في ذكرى الرحيل... الشهيد طه محمد أبو مسامح (أستاذ العطاء الصامت)
كان الرصاص ينطلق بغزارة باتجاه السيارة الفيات التي أدارت محركها عائدة من صلاة فجر السابع عشر من مارس من العام 1994م وبداخلها المجاهد (محمد شهوان) أحد مطاردي القسام، وإلى جواره أستاذ الرياضيات في مدرسة المتنبي الثانوية للبنين في عبسان... ذلك الرجل الوقور الذي ما عرفه أحد إلا مسلماً براً نقياً صامتاً، وما خالوا لحظة واحدة أن يكون في هذا الموقع المتقدم الخطر.
كان (أبو محمد) من أولئك الرجال الذين يشهد لهم بالإيمان، فإذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، يمارس دوره في خدمة الإسلام والوطن بكل الاخلاص والأمانة مع الصمت الكامل، فقد كان (أبو محمد) يرجو الأجر الكامل من الله تبارك وتعالى، فقد تعلم فن العطاء الصامت من بلدته الأصلية بئر السبع التي هجرها الأهل اثر الاحتلال الصهيوني الغاشم لها في عام 1948م ليستقر المقام في (رفح الباسلة)، وفي التاسع والعشرين من أكتوبر من العام 1958م وهب الله (للحاج محمد) ولده (طه) لينشأ الطفل الهادىء الوديع في كنف والديه، ويواصل رحلته مــــــع التعليم حتـــــى يحصل على بكالوريوس في الرياضيات، ويعمل مدرساً لطـــــلاب المرحلـــة الثانويــــــة.
قد كان (أبو محمد) مسلماً ملتزماً متمسكاً بدينه تسود المحبة الحقيقية علاقته مع إخوانه، وقد كان لنشأته الإسلامية الصافية في كنف عائلته الكريمة المعروفة بتمسكها بدينها والتزامها الكامل بأخلاق شعبنا وعاداته وتقاليده...
وكان الشهيد (طه) رحمه الله رغم أنه موظف حكومي إلا أن ذلك لم يمنعه من قول الحق الأبلج الذي يعتقد وفي كل مرة كان يوجه إلى الطلاب نداءاته التحريضية ضد مغتصبي الأرض، وكم نصحه زملاؤه في العمل بالكف عن التحريض المباشر والغير مباشر حرصاً على وظيفته فما كان يجيب إلا بأن الأرزاق والأعناق بيد الله تبارك وتعالى، لقد كان (لأبي محمد) فلسفة خاصة في مواجهة المستجدات، لذلك لا يستهين بأي أمر مهما صغر، وكان يحمل الفكر الإسلامي الصافي لحل القضية الفلسطينية تناقش مع زملائه المدرسين حول طريق الوصول إلى فلسطين، فقال أحدهم أتحالف مع الشيطان للوصول إلى فلسطين فتبسم الشهيد بهدوء وقال وكم من السنين مضت ونحن نتحالف مع الشياطين، فلم نصل إلى فلسطين ووالله لن نصلها إلا كما وصلها سلفنا بالإسلام، فملكوا الأرض ومن عليها، لذلك ما كنت تراه بعتمد بشكل مطلق على الوظيفة، وقد كان ماهراً في العديد من المهن الحرة التي أكسبته القدرة على تجاوز حدود الروتين، وقيود الوظيفة الحكومية، فقد كان ميل (أبي محمد) نحو الوطن غريباً، يشعر أنه قطعة من قلبه وجزءاً لا يتجزأ من كيانه، وترى هذا الحنين متجسداً في شعور الأستاذ (طه) وما يكاد يتحدث إلى طلابه حول مسائل الرياضيات وحلولها إلا وينتقل مباشرة إلى فلسطين فهي مسألة رياضية معقدة تحتاج إلى تجرد وبحث وعطاء متواصل من أجل الوصول إلى الحل الأنسب فيها... وكان يرى دوماً أن لهذه المعادلة الرياضية المعقدة طرفان ولا يمكن الوصول إلى الحل طالما بقي حالة عدم التوازن في المشكلة وبقاء اليهود على حالهم من القوة والجبروت، ولابد من منح الطرف الآخر في المعادلة القوة اللازمة.
لذلك ما تردد أبو محمد حين لجأ إليه مجاهدو القسام كي يكون عوناً لهم يقدم لهم الإيواء ويحفظ أسرارهم، فما كان الأستاذ (طه) يرى أقصر من هذا الطريق نحو الجنة ومرضاة الله تبارك وتعالى، وما كان يجد له بديلاً وحلاً لحالة الذل والخنوع التي تسيطر على المنطقة بأسرها، وذلك لرفع حالة المعاناة والقهر عن شعبه السجين، فكيف يتردد بتقديم هذا العطاء ويمنح الدفء اللازم للرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، كيف لا يغدو بيت الأستاذ (طه) حصناً أميناً لرجال الكهوف الذين خرجوا عن المألوف فطاردوا الاحتلال قبل أن يطاردهم وحاصروه قبل أن يحاصرهم.
كيف لا يفعل ذلك وهو الذي قد بايع الله تبارك وتعالى منذ سنوات ملتحقاً بصفوف (جماعة الإخوان المسلمين) حتى غدا اليوم نقيباً في صفوف الجماعة. كيف لا يفعل وهو الذي ينتظر الفرصة كي يترجم دروسه للطلاب إلى واقع عملي ممارس يدفع ضريبته من دمه وروحه...
ولما فتح (أبو محمد) قلبه وبيته للمجاهدين كان نموذجاً للعطاء الصامت الذي لا يرجو أجراً إلا من الله تبارك وتعالى، فاستراح كثير من المجاهدين في فترات الراحة المحدودة لرحلة الجهاد والتضحية الطويلة في بيت الأستاذ (طه)، وكان لهم ناصحاً وخادماً فعرفه الجميع أخاً وأباً يحنو عليهم ويشفق من قسوة الأيام والليالي الحبلى بكل شىء عجيب، وكان يعظهم دوماً أن هذه بداية الطريق فلا تتعجلوا وأن أمامهم مشوار طويل طويل يلزمه المزيد من الدم والدمع والآهات، فالصبر عنوان المرحلة، وكان يحض دوماً على اخلاص النية لله رب العالمين حتى لا يحبط العمل ويضيع الأجر، وأن المسلم دوماً على ثغر من ثغور الإسلام فلا يؤتين من قبله، هذا الاخلاص والتجرد كان يدفع (أبا محمد) دوماً لأن يكون ملتزماً بدينه أشد الالتزام حتى أنه خروج على المألوف، وكان يرفض الصور والتصوير، وكم حاول إخوانه اقناعه بأن يتصور معهم لذلك ما كان سهلاً الوصول إلى صورة للشهيد إلا صورة هويته الشخصية.
وبقي (أبو محمد) على حالة العطاء الصامت حتى كان قدر الله يرسم له معلماً من معالم الحياة الجديدة حين استقرت عشرات الرصاصات في صدره لتحمله وشقيقه في رحلة الاستشهاد الشهيد (محمد شهوان) إلى حيث مستقر رحمة الله تبارك وتعالى بعد أن أدى (أبو محمد) كل واجبه بكل ما أوتي من قوة وعـــــزم وتضحية، وبعد أن ركــــع لله رب العالمين سجدات الفجر الأغـــــر، وبعد أقل من شـــــــهر علـــــــى (مجزرة الحرم الإبراهيمي) في خليل الرحمن، وقد اعترف راديو إسرائيــــل بإصابة ضابـــــط إسرائيلي اثر الإشــــتباك مع الشهيدين (محمد شهوان وطه أبو مسامح).
وما أن تناقلت الأنباء خبر استشهاد (أبي محمد) إلا وعلت الوجوه كآبة وشعور بالضيق والعجز، إضافة إلى الغرابة، فالأستاذ (طه) لم يكن أحد يتوقع أن يكون في هذا الموقع ولكنه الصمت الدائم والاخلاص المتجرد هو أساس هذه الغرابة، وسرعان ما احتسب أهله ولدهم عن الله شهيداً كريماً، وسألوا له الجنة والفردوس الأعلى، فقد كان (أبو محمد) عزيزاً غالياً، وقد ندر وجوده في هذا الزمان.
وما زاد أهله إلا الدعاء له والعودة إلى الله تبارك وتعالى " إنا لله وإنا إليه راجعون "، وقد أقيم للشهيد سرادق عزاء عظيم أمّه جميع المواطنين من أبناء قطاع غزة وخانيونس خاصة، وما زالوا يذكرونه بكل الحب، (أبو محمد) المسلم القوي الصامت المخلص المحب لله ورسوله وللمؤمنين، يذكر طلابه الجبل الأشم الذي ما توانى لحظة واحدة عن الصدح بالحق والدعوة إلى الله تبارك وتعالى يتذكره إخوانه المجاهدون يوم أن حنا بقلبه الكبير عليهم وأودعهم جنبات فؤاده الحاني الذي وسع كل الوطن وكل المجاهدين من أجل هذا الوطن.
تذكر الجميع الرجل الذي عـــاش ولا زالت علامات الدهشــــة معقودة على وجه كل من عرف (أبو محمد) هل حقاً الأستاذ (طه أبو مسامح) رحل بهذه الطريقة الخالدة.
