في ذكرى الفرقان .. وانتصرت غزة على الحصار

في ذكرى الفرقان .. وانتصرت غزة على الحصار
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

 

حوصر النبي (صلى الله عليه وسلم) في الشعب وتنكر القريب والبعيد عنه (صلى الله عليه وسلم)  وأصحابه، وقدموا نموذجاً في الصبر عز نظيره وفاق الخيال في الاحتمال دون أن يُبدي انكساراً أو طريقاً للتراجع. كما تم حصاره (صلى الله عليه وسلم)  وأصحابه في المدينة بجيش من الأحزاب مع تآمر ومكر يهودي فكان (صلى الله عليه وسلم)   يقتات إلى جوار الصبر بإرادة القتال والمقاومة والاستعداد الدائم لرد العدوان وطرد المعتدين. انتهى حصار مرحلة الاستضعاف إلى هجرة فتحت آفاق بداية التمكين, وانتهى حصار الأحزاب إلى الانتقال من مرحلة الاستهداف والدفاع إلى مرحلة الإستقواء والهجوم.

 

وفي حصار العراق الذي استمر سنوات طوال رفع الرئيس الراحل صدام حسين شعار "تباً للمستحيل" ونحن اليوم ننتصر بذات الشعار ونحن نبني اقتصاد الصمود في مواجهة غطرسة الحصار الظالم المجرم.  والحصار الكوبي منحنا خبرات قابلة للتعميم إنسانيًّا وتتخطى كل أطر الأيدلوجيات حين قدم نموذجاً في التحايل والالتفاف وإتقان السياسة (فن الممكن) في مواجهة الغطرسة الأمريكية.

 

حاصر حصارك".. قالها شاعرنا "محمود درويش" لترن في آذاننا ونحن نقلب كل حجر في الأرض نبحث فيه عن خبرة مقاومة حصار الطغاة، شريطة أن تكون بشيء آخر غير الأهازيج والكلمات رغم عظيم أهميتها وقوة إسهامها في رفع الروح المعنوية وخلق التعاضد وبناء التماسك. ولكن لابد أن يتوازى معها معزوفات اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية تجري على الأرض وتحدث فعلها المتين وأدائها الرصين المتناغم بعيداً عن عاطفة جياشة تقزم الأخطار أو تبالغ في الإمكانات والإنجازات.

 

تجاوزت غزة مرحلة من الحصار القاسي والذي نحن بحاجة إلى الاستمرار في مواجهته وعلى أكثر من مستوى لدفنه نهائياً. 

 

فمواجهة الحصار الاقتصادي في ظل النظام العالمي الجديد يصعب التحايل عليه بجغرافيا وآليات تقليدية وهوامش المناورة محدود فالولايات المتحدة تملك مجمل الأوراق: الاستثمار - التكنولوجيا - إغلاق الأسواق – الصادرات والواردات - تجفيف موارد الصناعة – النظام المصرفي العالمي وغير ذلك. ومن هنا كان التحدي الاقتصادي الأخطر وكان من ثم ضرورة تكاتف الجهود في بناء اقتصاد الصمود (نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع). كان في مرحلة الحصار من المجدي تفعيل قطاع الزراعة والاستفادة القصوى من أراضي المحررات في إنتاج كل ما يمكن أن يقوت شعب يخضع للحصار ويُطارد بلقمة العيش. وربما وفر ذلك فرص لا بأس بها في إسهام جاد في تقديم حلول للبطالة واستفحالها, ويساهم ذلك في بناء قطاع المزارعين الذي خضع لخسائر فادحة أسهمت إحجاماً عن مواصلة الزراعة ورغم ذلك نهض الجواد من كبوته, ومثلت الزراعة حصان طروادة قهر الحصار.

 

ومع بناء مدروس لاقتصاد الصمود, ينبغي التعاضد مع المضي بخطى حثيثة ومترابطة وفق مخطط علمي  خاصة في قطاع الصحة مع تقديم أعلى مستوى خدمه في ميدان التعليم من أجل الاستمرار في بناء الإنسان الفلسطيني على أسس من الإيمان والوحدة والعزة والإعداد, مع الاستمرار في تنفيذ البرامج الاجتماعية من أجل استيعاب كافة الآثار المترتبة على الحصار في صيانة دائمة دائبة للنسيج الوطني الفلسطيني, ومن هنا فإن سيادة العدل والإخاء الفلسطيني عبر تقديم نموذج متقدم لفن التعامل الإسلامي الوطني خير عون لشحذ الهمم وتقديم النموذج الفاعل في الصبر والعض على الجراح.

 

ومشاريع الإعمار لغزة بعد جولتي التدمير في عدوان الفرقان وحجارة السجيل مع إعادة بناء وترميم البنية التحتية وخاصة شارعي صلاح الدين والرشيد من خلال المساهمة القطرية الخيّرة. عدا عن ذلك عشرات مشاريع البنية التحتية التي يتم افتتاحها يومياً تمثل عنوان انتصار غزة على الحصار.

 

ومثَّل الانتصار الأمني معلماً بارزاً في مسيرة " وانتصرت غزة " عبر الاستقرار وتأمين الجبهة الداخلية وملاحقة فلول العملاء وتعزيز الأمن الاجتماعي.

 

وتوج كل ذلك الثبات في ملحمة " عدوان الفرقان " وتعضيد البناء المعنوي والنفسي في ملحمة " وفاء الأحرار " وتوج ذلك الانتصار في " حجارة السجيل " على طريق ملاحم التحرير القادمة.

 

لقد أثبتنا أننا قادرون على فك أحجية الحصار واستثمار إمكانات وقدرات شعبنا مع قدرة على إدارة رشيدة للشأن الداخلي والخارجي في استثمار لأوراق القوة, ونحن مطالبون بدراسة نماذج الحصار في التاريخ من أجل العبرة والعظة (لقد كان في قصصهم عبرة). المشوار في هزيمة الحصار صعب طبعا, ولكن الرهان على اقتصاد متطور ناهض وغير مرتبط بالاحتلال, مع  المزيد من الصبر الجميل والترابط الاجتماعي والمقاومة والجهاد مع توظيف متقن للحلول الإبداعية, وكل ذلك يحتاج إلى دقة حساب؟! ونحن انتصرنا على الحصار.