فكان (أسامة) لا يشق له غبار.
خرج بعدهـــــــا بعــــــــزم وإرادة مـــــــن حديـــــــد أكسبتـــه قســــــــم الثـــــأر بالمواصلـــة. وفي اليوم الثاني لخروجه في العام ألف وتسعمائة واثنين وتسعيـــن كان أبو مصعب يلحق بركب المجاهديـــن من (كتائـب عــــز الديـــن القســــام).
وتذكر رحلته المتواضعـــــة مع العلم فقد التحـــــق بكليــــة العلوم في الجامعـة الإسلامية، وكان من الطلاب المتفوقين، ولكنه لم يكمل المسير لانشغالـــــه بهمــــــوم الوطن وأبجديات المقاومـــــــة.
كان العزم ديدناً معروفاً لدى (أبو مصعب)، فما تراجع عن موقف تقدم نحوه وما تردد في قرار اتخذه، يمضي متوكلاً على الله تبارك وتعالى.
وها هو اليوم يمضي متوكلاً على الله في خطوة جريئة، مواجهة ملحمية مع بني اليهود وهم في كامل استنفار وتحد وعنجهية.. إنه التحدي المقبول والجرىء.. لكنه التوكل عنوان (أسامة) ما جعله يتوان أو يتراجع بل بسط كفيه إلى السماء داعياً مولاه راجياً منه التوفيق والسداد، " اللهم سدد رميتي وأكتب ذلك في صحائف عملي ".
كان رغم كل ذلك يشعــــــر الغربة.. يود لو تطويه الأيام كي يلقى الله تبارك وتعالى، فخاطب ربه تائباً نادماً راجياً.. " من حلكة الليل المضيع في الهوى.. والتائهين وحيرة الأوهــــــام يا مولاي جئت.. حباً لأنك خالقي وعلــــــى بابك قد طرقـــت.. متوسلاً عطفاً لديك ومن لكسري لو رددت.. ضاقت على مواجعي في غفلتي والبعد موت.. ميراث أمسى بات يكويني.. ولكن سلوتـــي أني رجعت.واليوم يا مولاي عدت - اليوم عدت.. فلئن بسطت يداً إلىّ فخافقي أنا ذا بسطت ".
كان يحلم من كل هذا العمل بالمغفرة والرضوان.. ليس أكثر من ذلك، وكم تمنى أن ينال الدرجة العالية ويسقط شهيداً على ثرى الوطن المقدس.. يا لها من أمنية غالية.. أنراها تتحقق غذاً.. كم يعشق الشهادة.. هذا المتيم بحب الأقصى وفلسطين.
ورحل (أبو مصعب) قليلاً إلى الأيام الخوالي التي انصرفت حيث اشتعلت فلسطين لرحيل الشهيد (عماد عقل).. وساورته نفسه.. هل حقاً يرحل إلى (عماد) والراحلين من قبله.. هل تراه ينضم إلى قافلة النور التي أذنت في سماء العالمين بمولد الفجر الجديد.
رحل (أسامة) في خياله إلى ما بعد استشهاده، وكيف سيلقى (عماداً) والأحبة، وكيف سيدخل جنة ربه دون سؤال أو حساب بإذن الله. وهل حقاً سيدخل الجنة.. آه.. آه.. آه ما أجمله من فوز وما أكرمه من نصر.. ليته يحدث.. ليت..ثم يغيب (أسامة) في عالم ذكرياته.. في (النقب الثائر).. وفي (مسجد المحطة)، وكيف استطاع أن يساهم في نشأة جيل إسلامي كامل، أبى الوهن والظلم فانتفض وثار وكسر قواعد اللعبة الدولية وحطم أسس المعالجة اليومية وأعاد التاريخ إلى (داوود وجالوت) متجاوزاً كل التقدم العلمي الرهيب والأسلحة الفتاكة المدمرة.
وعاد بالذاكرة إلى طفولته وتذكر إخوانه وأخواته، والده ووالدته، وكيف سيكون حالهم لو رحل عنهم.. ولكنه توقف سريعاً عن التفكير في هذا الاتجاه..تذكر يوم حدثه والده عن قدومـــه إلى الأرض وقال له " يا بني حلت النكبة عام (1967م) وكان عــــام ميـــلادك ".
ترى ما هذا التزامن بين ميلادي.. وعام النكبة.. وماذا قصد والدي بحديثه هذا.. فهل حقاً سأكون ممن يساهمون في مسح آثار النكبة ومراراتها ؟ هل يحدث ذلك وأنا العبد الضعيف قليل العتاد..ثم تمتم في لحظة شموخ وتحدٍ رائعة ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً... وتذكر يوم رحل إلى فلسطين المحتلة للعمل فيها حيث كان يجيد الدهان.. كان يستمع من ركاب الباص أحاديثهم حول بلدانهم التي هجروها في زمن التشريد الأول، يشعر (أسامة) أنه واحد منهم رغم أنه لم يهاجر من بلدته الأصلية غزة، إلا أن شعوره كان أسمى من الحدود، ففلسطين في قلبه وفؤاده رقعة واحدة وأرض إسلامية.. حرام على الدخلاء، وعلى الغاصبين دفع الثمن. وسرح حين ذلك بتذكار أبيات من الشعر في القدس وفلسطين والأقصى، فقد كان محباً للشعر وقراءته وحفظه يرى فيه متنفساً للحرية المفقودة على بوابة (إيرز) ورداً للظلم المتمرس خلفه أدعياء الزمن الحاضر والحقبة الصهيونية الجديدة..
وعدا عن كتابة الشعر فقد كان يدون المقالات والموضوعات التي يزين بها مسجد (المحطة) كي يتزود الناس بالعلم لمواصلة رحلة الجهاد والعطاء.. وقد أثرى هذه الموهبة لدى (أبو مصعب) امتلاك أهله لمكتبة، حيث يرتزقون من بيع الكتب مما فتح له مجالاً خصباً كي يرتشف من معين العلم والإيمان ما شاء الله.
هكذا قضى (أبو مصعب) ليلته الأخيرة متقلباً على جمر الانتظار للرحيل الأعظم واللقاء الأكبر.. متبتلاً.. داعياً.. ذاكراً.. قلقاً.. متمنياً..
بدأت الساعة تقترب رويداً من انبلاج صباح يوم الثلاثاء الموافق الرابع عشر من ديسمبر من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين، و(أسامة) يتقلب في انتظار ساعة الصفر من أجل الرحيل الأعظم والأكرم في رحلة الخلود الأبدي.. كم كان ينتظر هذا اليوم.. ويرحل إليه كل يوم. وما أن تفتحت أزهار هذا النهار وغدا الناس ينطلقون إلى مواقع عملهم لكسب قوت يومهم.. حتى انطلق أسامة إلى عمله المنتظر ومهمته المقدسة (شبه المستحيلة) التي يسعى لتنفيذها في يوم استنفار رهيب لقوات الاحتلال.
فأعد (أبو مصعب) سيارته المرتقبة وزودها بكل ما يلزم من متفجرات وصواعق وأنابيب غاز وانطلق بها إلى منطقة (القبة بالشجاعية) (الخط الشرقي) لمدينة غـزة، وهناك أوقف سيارته الملغومة واختفى خلف شجيرات على الطريق في انتظار صيده الثمين.. كان كل شىء يبدو معداً بعناية واقتدار، (فأبو مصعب) صاحب تجربة عريقة في العمل العسكري، ولكن الإنتشار الصهيوني والإعلام الحذر كان ينبؤ بخطورة المجازفة في هذا اليوم، فالطير في السماء يرغب الجيش الصهيوني بإيقافه والتدقيق في أوراقه والتحسب من انتمائه لخلايا القسام.. لكنه التحدي من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. وما أن اقتربت دورية عسكرية من المكان حتى لفت انتباهها وجود سيارة على قارعة الطريق، وفي لحظات كان المكان محاصراً والجنود ينتشرون والطائرات تحلق في الأجواء، فأفسح (أسامة) لإخوانه سبيل النجاة ومثل لهم خط الدفاع الأخير وبدأ باطلاق صليات رشاشة من كلاشنكوف حمله (أسامة) لهذا الاحتمال، فأصاب ضابطاً إسرائيلياً لكن نيراناً غزيرةً انطلقت خلف الجبل الشامخ بمعاني العزة والإيمان والرجولة أصابت (أبو مصعب) بعدة أصابات استشهد على أثرها في نفس المكان.
ثم قدمت قوات معززة من الجيش وقام خبير المتفجرات بتفجير السيارة، وقد اعترف راديو اسرائيل بالعملية وأعلن اصابة ضابط، وأن (كتائب الشهيد عز الدين القسام) مسئولة عن العملية وأنها نفذتها في الذكرى السادسة لانطلاقة حركة (حماس).
وقد زفت مكبرات المساجد في غزة إلى الأمة الإسلامية نبأ استشهاد أحد قادة العمل العسكري القسامي الذي كان يعمل في الخفاء، فلم يكن مطارداً أو مطلوباً بل كان (أبو مصعب) جندياً مجهولاً، وارتقى في ميدان الشهادة والإباء والشموخ عملاقاً أبياً عصياً على الملاحقة والمطاردة. وقد وقف حي التفاح ومسجد (المحطة) بالتحديد على ساحة واحدة بعد سماع نبأ استشهاد درة المنطقة وشمسها التي لا تخبوا، فاقاموا سرادق العزاء الذي أمه المواطنون من كافة أنحاء قطاع غزة مودعين الشهيد ويقدمــون له التحية العسكرية التي يستحـــق بينما وقف (آل حميد) شامخـــــي الرؤوس مرفوعي الهامات بولدهم وقالوا كلمة الحمد للمولى تبارك وتعالى على ما أخذ وعلى ما أعطى وعلى ما أبقى وأجمعوا أنه شرف عظيم ان يمثل أحد أبنائهم حلقة في سلسلة الخلــــــود التي لا تنقضـــــــي، سائلين المولــــى عز وجل أن يجمعهم به في الفردوس الأعلى.
وبعد يومين وفي تمام الساعة العاشرة والنصف من ليلة يوم الخميس الموافق السادس عشر من ديسمبر من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين، وتحت الحراب الصهيونية المشرعة وبحضور تسعة عشر شخصاً من ذوي الشهيد (أسامة) امتلأت في المكان رائحة الشهيد الغالي الممزوجة بعبير المواجهة والتحدي، فغدا المكان روضة معبقة بأريج الشهادة وعطرها الفواح وكان وجه الشهيد كما في حياته يطفح بالنور والإيمان.
وإكراماً للشهيد ولدمـــــه المراق على أعتــــاب الإنطلاقة الماجدة أقامت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) حفل تأبين مهيــــب للشهيـــــد المقدام، أمّه الآلاف مـــــن جماهير قطاع غزة فـــــي لحظة وداع مؤثـــــرة.
وإذا كان لك شرف الانطلاق نحو منطقة (السدرة)، واتجهت إلى (مسجد المحطة) ستلامس عن قرب عظيم الأثر الذي تركه أسامة في جيل من الفتيان التصقوا بكتاب الله تبارك وتعالى وعاشوا لدينه في زمن سادت فيه الفتن وتقلب الناس على جمر المعصية.
وإذا استعصى عليك الوصول أسأل عن (ملعب الشهيد أسامة حميد)، ذلك الملعب الذي أعده الشهيد بيديه ليكون مكاناً يتدرب فيه جيل مسلم قوي نشأ على قاعدة " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ". وقد أطلق الأهالي اسم الشهيد الغالي (أسامة) على الملعب، فأصبح ملعب (الشهيد أسامة حميد).
