في ذكرى الرحيل.. الشهيد محمد أحمد أبو نقيرة (افتتاحية الشهادة)

في ذكرى الرحيل.. الشهيد محمد أحمد أبو نقيرة (افتتاحية الشهادة)
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

كانت الساعـــة تقترب من السابعــــــة والنصف من مساء اليوم الثالث عشر من شهر ديسمبر من العام 1990م... وقد أرخى الليل سدوله في جو يحمل بصمات كانون الباردة على مخيم الشابورة القابع رمز اللجوء والقحط وسط رفح الباسلة... وكان الصباح على موعد مع الذكرى الثالثة إنطلاقة حركة المقاومـة الإسلاميـــة - حماس -

 

 أبــرز أسمـــاء الانتفاضــة الفلسطينيــــة الماجـــدة ، حين دوى صوت قنابل تبعه زخــات مـــن رصاص سلاح أتوماتيكي من موقع البيارات الملاصقة رمزاً للصمود الفلسطيني غرب مخيم الشابورة... قليل هم الذين جلب انتباههم الصوت المدوي فأغاريد الرصاص لحنٌ تعودته آذان أبناء رفح الصمود منذ زمن الانطلاق الأول قبل أعوام ثلاثة من تاريخ هذا اليوم وبعد ساعات ثلاث من هذا الحدث شق صمت الليل إليهم صوت مجموعة سيارات عسكرية صهيونية تقدمت حيث يقبع منزل أحمد أبو نقيرة وذاك الرجل الصلب الذي هاجر من بلدته الأصلية (بئر السبع) التى تعلم منها فنون الصبر حيث حيـــــاة المكابـــــدة... طرق الباب عدة طرقات أطل بعدها (أبو محمد) وخلفه أم محمد تطل برأسها وإذا بجنود الاحتلال يحيطون هذا الموقع الحصيـــن وكلمـــات فجائيـة خرجت من فم الضابط بكل بساطة (ابنـــك محمــــد قتــــل الليلــــة وعليـــــك الحضــور بعــــد ساعـــة كي تواريــــه التراب).

 

(محمد أبو نقيرة) الاسم الأول في قائمة الخلود التي اعتلت صهوة المجد مبكراً لتفتح للأمة بوابة الجهاد مجرداً... بوابة تحمل قسمات نورانية تعمق في صخر التاريخ اسم قسام يعبد ...

 

إذن هي الانطلاقة مجدداً بعد أن رسخت الصبغة الأساسية لهذا الطريق الشاق الطويل ومحمدنا الابن الأول لوالديه حيث أطل على الدنيا بعد طول انتظار في اليوم الثاني من شهر أبريل من العام 1965ميلادية في مدينة رفح وبعد خمسٍ من البنات وتعلقت به العائلة الوادعة وخاصة والدته... وزاد تعلقها أنها رزقت بعده بأربع بنات .

 

نشأ (محمد) على الرجولة مبكراً حيث تعود أن يُسمع ويُطاع حتى من أخواته اللواتي يكبرنه حيث برزت فيه روح القيادة مبكراً... وما كاد يشب حتى بدأ يساعد والده في بيع الخضار والفواكه في السوق في أيام إجازته، وكان الوضع الاقتصادي والاجتماعي المحيط (بمحمد) حسناً مما أسهم في حسن النشأة... وأكسبه هذا العمل حيوية ورشاقة مما ساهم في إبراز الجانب الاجتماعي في شخصيته حيث تميز بعلاقاته الاجتماعية الواسعة واكتسابه محبة جميع من يلتقي بهم بسرعة... وبرزت الأمانة معلماً بارزاً في شخصية محمد التاجر الصغير...

 

شب الطفل الصغير على أعين والديه الذين يراقبان كل خطوة من خطوات حياته ويتمنيان له الخير والرشاد...حتى غدا فتى يافعاً طالباً في مدرسة بئر السبع الثانوية... وبدا النضج معلماً بارزاً في شخصية (محمد).. وبرزت شخصيته المتمردة على الواقع المظلم لشعب يرزح تحت الاحتلال.  حيث كان (محمد) من أبرز نشيطي المظاهرات، وفي أحد أيام 1982م حاصر الجيش المدرسة وأوقف الطلبة على الجدار الداخلي رافعي أيديهم وكان منهم (محمد) الذي قفز وسط الجنود بكل جرأة على الجدار محاولاً اجتيازه، فأطلق أحد الجنود عليه النار وأصابه برصاصة مطاطية في يده، واعتقل حينها عدة أيام ثم خرج بكفالة... وفي هذه الأثناء برز (محمد) وسط أقرانه. وبدا للفتى الناضج في تلك المرحلة توجه سياسي حيث كان أبرز أبناء الشبيبة الطلابية ...

 

انقضت المرحلة الثانوية وانتقل محمد للدراسة في الجامعة الإسلامية بغزة وبدأ الفكر الإسلامي يملأ عليه حياته... ولم يستمر طويلاً في دراسته حيث عاد للسوق وتكبد مشاق الحياة مع والده وبدأ التاريخ يرسم خطاً بيانياً تصاعدياً جديداً في حياة الشعب الفلسطيني ومسار الحركة الإسلامية بصفة خاصة حيـــــث انطلقت شـــــرارة الانتفاضة من شمال القطاع، حيث تقبع جباليا الثورة وامتدت إلي جنوبه حيث (محمد أبو نقيرة) الرجل شديد البأس يقبــــع في سوق رفح ينتظـــــر قدره ليرســــــم بدمـــه جزءاً كبيراً مـــــن هذا الخط البياني التصاعدي كأحد نقباء (جماعة الإخـــــوان المسلمين) .

 

ومن اللحظة الأولى لانطلاقة الشرارة برز بطلنا كأبرز نشيطي حماس في المواجهات وتنفيذ الاضرابات ومعه أخو (بسام أبو عراده) الذي استشهد في المواجهات وكان لهذا أكبر الأثر في حياة محمد المجاهد... وفي شهر مايو 1989م كانت أذرع الأمن الصهيونية توجه ضربة واسعة ضد حركة المقاومة الإسلامية حماس وتطال حملة الاعتقالات رجل هذه السطور ليقضي محكوميته البالغة عاماً ونصف العام بتهمة الانتماء لحماس وتنفيذ فعاليات الانتفاضة والمشاركة بأعمال ردع لعدد من العملاء حيث كان الشهيد متحمساً للعمل الجهادي... ويبغض العملاء وكان كلما مر بعميل ينشد بيت الشعر الذي طالما ردده :

 

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً            ويأتيك بالأخبـــــار ما لم تــــــــزود

 

ومواجهة الأخطار كانت هوايته المفضلة حيث كان الوقت المفضل لديه الخروج ليلاً حتى في منتصف الليل وفي ظل منع التجول الشامل، وقد خرج في إحدى الليالي الساعة الواحدة وسأله رفيق دربه، هل لا تخاف مقابلة الجيش : قال : لا... لا أحسب حساباً لليهود الكلاب ولكن أحسب للكلاب العادية، وفعلاً هاجمتهم مجموعة كلاب فهربت جميع الكلاب إلا كلباً أسود هجم على الشهيد فأمسك به محمد وألقاه أرضاً ووضع في فمه حذاءه ولاذ بالفرار مع رفيقه. وكثيراً ما قابل أثناء تجواله الليلي جنود الاحتلال فيتحايل في التخفي والابتعاد عنهم ويسلمه الله تعالى.

 

وطوال فترة محكوميته لم يهدأ (محمد) فلم يتعود حياة القيد، فكان يفكر دوماً كيف الخروج من هذا القيد فما لهذا خلقت... فقد اعتاد (محمد) حياة الحرية يفكر بعقله ويتحرك بإرادته حيث كان يملك قراراً مستقلاً، وشعوراً بالحرية يملأ عليه حياته...

 

هذه الطبيعة المنطلقة جعلت من السجن قيداً يثقل كاهله مما أثر في روحه المعنوية في داخل المعتقل وظل ينتظر بفارغ الصبر يوم الخامس عشر من شهر نوفمبر سنة 1990م، يوم الحرية وكسر القيد الثقيل... وما أشق الانتظــــــــــار!!!

 

وأخيراً جاء يوم الحرية المنتظر وخرج (محمد) من قيده وهو يحمل روحاً وثابةً منطلقة مقبلة على العمل وأي عمل..؟؟ إنه الجهاد ذروة سنام الإسلام .

 

انطلقت الروح الوثابة والهمة العالية دون كلل أو ملل أو تهاون أو تراجع، وشمر المجاهد الشهم عن ساعد الجد وخاض دروب الجهاد بكل بسالة وتفانٍ، فألح فور خروجه من المعتقل كي ينضم إلى (الجناح العسكري) لحماس فيما ألحت عليه والدته بالزواج كي تفرح وكان جوابه دوماً " سأتزوج لكن ليس من هنا وليس الآن  ".

 

واسم القسام حينها لم يرسخ بعد ويتردد بشكل مقتضب في مناطق متفاوتة أبرزها رفح البسالة، حيث وضع حجر الأساس لانطلاقة (كتائب الشهيد عز الدين القسام)... والتحق الشاب التواق بإحدى الخلايا القسامية في رفح، وذلك استجابة لإلحاح المجاهد العملاق، بعد الإصرار والتصميم الذين أبداهما المرابط الثائر... وكانت الكتائب في رفح حينها قد أعدمت شخصين متهمين بالتعاون مع الاحتلال، وبعد خروجه من المعتقل لم ينم شهيدنا أكثر من خمسة أيام في منزلــــه حيــث كان يخـــرج من بيته بعد المغرب ولا يعود إليه إلا صباح اليوم التالي، والغالب أن هذه الساعات الحرجة كان يقضيها في مهام عمله الجديد حيث لم تتوقف حينها عمليات خطف المتعاونين والتحقيق معهم وقتل عدد منهم ...

 

رفع المؤذن صوته بالنداء الخالد الراشد داعياً الناس لصلاة المغرب... واصطف الناس للصلاة وبينهم محمد يرفع يديه مكبراً يسجد لله عز وجل وبعد انتهاء الصلاة عاد فوراً إلى منزله وأخبر أمه أنه لن يعود إلى منزله هذه الليلة... وألح عليه القلب الحنون بالنداء للبقاء... فأجابها : لا أحب السجن ولا أريده، وغداً انطلاقة حماس... وأعقب هاتفاً وهو يخرج " يا ستي لو استشهدت فافرحي " ومضى قافلاً نحو هدفه ...

 

بدت الشوارع خالية إلاّ من بعض الذين اضطرهم ظرف للخروج حين انطلقت خلية قسامية وهي تحمل شخصاً بعد ورود معلومات تحمل الإدانة والاتهام له، ودخلت الخلية منطقة البيارات الواقعة غرب الشابورة، وباشرت التحقيق معه، وأثناء ذلك حضرت دورية عسكرية من الناحية الغربية ولحظ المجاهدون ذلك وكان على أحد الأبطال إعاقة تقدم الدورية من موقع العمل، ورفع محمد يده هاتفاً أنا لها... أنا لها.

 

وانطلقت الخلية ووقف محمد خلف إحدى الشجيرات، ولمّا اقتربت الدورية ألقى ثلاث قنابل من صنع محلي على الدورية... وأعقبها زخات رصاص لاحقت المجاهد المتقدم حيث استقرت إحداها في فخده الأيمن وتم اعتقاله...

 

وسارت به القوة وهو مصاب باتجاه معتقل أنصار (4) في خانيونس وهو موثق اليدين والقدمين واتجه به الجنود ناحية غرف التحقيق.

 

ولمّا كان محمد مميزاً بالجرأة والمواجهــــــــة والعناد، فقد أسلم روحه إلى بارئها دون أن يسلّــــم كلمـــــة واحـــــدة إلى ضابط التحقيـــق.

 

وفي الساعة الثانية عشرة ليلاً كان الوالد المحتسب يحيطه عدد كبير من جنود الاحتلال يواري جثمان ولده الشهيد التراب وهو يردد (إنا لله وإنا إليه راجعون)... (حسبنا الله ونعم الوكيل)، يتلو آيات من كتاب الله عز وجل... فيما والدته تقف ذاهلة وهي غير مصدقة، فقد كان الخبر مفاجئاً وصاعقاً لأمه ولجميــــع من عرفه، فقد احتل في قلوب الناس موقعاً متميزاً لتطـــــوى صفحة أولى ناصعة من صفحات الجهاد القسامي المتنامي على أرض الرباط الإسلامية، ولتنطلق الشرارة المميزة في العمل العسكــــــري الإسلامي استجابــــة لوعد الله تعالى على هــــــذه الأرض المباركة.