في ذكرى الرحيل ... الشهيد أيمن كامل راضي (عاشق الشهادة)

في ذكرى الرحيل ... الشهيد أيمن كامل راضي (عاشق الشهادة)
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

 

كدر الحياة يملأ يوم (أيمن راضي).. الفتى الذي لم يحمل هموم الدنيا أبداً في قلبه منذ أن عايش هذه الحياة، كان يرى دوماً أنها إلى النهاية، ويجب أن تكون النهاية سعيدة، لكن ما بال الفتى متكدر الصفو، شارد الذهن.. تراه في دورية الشرطة.. هو أحد جنودها المعتمد عليهم، لكنه هناك.. يرحل إلى حيث الماضي القريب يوم أن التحق بصفوف العاملين في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) حتى غدا مسئول مجموعة في جهاز الأحداث في (مسجد الشافعي) بمدينة خانيونس التي احتضنته منذ اليوم الأول لبزوغ فجره الوضاء على الدنيا.. التصق بخانيونس ومساجدها خاصة مسجدي الشافعي وعباد الرحمن..وغدا في مقدمة الصفوف لا ينقطع عن أداء صلاة أو تلاوة قرآنية أو قنوت وابتهال ودعاء.. أو مشاركة في الأنشطة الإسلامية في المسجد من خلال مواظبته على موائد العلم الديني النافع والمشاركة الدائمة في الأنشطة الرياضية خاصة كرة الطائرة التي أجادها الفتى الملتصق ببيوت الله تبارك وتعالى.

 

كان (أيمن) قرة عين والديه الذين نظرا إليه بشكل خاص جداً، فهو عطوف بهما رحيم.. ودود ما سمعوه يوماً يرفع صوتاً أو يتلفظ بعبارة أو كلمة أذى ورفض. ويذكر يوم صحبه والده إلى أشجار الجوافة التي ضمنها من أجل توفير لقمة عيش كريمة لأبنائه خاصة بعد إصابة الوالد في ظهره والخضوع لعملية جراحية (الغضروف).. أسفل الشجر يجلس الوالدان إلى جوار صغيرهما يعبثان بشعره السابل يعددان في ذاكرته قصص المعاناة وشظف العيش، رحلة الهجرة من (عسقلان) بلدته الأصلية، إلى حيث هنا في (خانيونس)، وهدير العودة يملأ على الفتى حياته حتى كبر ولازالت دروب العودة مرسومة في جبينه الوضاء عبر التزامه الكامل ببيت الله والتصاقــــــه الأكيد بمنهج السماء.. ويومياً يرحل إلى بيته يجلب لوالديه الطعام ويحمـــــــل العصير إليهما ويمشي المسافــــات الطويلة من المنزل إلى حيث الأشجار..

 

ويمازح شقيقـــــه قبل المغادرة.. " والداك ســــــوف يضربانك لأنك لا تساعد في رعاية أشجار الجوافة "، وفور وصوله يشمر عن ساعده ويهوى إلى الأرض ينظفها ويسقيها وينظف الشجر مــــن أدرانه لينمــــــو غرساً طيبــاً مباركاً ويثمـــــر الثمر الناضـــج، فيعـــود على الحاج (كامل راضي) بقــــــوت عياله.

 

ثم يجلس (أيمن) إلى جوار والديه في ظل شجرة بعد أن أعدّ كوباً من الشاي الذي أحب شربه بشغف، خاصة مع قطعة من خبز.. يتناول الشاي والخبز بنهم واضح.. ثم يتمـــدد إلى جوار والـــــده الــــذي أحبـــــه حباً جماً، وينتظـــــر من والـــــده قصــــص الماضـــــي التليــــد..

 

كان أكثر ما يحب الوالد في ولده.. طاعته وهدوءه، رغم عناده الشديد، ورغم صغر سنه فهو صلب لا يتراجع عن موقفه مطلقاً، عدا عن التزامه ببيوت الله تبارك وتعالى..

 

كبر (أيمن)، وكبرت أحلامه التي لم تكن أحلاماً خاصة، كان يحلم ببناء فلسطين كلها، يحلم أن يكون حلقة في سلسلة جسر العودة الذي يهدر في قلبه ووجدانه منذ أن عرف الدنيا ببيت صفيحي صغير في زقاق لا يكاد يسير فيه الشخص الواحد، فيما بيارات (عسقلان) وشاطئها الذهبي هناك يقبع على ظهرها الغاصب المحتل.

 

والتحق (أيمن) بالدراسة في (الجامعة الإسلامية)، ثم انتقل إلى (جامعة الأزهر )دون أن يستطيع إكمال الدراسة لارتفاع رسوم الدراسة، والمواصلات التي لا يستطيع توفيرها الوالد العاطل عن العمل، فالتحق للدراسة في صناعة دير البلح، وهناك حصل على (دبلوم مهني) في الكهرباء، ورغم ذلك لم يجد (أيمن) العمل الذي يحفظ له الحياة الكريمة في كنف والديه وإخوانه، فالتحق للعمل في صفوف الشرطة الفلسطينية، وها هو اليوم ينغص عليه وجوده في هذا الموقع خاصة بعد وقوع مجزرة فلسطين، يرحل إلى حيث الماضي، الجميع إخوة في كنف الانتفاضة المباركة، الجميع يهتف هتافاً واحداً ضد الاحتلال، ويصطفون في مسيرة واحدة، ويرجمون حجراً واحداً ما بالهم اليوم، لماذا تغيرت القلوب.. ويأخذ هذا القلب الرقيق بالبكاء والدموع تنهمر من العيون.

 

كان (أيمن) يقسم أن يوحد الاتجاه، ويعيد البوصلة مرة أخرى إلى ذات المرمى والهدف، حيث الاحتلال الذي ينشب مخالبه المسمومة في صدورنا، ويسعد للاقتتال الداخلي..

 

أعاد (أيمن) القسم مرة أخرى، قسم البيعة، والولاء، أقسم على المصحف ألا يخون أو يتراجع، ويردد " الخائن يخونه الله "، وتلا سورة الفاتحة كي يستمر في حفظ العهد والبيعة، واستمر (أبو بلال) يحافظ على صلاته وقنوته لله، ولكنه لا يبدي انتماءه (لحركة المقاومة الإسلامية) لأحد. تغيرت حياة أيمن كلياً هذه الأيام، وبدا دوماً شارد الذهن لا يأبه بمن حوله، يعيش عزلة شعورية دائمة، يستمع دوماً إلى النشيد الإسلامي، ويردد (القدس في العيون نفنى ولا تهون).. ويردد (حقي ضاع ببلاش.. وماشي).

 

ألح عليه والده وأشقاؤه بأن يتزوج بعد أن استقر في عمله، وألح عليهم بضرورة الانتظار، كان يحاول دوماً أن يربطهم بالآخرة والجنة وأن لهم مستقبلاً آخر غير الذي يفكرون فيه، يردد أمام والده، ماذا يحدث لو استشهدت..؟، رد أبوه تلقائية " نموت خلفك "، توقف (أيمن) بعد هذا الرد.. كانت عاطفته تجاه الأهل أبلغ من أن يسوده تجاهها شعور اللامبالاة، ورغم ذلك لم تمنعه هذه العواطف الفياضة من الاستمرار في الطريق الذي اختاره، فانطلق بتاريخ 20/11/1994م يحمل لغماً أرضياً يزن سبعة كيلو ونصف (تي. أن. تي) يفجره أسفل جيب عسكري على حدود مستوطنة (جني طال) لينفجر الجيب ويسقط ركابه بين قتيل وجريح، فالدرب الممهر بالدم ليس له إلا نهاية واحدة.. النصر في الدنيا أو الآخرة.. وفي واقع معقد تدلهم حوله الخطوب كواقع الشعب الفلسطيني ليس له إلا نهاية واحدة... (الشهادة)، وهي مايريدها (أيمن) ويتمناها  ويسعى لها سعيه وهو  محسن، يمضي يشق غبار المرحلة الآسن، يمزق من حوله أتون الهزيمة ويمسح عن أطفال الأقصى وفلسطين دمعه ويغرس في بستانها وردة حمراء.. تسقى بالدم ولا ترويها همهمات الضعف والتراجع. لذلك قرر أيمن امتشاق حسامه البتّار وضغط على رشاش الكلاشنكوف الذي يحمله بكلتا يديه، وهزه بعنف المنتقم وواصل يشق الصخر ويبني صرح الحرية الشامخ...

 

وكتب كلماته الأخيرة :

" أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير "

" من قلب الجرح  الدفين، ومن صميم العشق المتدفق للشهادة، ومن نفس لم ترضى ولن ترضى الذل لشعبنا الكريم.... إن القلم ليعجز أن يعبر عن سبب ضيق نفسي لأن الحياة الدنيا لم تُخلق للمؤمن، وإنما له الحياة الآخرة، وليعلم أعداءنا أننا لا نحب الحياة الدنيا، ولكننا نعشق الموت في سبيل الله، فإني نذرت نفسي ومالي، وكل ما أملك فداءً لله عز وجل، وهذا قسم لله عز وجل،  ألا نكل ولا نلين حتى ننال حتى إحدى الحسنيين أما النصر أو الشهادة ".

أيمن راضي... عاشق الشهادة

                                                                               31/11/1994م

 

ها هو يغادر عمله إلى منزله، ربما هي الزيارة الأخيرة، يداعب أبناء إخوته ويحنو على والديه ويجامل الجميع، ثم ينطلق يقص شعره حيث حلق قصة (مارينز)، وعلق عليه إخوانه في المسجد مداعبين له بسبب ذلك، ثم صعد إلى سطح منزله وأخذ يلقي نظرة على كل مكان، وقفز في ساحة المنزل.

 

وفي فجر اليوم التالي انطلق يؤدي صلاة الفجر في المسجد وعاد إلى خلوته في غرفته حيث التصق بكتاب الله تبارك وتعالى يتزود الزاد الأخير، حيث سمع أهل الدار تلاوته الخاشعة للقراءة والتهجد والدعاء والتبتل إلى الله تبارك وتعالى، لم يكونوا يدركون حقيقة ما يحدث مع (أيمن)، في هذا الصباح، حيث يملأ البيت صوت البكاء المتصاعد من غرفته..

 

وفي صباح هذا اليوم طلب من أمه مبلغ 300 شيكل كي يشتري حللاً جديدة، وتخبره أمه بعدم وجود المبلغ المطلوب خاصة أنه لم يحصّل راتبه للشهر المنصرم بعد، يبتسم بهدوء وينصرف.. ويستأذن (أبو بلال) والديه وإخوته ويودعهم وهو ينصرف إلى عمله في قسم شرطة العباس في غـزة.. وفي اليوم التالي لمغادرته، يجد أشقاؤه دماً غزيراً يغطي سطح المنزل والأرض التي قفز نحوها ايمن بالأمس لم يدركوا مفهوماً لهذا اللغز المحير، ولغزارة الدم قال أخوه (هل قتل قتيل في هذا المكان..؟) وبحثوا عن مصدر هذه الدماء القانية الطيبة لم يجدوا لها منبتاً أو أصلاً وعجبوا لهذا المشهد أيما عجب.

 

وينطلق أيمن إلى عمله يجامل إخوانه في المركز، يلاطفهم ويحنو عليهم، وفي هذا اليوم يعتذر لأحد إخوانه في حراسة أحد البنوك معللاً ذلك ذهابه إلى بيت أخته ليحل مشكلة هناك.. ولكن (أيمن) ينصرف ولا يعود، ينطلق يزور أحد إخوانه الذين أحبهم، يتناول معه الطعام، يداعبه هامساً، هذه آخر لقيمات لي في الدنيا، وسوف تكون أول من أشفع له يوم القيامة، يبتسم صديقه ولا يرى فيها إلا كلمات مداعبة أراد (أيمن) أن يثيره بها.

 

ينطلق (أيمن) ولا يعود إلى منزله أو عمله.. أين اختفى.. هل انشقت الأرض وابتلعته.. الجميع يبحث عن (أيمن).. أهله الذين اعتقدوا أنه في العمل.. والشرطة التي بحثت عنه في كل مكان.. كان (أيمن) قد اختفى.. أين.. الله أعلم.. اختفى (أيمن) ما يزيد عن خمسة أيام.. كانت خمسة أعوام لأهله الذين ما تركوا مكاناً إلا وسألوا فيه عن أيمن.

 

كان (أيمن) في تلك الأثناء على عجل ينتظر يوم زفافه الموعود.. انطلق بحلته البيضاء يرتدي زي الأطباء.. وفي قلب القدس.. مسرى النبي صلى الله عليه وسلم وبؤرة الصراع الكوني بين الحق والباطل ألقى المهاجر فداءً وتضحية رحاله وقبض بكلتا يديه على مهره الغالي.

 

انطلق في هذا الزي الأبيض الملائكي يحمل حقيبة الطب الدبلوماسية، ويلبس نظارة طبية، وبالقرب من مباني الأمة ومقابل الكنيست الصهيوني كان الهدف.. باص يقل يومياً فوجاً من ضباط الطيران وقام بالزيارة الأولى والثانية للمكان للتعرف عليه فقط، وإيجاد رابط ذهني بين وجود (أيمن) يومياً والمترددين، حتى لا يخلق ذلك الشك والريبة، وفي اليوم الثالث صباح الخامس والعشرين من ديسمبر من العام ألف وتسعمائة وخمس وتسعين يشرق هذا اليوم على المدن الفلسطينية وعلى القدس محط القلوب والرحال بلون مختلف.. وهذا الصباح أكثر اختلافاً لدى الفتى المشتاق الهادئ الباسم الذي يرحل من (غزة) قطب الثورة لينفجر نوراً وناراً في قلب العالم والفردوس المفقود.. هناك حيث يشق طريقاً جديدة لا يفهمها الكثيرون ممن التصقوا في الأرض فكان خيار أيمن في منطقهم  خيار الجنون والانتحار، وكان هو الخيار الأتقى والأبقى والأنقى والأطهر والأكثر عطاءً وتضحية وفداء، يقترب (أيمن) من الهدف ويهم بالركوب إلى الباص، ولكن سائق الباص يغلق الباب في وجهه، قرر (أيمن) الانفجار في هذا الصيد الثمين، فانفجر على باب الباص لتهتز أركان الدولة العتيدة..

 

يهوى الجيش الصهيوني ونظرياته الأمنية، بينما يصعد أبو (بلال) إلى عليين، فأي الخيارين أفضل، " شهداؤنا في الجنة وقتلاهم في النار ".

 

دوى صوت الانفجار.. هز أركان الظلم والطغيان.. هز الانفجار أخطر مواقع دولة يهود، لم تكن العبرة في دولة العدوان بعدد القتلى أو المصابين ولكن بهذا الاختراق الأمني الأخطر، فمقابل البرلمان الصهيوني (الكنيست) وبجوار مباني الأمة، رفرف أيمن بجناحيه وتصاعد كعملاق لم ير الزمان مثله، افتتح بوابة جديدة في هدم جدران الأمن المزعوم.. رحل (أبو بلال) وترك ميراثه العظيم، مداداً من الدم المعبق برائحة مسك الشهادة زرعه في كل الدروب، وفتح بوابة جديدة للمجد، رحل عن دنياهم وترك كل ما فيها ومن فيها، لم يترك سوى بلطة حمساوية كـــــان يستخدمها في عمله في جهاز الأحداث في حركة حماس. و(ربطة رأس) تسلمهـــــا حين عمل في جهاز الشرطــــــة الفلسطينية...

 

قرر أن يرحل (أيمن) هناك في القدس بعد أن أودع في الأرض ميراثه سلاحاً وربطة رأس وكوفية من أجل مواصلة درب الشهادة. من القــــــدس إلى غزة طار خبر استشهاد (أبي بلال).. كان الأهل هناك ينتظرون نتائج البحث عن (أيمن).. سيارة صحافة تتقدم نحو منزل الشهيد (أيمن).. تسأل شقيقه عن منزله.. وهنا تم نقل الخبر باستشهاد ولدهم (أيمن)...

 

بكى الجميع بكاءً مراً.. الفراق صعب وشاق خاصة لابن مثل (أيمن).. فالنبي صلى الله عليه وسلم بكى حزناً على (إبراهيم)، وهو يقول : " إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقكم يا إبراهيم لمحزونون ".

 

ورغم ذلك فقد كان الصبر علامة بارزة في شخصية الوالدين، الوالد يردد " حسبنا الله ونعم الوكيل "، " ربنا يجمعنا بك في مستقر رحمته "، والأم تردد عبارات الصبر والسلوان وهي تبكي بحرقة وألم، تردد " إنا لله وإنا إليه راجعون، الحاج (كامل) لا يكاد يصدق أن قرة عينه قد غاب عن عينه إلى الأبد.. يردد : " معقول يا أيمن تركتنا ومشيت.. معقول " ثم يردد عبارات الصبر والسلوان ويدعو لولده بالرحمة والمغفرة والقبول، تجمع الناس في منزل الشهيد ترتسم على وجوههم علامات الحزن الشديد، كم كانوا يحبون أيمن، ها هو اليوم يغادرهم بعد أن أودع في بيت كل واحد منهم أمانة الدم، أمانة الشهادة...

 

كم كانوا يحبون (أيمن)، ذاك الفتى الذي لم يجلب لأيٍ منهم مشكلة وقد زاد من حبه عفته الشديدة والتزامه ببيوت الله ومنهج السماء الذي يتبعه..

 

لم تكن لتراه يشاهد التلفزيون أو يستمع إلى الموسيقى والأغاني (كما يفعل الكثيرون)، كم جلب لهم مستلزمات بيتهم من السوق، يتقدم إلى كل من يحتاج المساعدة في عمله في المنزل من هدم أو بناء أو نقـل يذكرون ذاك الفتى الذي يفضل دوماً العمل العام على الخاص، كم ترك من أعماله الخاصة، وفي بيت الله شمر عن ساعده وبدأ عملية البناء... وكم ساهم مع إخوانه في بناء بيوتهم .

 

وفي لحظات الانتظار الصعبة وقف شقيقـه يهتف (وداعاً شباب الكتائب وداعاً)، وعيناه يملؤها الدمع ويمر بخاطره جميع الذين استشهدوا على مدار أيام الانتفاضة المباركة وكيف يشعر بإحساسهم الآن، ها هي روح الشهيد (أيمن) تحلق فوق الرؤوس ترتفع وتسمو وتتعالى، ها هو يقف شامخاً بين السماء والأرض قدماه عند رؤوس الخلائق...

 

يقفـــــون جميعاً ينصبون ســــرادق العزاء للشهيد المسجى في مشرحـــــة (أبي كبير)، وترفض قوات الاحتــــلال وحتى اللحظة تسليــــــم جثتــــه، فيما روحه تسبح لتزور كل ذرة في فلسطين وتتربع فــــوق الدار التــــي كان منها خروجه نحو الرحيل الكبيــــر إلى عليين، ولم تكتف قوات الاحتــــلال باعتقــــــال جثة (أبو بلال)، بل عاقبوا جميع إخوانه حين تم سحب تصريحـــــات العمل الخاصة بهـــــم.

 

ووقف الجميع يشاهد (أيمن) عبر شريط الفيديو وهو ينادي فيهم بالثبات يقول للجميع : " أنا الشهيد الحي أيمن كامل جمعة راضي " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون "، هذه العملية التي سأنفذها (إن شاء الله) تأتي انتقاماً لمجزرة مسجد فلسطين، وانتقاماً للشهيد ناصر صلوحة والشهيد هاني عابد...

 

يا أهلي وأخوتي.. يا أحبائي في حركة حماس.. الجهاد هو الطريق والاستشهاد هو الأمنية فلا تهنوا ولا تحزنوا وادعوا الله أن يقبلني شهيداً وأن تلحقوا بي على نفس الطريق... وإلى اللقاء.. في ظل عدالة قدسية الأحكام والميزان.. إلى لقاء في جنات عدن إن شاء الله...

 

هكذا يرحل العمالقة.. الشهداء الأحياء.. هكذا يرحل (أبو بلال).. يبني سلم المجد كي ترتقي الأمة.. يجعلون من جماجمهم سلماً للنصر والتمكين.. يتخلصون من وحل الأرض يتسامون على الجراح.. ويتنأكون الدرب بحثاً عن سم الخياط كي يتسلل القديسون نحو الشمس يزرعون فينا الأمل.. وتبقى خارطة فلسطين تملأ الأفق الممتد تزينها قبة الصخرة وأرتال الشهداء سواراً يحمي الأقصى غارات النازية الجديدة، وها هو أيمن يدعم هذا السوار كي لا ينهار أمام ضربات الغطرسة والظلم، وها هو أيمن يكتب وصيته بمداد الدم كي يتواصل بناء سوار الحماية لكل ذرة من ذرات فلسطين... ها هو يوصي الجميع قبل أن يرحــل بالثبات والجهاد والاستشهاد.