في ذكرى الرحيل... الشهيد حاتم حسن حسان (الفدائي)
البيت المتواضع الذي يقبع في الطرف الجنوبي (لمخيم الشاطئ) يحيا بشكل هادئ وادع رغم ما يشعره أهل البيت من كمد الحياة وقسوتها وشظفها... يزيد الحزن والحسرة ذكرى غياب رب الأســرة المرحوم (حسن موسى حسان)... تتزايد ذكرى المرحوم بنظر الأم إلى وليدها الأخير... الشقي الصغير (حاتم) وهو يقفز من مكان لآخر بهمة ونشاط دائبين كشعلة متقدة لا تهدأ...
كبر الفتى الصغير... وكبر شعوره بالمسئولية بعد زواج أخويه وحّمل هّم المنزل وعيالته رغم أنه أصغر الأبناء فهو إلى لحظة استشهاده لم يتجاوز الثانية والعشرين ربيعاً.
وحاتم الفتى الذي تميز بالذكاء والاجتهاد أنهى دراسته الثانوية، ثم عمل في أعمال البناء (القصارة) رغم رغبته الصارمة بإتمام دراسته، لكن كان هناك شيئاً يشغله، كان يشعر دوماً أنه يحمل هماً كبيراً ورسالة عظيمة، ولابد أن يؤديها...
هماً على مستوى أهله وبيته... ورسالة أسمى وأكبر على مستوى دينه ووطنه... تلك الرسالة الخالدة ما كان (حاتم) ينساها رغم كل الظروف، وبعد أن استقر في عمله ألح عليه أهله كثيراً بالزواج، كان دوماً يبتسم ابتسامته الخفيفة الهادئة ثم يمضي...
يمضى وهو يحمل الرسالة في خفقات قلبه وخلجات لسانه... يمضي يحمل رسالة الإسلام وفلسطين.... رسالة الوطن والتاريخ والأهل المهجرين في شتى الفيافي والبقاع.
كأنك تلمح في بريق عينيه (فلسطين) تسكن داخله، و(الأقصى) يتربع على في سويداء قلبه... يمضي إلى عمله في الصباح الباكر... تتلألأ أمام ناظريه مشهد أسرته الصغيرة وضرورة العمل الجاد لتحصيل الرزق، فهي وصية الرسول صلى الله عليه وسلم، ويدعو الله في خاطره أن يكتب له بهذا العمل أجراً وثواباً...
وينصرف خاطره إلى الجهاد في سبيل الله وأجر المجاهد المرابط... وأجر الشهيد، وترن في أذنيه كلمات الشهيد (عبد الله عزام) رحمه الله " أن الصالحين يقبلون على الله تعالى وفي سجلاتهم الأعمال الكثيرة، ويقبل الشهيد إلى الله تعالى وفي يده جوهرة واحدة ولكنها أثقل من كل هذه الأعمال، ينصرف صاحبها بها إلى عليين، تلك الجوهرة هي الشهادة في سبيل الله ".
ويتمتم حاتم في نفسه " لماذا أرهق نفسي كثيراً ولا أسعى إلى هذه الجوهرة..؟؟ ".
كان (حاتم) يمثل حالة جادّة من أولئك الفرسان الذين ندر وجودهم، واستعصت على النساء ولادتهم... كان رجلاً من رجال المرحلة... قوي الشكيمة... جاد العزيمة... صلب الإرادة... ثابت الجنان... وفوق كل ذلك كان كتوماً عنيداً مقداماً فدائياً...
كل هــــــذه المشاعر الفياضة كانت تدفع (حاتم) إلى كتابة الرسائل المتتالية إلى مسئوله في جهاز الأحداث التابع لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) يطلب فيها بإلحاح الانضام إلى (كتائب الشهيد عز الدين القسام) الجناح العسكــــري للحركة... فقد كان العمل العسكري حلم حياته وكأنه ولد للعسكرية والحراب، كان يعشق (البندقية) رفيق الدرب وأنيس الوحدة... يطرب لزغردة الرصاص ويهــــــوى دوى الانفجــــارات تضرب في أعماق العدو يشعر كأنها موسيقى عذبة، وكم حلم أن يضم إلى صدره بندقية (M16) وإلى خاصرته (مسدساً) وهو جندي مقاتل في صفوف (كتائب الرحمن).
لذلك لم يكن يتوقف عن المطالبة بإلحاح شديد بالانضمام إلى (كتائب الشهيد عز الدين القسام) وكان يردد في خاطره دوماً أن الحق كلمة مجردة ما لم تدعمه القوة.
ويظل صدى هذه الكلمة يتردد في خاطره كلما رأى الخونة والعملاء يسرحون ويمرحون دون رقيب أو حسيب، كان يشعر دوماً أن أولئك الخونة هم رأس الحربة في مواجهة شعبنا وقضيته، ولابد من التطهّر والخلاص من دنسهم...
وبعد طول انتظار بدأت أجزاء من أحلام (حاتم) تتحقق حين استجابت له (حماس) وألحقته بمجموعة تابعة لجهاز (الصاعقة الإسلامية) في مخيمه العزيز (الشاطىء).
ورغم أن العمل في الصاعقة كان بدائياً لدرجة لا تلبي طموحات الفتى اليافع الذي تتردد في صدره خواطر الجهاد والفدائية، إلا أن فرحته بالعمل الجديد لا توصف، فقد لبى جزءاً يسيراً من طموحاته العسكرية العديدة.
كان (حاتم) متميزاً على أقرانه في عمله الجديد بشكل ملفت للنظر... هذا التميز نجم عن الدافعية الذاتية للعمل العسكري، فقد كان حاتم يقتنص الفرص لمشاهدة وسائل الجهاد والمقاومة وطرق عملها حتى أنه تعلم بشكل ذاتي طرق إعداد المتفجرات بشكل بدائي، كل ذلك دفع إلى أن يكون (حاتم) في قلب الاهتمام نظراً لمواهبه العسكرية، عدا إقدامه الجرئ وشجاعته النادرة، كل ذلك أدى إلى إلتحاقه سريعاً بركب (كتائب الشهيد عز الدين القسام) ليتحقق حلم عزيز غالٍ عشقه (حاتم) وتمناه كي يوصله إلى الشهادة.
ولتبدأ مرحلة جديدة في رحلة الشاب المجاهد، مرحلة ملأى بالحيوية والعطاء والجهاد بشتى ألوانه ومختلف أشكاله بدءاً بخطف العملاء والتحقيق معهم كعمل كان (حاتم) يعشقه نظراً لشعوره المتزايد بخطورة الطابور الخامس على شعبنا وقضيته وضرورة محاسبتهم حساباً عسيراً... كيف لا يشعر هذا الشعور وعديد من إخوانه سقطوا برصاص العملاء الذين ارتدوا زي الجندي الصهيوني وكان آخرهم آخاه الشهيد (فريد الشعراوي) الذي أقسم (حاتم) طويلاً بالانتـقـام له... إضافة إلى العمل العسكري ضد الاحتلال وجنوده الذي أبدع به (حاتم) كثيراً.
وكان مميزاً التميز الحقيقي في القدرة على إعداد المتفجرات اللازمة للعمل العسكري والذي غدت بعد ذلك نموذجاً عسكرياً فذاً في العمل الجهادي لكتائب القسام.
وتطور عمل مجاهدنا المغوار ليتجاوز حدود (مخيم الشاطئ) ويملأ ساحات مدينة غزة وضواحيها، حتى غدا (حاتم) علماً وشعلة في وسط مقاتلي كتائب القسام متميزاً بالجرأة والإقدام نظراً إلى الخبرة والحيوية والعطاء المستمر، ورغم كل ذلك كان الشهيد المقدام نادراً ما يتحدث، ولا تكاد تسمع له همساً، وإذا سمعت له حديثاً كان حول الجهاد والاستشهاد أو اليهود وقتالهم، أو العملاء ومحاسبتهم.
كان (حاتم) حقاً فدائياً بما تحمل الكلمة من معنى... قفز بهذه الفدائية كل الحدود، ما كاد سلاحه يفارقه، فقد كان دوماً يقظاً حذراً كتوماً.. ورغم ذلك ما عرف بذلك حتى أقرب المقربين منه.
هذا التميز الجرىء والعمل الجهادي الدؤوب دفع الشهيد (كمال كحيل) (المقاتل القسامي ذائع الصيت)، إلى الاستعانة العاجلة بالمجاهد الصنديد (حاتم).
وكان الشهيد (كمال) حينها مطارداً، ولكن ذلك لم يمنع حاتم من الالتحاق بالمطارد القسامي والعمل ضمن مجموعته رغم كل المخاطر... ولكن لم يكن يخطر ببال حاتم سوى الجهاد في سبيل الله ورفع الراية خفاقة، والشهادة من أجل الله عز وجل ودينه.
وبدأت مرحلة جديدة في جهاد بطلنا وقد مارس (حاتم) دوره العسكري مع الجنرال (كمال كحيل) بكل عزم وقوة... وقد اكتسب (حاتم) خلال هذه المرحلة خبرة واسعة، كما ازداد صلابة وبأساً نتيجة احتكاكه المتواصل بالشهيد (كمال).
وفي اليوم الثاني من شهر إبريل من العام ألف وتسعمائة وخمس وتسعين كانت ملائكة السماء تتزين لاستقبال زهرات تخرج من نتن الأرض في حلل قشيبة مزينة باللون الأحمر القاني لتستقر في مستودع رحمته تعالى.
وحين كان (حاتم) ماكثاً مع الشهيد (كمال كحيل) فى منزل الشهيد (سعيد الدعس) فى (حي الشيخ رضوان) حين انفجر كل شىء حولهم وتناثرت أشلاء (حاتم وكمال وسعيد) فى كل مكان وعلى بعد عشرات الامتار بعد أن تحطم كل شىء، لترقى إلى العلا في لحظة واحدة أربع أرواح طاهرة ( حاتم حسان - كمال كحيل - سعيد الدعس - وولده بلال ).
وتناثرت أشلاء الشهداء في شارع الجسر المجاور للمنزل، وعلى جدار الشارع كتبت عبارة " حماس إشراقة أمل على طريق التحرير ".
فيما ارتطمت أجزاء من جثث الشهداء لتصبغ كلمة إشراقة باللون الأحمر القاني ومع تناثر أجزاء الشهداء الأبطال الذين دوخوا اليهود وعملاءهم وحطموا كل المعادلات وأرهقوا كل موازين القوى تناثر كل شىء، وتصاعد صدى الانفجار المدوي في كل فلسطين.
فقد كل المجاهدين جزءاً عزيزاً عليهم، وسقط الخبر على أهل قطاع غزة عامة وعلى أهل الشاطىء والشيخ رضوان خاصة كالصاعقة...
وكان الخبر مفاجئاً لأهل الشهيد (حاتم)، فلم يتوقعوا لحظة واحدة أن فتاهم الصغير هو ابن دائم للمواقع القسامية المتقدمة وإعداد المتفجرات هوايته، والعمليات العسكرية ممارسته الدائمة، فتدافعت عواطف الأهل نظراً لفقدان الفتى الغالي خاصة وأنه القائم بعمل البيت... ورغم ذلك فقد تماسكوا وغمرهم اليقين أن ولدهم قام بواجبه وتحققت أمنيته... تحققت بهذا الانفجار المدوي. وخرجت الجماهير غير مصدقة إلى موقع الحدث في حي الشيخ رضوان الذي غدا موقعاً يؤمه الناس من كل مكان، ومن ثم يتجهون إلى مستشفى الشفاء لإلقاء النظرة الأخيرة على أشلاء الشهداء الأبرار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
وفي ظهر اليوم الثاني خرجت جنازة رمزية ضمت عشرات الآلاف من البشر، وغدا الناس كأمواج البحر الهادر وتراصت الناس مودعة لشهداء، وسارت تحية لهم من المسجد العمري وسط مدينة غزة إلى مقبرة الشهداء على الطرف الشرقي لمدينة غزة، وهتفت الجماهير للشهداء ولكتائبهم القسامية بعد أن تم دفن أشلائهم في ليلة سابقة، وقد نصب للشهيد (حاتم) سرادق عزاء ضخم بالقرب من منزله أمّهُ الآلآف من جماهير القطاع وزينته صور الشهيد وهو يحتضن معشوقته الدائمة " البندقية ".
وحينما تتجه الآن إلى (مخيم الشاطئ) الصامد وعلى مدخله الرئيسي من الجهة الجنوبية، وعلى جدار أبيض لمسجد (خليل الرحمن) ستطالعك صورة كبيرة مرسومة للشهيد المغوار الفّذ، وإذا كنت غريباً عن المنطقة وصادفت أحد أطفال المخيم وسألته عن صاحب الصورة سيجيبك بكل ثقة هذا هو الشهيد (حاتم حسان) " شمروخ ".
