#يوم_الأسير_الفلسطيني .. ملحمة الأسرى

#يوم_الأسير_الفلسطيني .. ملحمة الأسرى
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

عمليات تبادل الأسري بين الفلسطينيين والعدو الصهيوني ضخّت دماً معافي في شرايين شعبنا الفلسطيني في الضفّة والقطاع، فالأسري خرجوا منظمين جداً، إيمانهم عميق بأنه بمقدور شعبنا الانتصار في معركته لأنه يواجه عدواً لا أخلاقياً يمكن هزيمته، وما يجمعه ليس أكثر من أوهام وأساطير يحاول إقناع نفسه بها. عن قرب، ووجهاً لوجه، وبالخبرة والتجربة عرف الأسري الفلسطينيون نساءً ورجالاً عدوهم.

 

 آلاف المحررين الفلسطينيين الذين تعلّموا في السجن، وطوّروا معرفتهم، وأتقنوا لغة عدوهم، وقرءوا خارطة تفكيره، ومسار حركته السياسية وتقلباتها، وتحالفاتها، وارتباطاتها، وأساليبها التي مارستها علي مدي عقود. وهم تجادلوا في الشأن الفلسطيني، وما مرّت به الحركة السياسية الفلسطينية، ودرسوا جيداً أسباب فشل الثورات الفلسطينية الذاتية والموضوعية واستخلصوا العبر، وهكذا صاروا عند خروجهم (الخميرة والملح)، وكانت الظروف مهيّأة لتفجّر الانتفاضة الكبري التي كانوا في طليعتها.

 

كان أصحاب قضية الأسر الفلسطيني في كافة معتقلات الذين يكويهم لظى القيد ويحرق أفئدتهم لهيب الحرمان ويجرح قلوبهم نار الشوق للأهل والوطن مبادرون دوماً لتصعيد قضيتهم حيث كانوا على الدوام جسراً لتحقيق الإنجازات سواء على صعيد تحسين الظرف الاعتقالي أو الضغط للإفراج عن المزيد منهم خاصة أصحاب الأمراض المزمنة والعاهات المتعددة.

 

وسلسلة حروب الأمعاء الخاوية التي قادها الأسرى في كافة قلاع التحدي الفلسطيني (عسقلان – غزة – نفحة السبع – كفاريونا – الرملة -  مجدو – الظاهرية – الفارعة – جنيد – النقب) تسطر بمداد الصبر لكافة الأسرى عظيم عطائهم وتضحياتهم، وكان آخر هذه الحروب العامة إضراب 2004 التاريخي وإضراب العام 2000 والتي سبقت انتفاضة الأقصى وكان لها دور بارز في إذكاء نار المقاومة لدى الشعب الفلسطيني. واليوم يسطر رجال القيد أسطورة تاريخية جديدة بتحديهم للجلاد بإعلان معركة الأمعاء الخاوية في قلاع الأسر والتي قد تقود إلى انتفاضة فلسطينية ثالثة ليضاف صفحة جديدة إلى تاريخهم النضالي المضيء عبر سنوات القيد الطويلة.

 

والمحاولات العدَّة سواء خارج قلاع التحدي الفلسطيني أو داخلها إن لم يكن لها نتيجة ملموسة في حل أزمة القيد الفلسطيني جذرياً إلا أنها كانت تقفز دوماً بقضية الأسرى فوق جدار الصمت والنسيان لتحدث به شروخاً يُسمع العالم قضية أسرى فلسطين. هذا كله عدا دور المؤسسات الإنسانية التي اهتمت بالأسير الفلسطيني وحاولت حل مشاكله سواء المادية أو المعنوية مع المحاولات المتكررة لطرح قضية الأسرى إعلامياً لتنال من الاهتمام ما يناسبها.

 

في يوم الأسير الفلسطيني

الأسرى أولاً..

السجن، والمعتقل، والزنزانة، وكل ظروف العزل، ومحاولات التدمير الممنهج التي استهدفت إرادة وإيمان الأسير الفلسطيني باءت بالفشل فالفلسطينيين حوّلوا المعتقلات والسجون إلي مدارس، وجامعات، ومعاهد.

 

 إن القفز على قضية الأسرى أو تجاهلها جرمٌ خطير أحمق لأنها بالدرجة الأولى قضية ذات بعد إنساني محض عدا كونها تحظى باهتمام منقطع النظير لدى كافة فئات الشعب الفلسطيني، لذلك أي تجاوز أو إبطاء أو إهمال أو نسيان لأسرى فلسطين تهمة كبيرة لمن يرتكبها.. ويبقى المفاوض الفلسطيني دون حل لهذه المعضلة جذرياً في قفص الاتهام بعد التفاهمات الفصائلية خاصة وأن القضية كانت بحاجة فقط إلي القليل من الضغط من جانب السلطة كي يخرج جميع الأسرى كما يقول روبنشتاين مهندس اتفاقيات أسلو. ولما أهمل هذا الملف تقدم أصحاب الشأن من الأسرى ليديروا المعركة بأنفسهم بعد أن استقرت الرسالة في وجدانهم "أنت لا تبلغ حقّك إلاّ بذراعك"، هذا هو الدرس الذي عرفه بالخبرة والتجربة شعبنا الفلسطيني، وهو ما طبّقه الأسري الفلسطينيون بلحمهم، وأمعائهم، حينما أعلنوا الإضراب عن الطعام مراراً واليوم مجدداً وحتي انتزاع حقوقهم أو ليكن الموت.

فإمّا حياة تسرّ الصديق                        وإمّا ممات يغيظ العدي


إنهم ينتصرون علي الشروط الرهيبة التي يدبّرها لهم العدو، يحوّلون أيام عزلتهم إلي (معرفة) وفعل جماعي، وبهذا يتقوون علي العدو ويرفعون رؤوسهم بكرامة ويحدّقون في عيون جلاّديهم. الكرامة التي دفعتهم لحمل السلاح هي التي جعلتهم يتخلون عن حياة الدعة الشخصية ويهبون كل شيء لشعبهم ووطنهم.

في السجون تنسج النسوة الفلسطينيات ويطرزن الثياب واللوحات وهنّ يرضعن أطفالهن منتظرات فجر حريّة فلسطين.. الأسري والأسيرات يطالبون بإدخال أطفالهم وطفلاتهم عند زيارتهم لتلمس وجوههم وتقبيلهم، وهذا ما تحرمهم منه سلطات سجون العدو الأكثر وحشية من كل المحتلين والغزاة عبر العصور. تضامنوا معهم، تابعوا أخبارهم، لا تسمحوا لعدونا أن يقتلهم في العتمة، فهم بنور عيونهم ينسجون خيوط فجر فلسطين ويبددون الغبش الذي ألحقه بها الساقطون، ويعلون من كبرياء الإنسان الفلسطيني العربي المسلم المقاوم...

 

الحركة الأسيرة صاحبة الدور المشهود في تفجير الانتفاضة الكبرى (1987) عادت من جديد باللحم والدم والأمعاء الفارغة أثناء انتفاضة الأقصى وستعود بعدها إدا لم  يتحقق إنجاز الإفراج عنهم لتضخ في حياة شعبنا السياسية حيوية من خلال تلاحم الجماهير مع الأسري، وتفعيل النشاطات الجماهيرية الميدانية، وتغليب الفعل الشعبي في شوارع المدن والقرى والمخيمات، وامتدّ هذا التفاعل إلي تجمعات الفلسطينيين في المنافي.

 

تحقق إنجاز تاريخي واستراتيجي بعقد صفقة الوفاء للأحرار بالإفراج عن 1027 أسير فلسطيني بعضهم أمضى ما يزيد عن 30 عاماً في القيد. واليوم يطلق الأسرى الإضراب الشامل عن الطعام في كافة باستيلات العدو. فهل جرس الأسرى الذي يدق بالدم مقدمة لانتفاضة فلسطينية ثالثة يساهم في قيادتها أسرى الحرية الذين يتحررون اليوم؟ وهل ستساهم قضية أسرى فلسطين في توحيد الشعب الفلسطيني؟

تحية لأسرى الحرية في يوم الأسير الفلسطيني وفي ظلال انتصار ارادة الأحرار خلف القضبان  في معركة الأمعاء الخاوية,

والأسرى على موعد مع فجر الحرية الآتي.

 

ويسألونك متى هو .. قل عسى أن يكون قريباً