في ذكرى الرحيل.. الشهيد عبد الرحمن محمد حمدان (الشهيد ذي القبرين)

في ذكرى الرحيل.. الشهيد عبد الرحمن محمد حمدان (الشهيد ذي القبرين)
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

في صباح يوم الخميس الرابع والعشرين من شهر فبراير من العام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين والذي يصادف المنتصــــف من شهر رمضان المبارك تقدمت القـــوات العسكرية الصهيونيــة الراجلــة والمحمولة وضمنها سيارة عسكريـــــة مصفحــــــة تقل رئيس الأركان الصهيوني آنذاك (أيهود براك) باتجاه المدينة المقدسة كأنما تبغي احتلالاً جديــــداً، وتتربص بقرية (أبي ديس) فيما أفراد من هذه القوات متنكرين بزي رجال بلديــــــة يدعون التفتيـــــش عن المنــــــازل المقامة بدون ترخيص والمنازل الآيلـــــة للسقـــــــوط.

كان كل شـــــــىء يبدو مرتباً مخططاً بعناية فائقة، فالشبكة العسكرية الصهيونية تتحرك بعناية كما يبدو باتجاه صيــــــــد ثمين.

تقدم عمال البلدية من الموقع المقصود محاولين الدخول إليه بشكل سهل ميسور ماكر، فيما بادر (عبد الرحمن حمدان) العسكري الفذ باطلاق النار من سلاحه الرشاش بعد أن كشف اللعبة الماكرة، كما بادر للدفاع شقيقه في خندق المواجهة المجاهد الأسير (علي العامودي) وأجبرت أسلحتهم الرشاشة الجنود المتنكرين على الارتداد فوراً والرحيل بعد أن كشف الله مكرهم، فيما عج المكان بتعزيزات عسكرية مكثفة من جيش الاحتلال تساندهم طائرتان عموديتان لتبدأ حرب غير متكافئة القوى، ولكنه الايمان يتجلى في الصدور فيملأ النفس عزيمة وصلابة فإذا المرء كالطود الشامخ لا تهزه الأعاصير ولا تثنيه المحن والشدائد يجابه الجيوش ويقتحم السدود ويأذن الله على يديه بالنصر والتمكين " يا أيها الذين آمنوا إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا "...

لتعلن المواجهة غير المتكافئة بين الفدائيين الأبرار وقوات معززة بمعدات ثقيلة وصواريخ وطائرات لتستمر هذه المواجهة نحو ستة عشر ساعة، ولو قدر توفر الذخيرة بشكل أكبر لاستمرت المعركة أكثر من ذلك.

وقد أطلقت قوات الاحتلال آلاف الرصاصات استقر عدد منها في صدر المجاهد الفذ المغوار الطاهر، فيما شظايا القنابــــل الصاروخية المضادة للدروع مزقت جسد الشهيد إلى أشلاء وأحالت الموقع الجهادي إلى ركام وحطام ونيران وتحمل الرصاصات الشهيد المقدام في سفر عاجل إلى الفردوس الأعلى (بإذن الله تبارك وتعالى) فيما يعتقل المجاهد (على العامودي) مصاباً والذي ما زال يقبع في سجون الاحتلال حتى اللحظة. وقد كتّم الجيش الصهيوني بشكل كامل على خسائره، فيما أجمعت وكالات الأنباء وشهود العيان أن سيارات الإسعاف قد نقلت عدداً منهم إلى المستشفيات. لم تكن هذه المواجهة الأولى (لأبي أحمد) المقدام مع أغاريد الرصاص ودوي القنابل والعمل الفدائي المتقدم بخندق المواجهة والتحدي الأول ( وإن كانت المواجهة الأخيرة ).

فبطلنا اليوم جندي مواجهة من طراز فريد سقط على يديه العديد من بني يهود مدرجين بدمائهم في شتى بقاع فلسطين الطاهرة.

(فعبد الرحمن حمدان) هو ذاك الفتى اليافع المتميز لعائلته التي رحلت مع المهاجرين الفلسطينيين من بلدته الأصلية (سوافير الشرقية) لتستقر في (مخيم خانيونس) للاجئين حيث رُزق (الحاج محمد) بولده (عبد الرحمن) سادساً لإخوته، وكان أصغرهم، كان يوم الثالث من شهر مارس من العام ألف وتسعمائة وواحد وسبعين مميزاً في حياة الحاج محمد حيث رزق مولوداً متميزاً، فقد كان وزنه حين الولادة (6) ستة كيلو جرامات، وكان منذ أشهره الأولى يأبى أن يقيد بالحزام كما هي عادة أمهاتنا خوفاً عليه من البرد، وكان يلعب بقدميه ويديه حتى يفك الحزام ويرتاح من القيد، وقد استطاع الحبو بعد أربعة شهور ووقف على قدميه بعد ستة ومشى بعد عشرة شهور، كما تميز عن إخوته بغزارة الرضاعة الطبيعية، كما تميز في طفولته بالذكاء والنبوغ والنشاط، فقد كان شغوفاً بالمدرسة والدراسة، وكان من المتفوقين واستمر في تفوقه حتى أنهى الثانوية العامة، وكنت لا ترى (عبد الرحمن) إلا مع أبناء حيه الذين يكبرونه سناً وتعلق بالمسجد منذ صباه، فكانت معظم ساعات نهاره تنقضي وهو داخل المسجد يطالع الكتب الإسلامية، ويقرأ التفاسير كما كان محباً لوالديه مطيعاً لهما.

هذا عدا عن تميزه بالجرأة والشجاعة والثبات، وكان يحرص على احراج عملاء الاحتلال دون خوف أو وجل، وقد ترسخت جرأته حين كان يقود المواجهات الملتهبة مع الاحتلال وجنوده حيث كان يهاجم عرباتهم بالمواسير وعلى بُعد متر واحد فقط.

فحيثما جال بصرك وجدت (عبد الرحمن) فارساً مبروراً في ميدان الثقافة كان فارساً، وقد تميز بقراءة وتعليم دروس تفسير القرآن الكريم، وفي مجال الكتابة الأدبية كانت له بعض الكتابات، وفي مجال الخط العربي كان صاحب موهبة خاصة، وفي ميدان الرياضة كان رياضياً بارزاً خاصة في مجال كرة القدم حيث كان لاعباً متميزاً، كان هذا النبوغ المبكر والتميز الخاص (لعبد الرحمن) نتيجة مباشرة لنشأة شهيدنا الغالي في عائلة متزنة متواضعة ملتزمة تعيش من أجل رعاية أبنائها وتمنحهم التربية المتميزة رغم أن الوالد كان ينفق عليهم من دخله المتواضع اليسير خلال فترة عمله في داخل الأرض المحتلة...

وكان أكثر ما يميز (عبد الرحمن) الطيبة غير المصطنعة التي يحياها، فقد كان صفحة بيضاء واحدة واضحة مقروءة، إضافة إلى السرعة القصوى في تكوين الصداقات المتينة والعلاقات الاجتماعية التي يربطها مع الآخرين بسماحة وجهه وبشاشة محياه، وابتسامته الهادئة التي لا تفارق ثغره الباسم، إضافة إلى حبه للممازحة والمداعبة، عدا كرمه الشديد الذي حمل له الكثير من القلوب التي أحبته، وقد حمل الأطفال خاصة الحب الكبير (لأبو أحمد) الذي طالما جذب لهم الهدايا وعلمهم مبادىء الإسلام وربط قلوبهم ببـيـت الله تبارك وتعالى، وقد تجلت فيه حقاً الحكمة الالهية أن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبداً نادى في أهل السماء والأرض أني أحب فلاناً فأحبوه، وبذلك يوضع له القبول في الأرض.

وقد كان (عبد الرحمن) من أولئك الشبان الذين تعلقت قلوبهم في المساجد، فمنذ نعومة أظفاره كان (مسجد فلسطين) بخانيونس جزءً لا يتجزأ من القلب الصغير الذي يحويه (عبد الرحمن) بين ضلوعه، كان إذا خرج من المسجد كمن انفصل عن روحه، وقد كان في مسجده نبراساً هادياً منيراً، فكم جلس في (مسجد فلسطين) يعطي الدروس رغم حداثة سنه، فقد كان أستاذاً في شتى العلوم الإسلامية، التفسير والحديث والفقه، ومختلف المعارف الأخرى.

ولم يكن (عبد الرحمن) لينفصل عن ذاته وينعزل عن كيانه فما كادت الانتفاضة الفلسطينية تنطلق معبرة عن إرادة الشعب الفلسطيني حتى كان (أبو أحمد) كعادته من الرواد الأوائل المتميزين الذين لا يُفل عزمهم ولا تتراجع عن الحق كلمتهم، يتوهج الايمان بين خفقات قلبه وفي سقطات لسانه، وترجمان ذلك كله جرأة وإقدام وشجاعة وحرص على الموت من أجل حياة أعز وأغلى، وكان يردد دائماً أنها تجارة مع الله تبارك وتعالى فلا تتوقعوا كسباً مادياً أو جاهاً...

على هذا الأساس الصلب المتين انطلق منذ الميلاد الأول للانتفاضة - رغم حداثة سنه - ليكون عضواً عاملاً في إحدى مجموعات (جهاز الأحداث التابع لحركة المقاومة الإسلامية - حماس) كان التميز الفذ (لعبد الرحمن) يدفعه دوماً ليكون من الرواد وليمثل عاملاً أساسياً في أن يرقى السلم القيادي بسرعة الصاروخ ليغدو مسئولاً عن منطقة (مسجد فلسطين) في جهاز الأحداث، ثم مسئولاً عاماً عن جهاز الأحداث في منطقة خانيونس ثم يضاف إليه عبء الإشراف على مجموعات الصاعقة الإسلامية التي تجسدت مهاما في ملاحقة ظواهر الفساد والعمل كوحدة آداب، كما عمل ضمن جهاز الأمن (مجد)، وضمن (جهاز الإعلام) التابع لحماس، كانت تلك الفترة الزمنية القصيرة من حياة (أبي أحمد) زاخرة بالعطاء، وكان في كل ذلك شعلة متقدة من الحماس الملتهب والنشاط الدائب والعطاء المتجدد الذي لا يتوقف ولا ينضب دافعه إلى ذلك مرضاة الله تبارك وتعالى ورفع راية (لا إله إلا الله) خفاقة عالية، عدا عن امتلاكه غيرة شديدة على دينه ووطنه وشعبه وشعوره الدائم بالظلم والاضطهاد الذي يعانيه أهله من أبناء شعب فلسطين في شتى بقاع العالم.

ولمّا كان (أبو أحمد) من أولئك الذين يقدمون مصلحة الإسلام والوطن على ما سواها، فقد كان يسيراً عليه أن يتخذ قراره بالمطاردة لقوات الاحتلال الصهيوني لمّا لاحقوه بتهمة مسئولية (جهاز الأحداث) و(الصاعقة) في منطقة خانيونس، فالأسرار التي يحملها (أبو أحمد) في صدره حول الحركة وجهادها وعملها نتيجة عمله في الكثير من المواقع جعلت من صدره مستودعاً للأسرار، فكيف يسمح لهذه الأسرار أن تنتقل إلى أعداء الدين والوطن.

فشمّر (أبو أحمد) عن ساعديه وحمل روحه على كفيه يجوب شتى بقاع فلسطين يبحث عن الذين سرقوا أرضه ومسحوا البسمة عن وجه أطفاله وحولـــــوا حدود الوطن إلى أسلاك شائكة تمنع حتى الزيارة لأصحاب هذه الأرض... مضى يقتحم المستوطنات ويهاجم المراكز العسكرية يذيقهم جزءاً من الكأس الذي جرعوه لشعبه وأهله برشاشه المتواضع وعدته الضئيلة وعزيمته الصلبة، فقد جاب الفارس المغوار بسلاحه وعقليته الفذة معظم مدن قطاع غزة بحثاً عن الصيد، ثم انتقل إلى الضفة الغربية حتى وصل إلى (بيت المقدس) حتى سُمى بمجاهد فلسطين، وخلال هذه الرحلة الجهادية المديدة لم يكن (أبو أحمد) ليكـــف لحظـــة عـــــن التخطيط والتنفيذ والمواجهة للاحتلال وجنوده، وقد نفذ خلال تلك الفترة العديد من الأعمال النوعية التي أصابت جميع أذرع العدو من عسكريين ومستوطنين ورجال مخابرات وأذنابهم، وسرعان ما أصبح الفتى الوسيم الجرىء قائداً للوحدة السرية رقم (صفر) التي توجت أعمالها الفدائية الرائعة، باستدراج مسئول المخابرات الصهيوني في مدينة رام الله (نوعم كوهين) فقتلته وأصابت ضابطين كبيرين، وغدا (أبو أحمد) من حينها المطلوب رقم واحد للمخابرات الصهيونية في الضفة الغربية، إضافة لما كشفت عنه الاعترافات لدى المخابرات من مشاركته في قتل تسعة من جنود ومستوطني الاحتلال في عمليات مختلفة، وأولئك الذين أصاب أكبادهم رصاص (أبي أحمد) : (مائير مندلوفيتش - دوران حان - شلفا أوزانا - تسيون أركوري - اسحق ناشتول - شالوم لبيد - مردخاي لبيد - إيلي ليفين - ونوعيم كوهين).

كان هذا الرصيد الضخم من الجهاد المتواصل والعطاء اللامحدود والتحدي الجرىء دافعاً أكيداً لقوات الاحتلال الصهيوني أن تحاصر كافة زوايا وأرجاء ومداخل قرية (أبي ديس) يتقدمهم رئيس أركان الجيش (أيهود براك) من أجل القضاء على (أبي أحمد) الذي غدا أمة بأسرها تواجه دولةً وجيشاً وأجهزة مخابرات وأعلنت كل ذلك لحظات التحدي الأخير فما استكان الفارس المغوار أو تراجع حتى نال منهم وأوقفهم عند حدود قدراتهم وطبائعهم " لا يقاتلونكم إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر ". وكان (أبو أحمد) في كل مراحل مطاردته لا يمل عن كلمة (سامحيني يا أمي سامحني يا أبي)، فقد كان يبغي مرضاة الله تبارك وتعالى ولا شىء سواه، وكان يردد لأهله في اللحظات القليلة التي شاهدهم فيها " لن أعود لهذا البيت إلا عريساً يزف إلى الحور العين "...

ويخاطب أستاذه (يحيى السنوار) قائلاً : انصر دعوتك بكل ما تملك من نفس ووقت ومال، وكن مستعداً لبذل الدم، فأعداؤنا لا يفهمون ســـــوى هذه اللغة، ثم يهتف به... أخي في الله " أنا أموت وأنت تموت وتبقى الأخوة ذكرى حية خالدة لا تموت ".

كان قلبه قد تعلق بشكل كامل بالآخرة ولقاء الله والجنة ونعيمها والشهادة وعظيم ثوابها، فسعى لها سعيها وهو محسن، وما بدّل تبديلاً حتى جاءه قدر الله تبارك وتعالى في هدية غالية وكرامة عالية في بيت المقدس وأكنافها يحمل أشلاءه إلى الجنة صاروخ موجه من بني يهود لينال بذلك كل الكرامة، إنها الشهادة على يدي اليهود وفي بيت المقدس وفي شهر رمضان، وفي ليلة الجمعة، فما أعظمه من عطاء وما أكرمها من شهادة، وبعد ساعات من تمزق أشلاء عبد الرحمن، وفي فجر الليلة التي صعدت فيها روحه إلى بارئها كان باروخ جولد شتاين النازي اليهودي يصوب رصاصاته الحاقدة المجرمة إلى جباه الساجدين لصلاة الفجر في الحرم الإبراهيمي لينفذ مجزرة بشعة ما شهد لها التاريخ مثيلاً، على عادة اليهود الذين ينفذون المجزرة تلو المجزرة في هذا الشعب.

ليس من قبيل المصادفة أو العجب أن يرقى أبو أحمد شهيداً تحفه كل هذه الكرامات، فهو الذي عطر قلبه بالاخلاص وزينه بالتقوى واستعد للشهادة منذ نعومة أظفاره وحمل السلاح فتىً يافعاً، وكان عسكرياً فذاً خاض الاشتباكات منفرداً محاصراً في شتى بقاع فلسطين.

ولما تناقلت الأنباء خبر استشهاد المجاهد (عبد الرحمن حمدان) وعلم أهل فلسطين مصابهم لم يكن ذلك مفاجأة لأولئك الذين عرفوا الشهيد، فقد كان أهله وإخوانه في انتظار لهذا اليوم، فقد هيأهم (أبو أحمد) لهذا اليــــــوم، لذلك فقــــد كان استقبال أهلـــــه للخبر بمزيج من الفرح والحـــــزن، وأعلنت الزغاريد هذه الفرحــــــة، ودعا له الجميع بالرحمة والمغفرة والقبول، وقد صرح والداه للصحافـــــة أنهم وأبناءهم على درب الشهيد سائرون وسيقدمون المزيد لإعــــــلاء راية الله تبــــــارك وتعالـــــى...

وبدا الجميع صامتاً واجماً في عزاء الشهيد يتذكرون (عبد الرحمن)، ذلك الفتى المتميز في ذكائه وشجاعته وبنيته الجسمية... وكان لأهله كل الحق أن يفتخروا بصموده وبسالته في المقاومة حتى لقى الله تبارك وتعالى وهو عنه راض، وأهله رافعي الرأس شامخي الهامة.

ومازال إخوان عبد الرحمن يذكرونه بالخير العميم والحب الشديد وأنه قد صدق الله فصدقه الله عز وجل، وقد نعت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وجناحها العسكري (كتائب الشهيد عز الدين القسام) عبر بيانات وزعت في قطاع غزة، وعبر شعارات جدرانية ومكبرات الصوت في المساجد شهيدها البطل (عبد الرحمن حمدان) قائد الوحدة السرية رقم (صفر)، كما أقامت حماس لشهيدها حفل تأبين ضخم شارك فيه الآلآف من أهالي قطاع غزة.

وقد أحضرت قوات الاحتلال أجزاء غالية من جسم الشهيد المقاتل إلى أهله في منتصف الليل ليتم دفنه في مقابر (خانيونس) برفقة ستة عشر من أفراد عائلته تظلهم الحراب الصهيونية، فيما دُفن باقي جسده الذي جمعه أهالي أبي ديس في قبرٍ هناك، فكان له قبران دليل الوحدة السياسية التي لا يمكن أن يتم الفصل فيها بين غزة والضفة والقدس، وليكون (عبد الرحمن) نموذجاً حياً ومثالاً للمسلم الحق المتمسك بدينه القابض على جمرتي الدين والوطن بأسنانه وأظافره ويحــــوى بقلبه أهله وجيرانــــــه وإخوانه الذين انحنوا إجلالاً وإكباراً لهذا الطود الشامخ في مقارعة اليهود وأعوانهم، وطاف البلاد مدافعاً عـــــــن الأهل والأرض حتى تمزق جسده وسقط أشــــــــلاءً ممزقة.

ودفن جزء منه في (أبي ديس) وجزء آخر من جسده الطاهر في (خانيونس) ليرسم كل حدود الوطن الذي لا يقف عند بقعة وليهتف في كل الآذان أن الدفاع عن الأقصى واجب لن نتخلي عنه، ولم توزعت أجسادنا أشلاء وسالت دماءنا أنهاراً...