#يوم_الأسير_الفلسطيني .. قفز فوق جدار النسيان

#يوم_الأسير_الفلسطيني .. قفز فوق جدار النسيان
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

لم يكن السجن والسجان ظاهرة حديثة في واقع البشر.. بل ظاهرة قديمة متجددة ولم تكن يوماً محصورة بقطر أو إقليم.. وإنما ظاهرة قائمة في كل المواقع والأزمنة.. وأسباب السجن على مدار التاريخ متعددة متنوعة.. والاعتقال السياسي هو الأبرز في عالمنا المعاصر الحديث مما يرسخ شعور الكثيرين بسيطرة الديكتاتورية رغم كل زخارف الديمقراطية وهتافها المرتفع.. فواقع الحال يغني عن المقال، فالسجون مشرعة أبوابها لاستقبال كل من يتنفس أو يهمس دون إذن مسبق حتى هتف شاعرنا..

غصَّ ما تحت السماوات وفوق الأرضين

بعيون المخبرين

كلُ إنسانٍ لدينا تهمة تمشي

ويمشي معها ألف كمين!!

نصفها في داخل السجن

ونصفٌ خارج السجن سجين!!

 

الأسير الفلسطيني:

لمَّا كان التاريخ الفلسطيني على طول المدى يتنقل من استبداد إلى سواه ومن احتلال لغيره فكان لأبناء الشعب الفلسطيني نصيب الأسد في خوض غمار تجربة الأسر بكل مرارتها وقسوتها وبكل متعتها كذلك لما تحمل من معاني التحدي والصمود والجلد، وفي السنوات القليلة الخوالي حيث الانتفاضتين، حيث لم ينجُ فلسطيني تقريباً من تجربة القيد حتى غدت أرقام الأسرى بالآلاف في شتى قلاع الأسر المتناثرة على طول الأرض الفلسطينية والتي تزايدت أعدادها وتوسعت مساحاتها بازدياد المنتسبين لهذه المرحلة الرحيبة التي اتسعت لكل فلسطيني مقدام..

 

تحفل تجربة الأسر بصور شتى متناقضة أحياناً في ذهن الأسير وتحمل انطباعات خاصة ليس سهلاً على من خاض هذه التجربة الحافلة نسيان هذا الجزء الهام من تاريخ حياته حيث صور المعاناة المختلفة والضيق المسيطر وحرمان الحرية خاصة تلك اللحظات التي يُسام فيها الأسير ألوان العذاب النفسي والجسدي.. مع لحظات الصمود والتضرع إلى الله تعالى بحفظ العقل والنفس في هذه اللحظات المخيفة.. وجزءٌ لا يُنسى كذلك لأنه لون جديد من الحياة تمتزج أرواح السجناء وتتلاصق قلباً واحداً.. فروح الجماعة السيد الآمر الناهي.. حيث لا مكان للذات والأنا في هذا القارب.. ويشعر الأسير خلال ذلك براحة نفسية واستقرار داخلي لأداء جزء من الواجب تجاه الدين والوطن والشعب..

 

السجن، والمعتقل، والزنزانة، وكل ظروف العزل، ومحاولات التدمير الممنهج التي استهدفت إرادة وإيمان الأسير الفلسطيني باءت بالفشل فالفلسطينيون حوّلوا المعتقلات والسجون إلي مدارس، وجامعات، ومعاهد تعليم لغات، ومحو أميّة، وهكذا تشكّل مجتمع فلسطيني حيوي متحد وراء الجدران المعتمة الرطبة، وتحت شمس الصحراء، وفي العراء، وتحت الخيام التي لا تقي من حرّ ولا ترد البرد، وهذا (المجتمع) بكل قوّته هو الذي زوّد شعبنا بالخبرات، والطاقات، وضخّ في شرايينه العافية، وفي روحه المزيد من الصلابة. المواجهة بين السجون، والمعتقلات، ومعسكرات الأسر، وبين الفلسطينيين تنتهي في كل الأحوال بخروج الفلسطينيين رجالاً ونساءً وأطفالاً مرفوعي الرؤوس، أمّا الخسائر الطفيفة فإنها ضريبة لا بدّ من دفعها.

في سجون العدو نساء فلسطينيات ولدن في الزنازين بعد اعتقالهن وهنّ حوامل، ومن أنجبنهم يعيشون معهن في الزنازين!. هناك أطفال وأمهات حرمن من رؤية أطفالهن وأفراد أسرهن.
في سجون ومعتقلات الصهاينة يحرم السجناء من لمس أيدي زوّارهم لأن سجّانيهم يضعون زجاجاً يفصل بينهم ويفرضون عليهم تبادل الكلام عبر (الإنترفون). في معتقلات (أوشفتز) الديمقراطية تتم تعرية الأسري والأسيرات بحجّة تفتيشهم لإذلالهم وتحطيم كبريائهم تماماً كما حدث في سجن (أبو غريب)!. أذكّركم بأن الجنرال الأمريكية (كاربنسكي) التي كانت مديرة لسجن (أبو غريب) صرّحت بأنها التقت ذات يوم بشخص غريب يتجوّل في السجن، وعرفت أنه (إسرائيلي). ذلك الشخص دخل العراق وتوجّه إلي سجن (أبو غريب) لتقديم الخبرات التي اكتسبت في التعامل مع الفلسطينيين للحفاء الأمريكيين ليطبقوها علي السجناء والأسري العراقيين!

 

ودور الأسير لا يمكن تجاوزه أو القفز عنه أو نسيانه..دوره في بناء مجتمعه وكيانه حيث يقدم روحه ونفسه هبة للبناء والصعود فعلى أكتافه يرقى المجتمع ويحقق إنجازاته وطموحاته في التحرر والحياة الحرة الكريمة.. وأي مجتمع أو فرد ينكر هذا الدور يساهم بمزيد من التزيف والتضليل لذاته أولاً.. وبذلك غدا السجن والقيد سواراً حول معصم الأسير و رمزاً ثابتاً لمعاني الفداء والتفاني..

 

المُعتقل والتغير السياسي..

قضية أسرى فلسطين خضعت دوماً للمتغيرات السياسية لأن أسباب الاعتقال والقيد سياسية.. وبالنظر إلى حال سجيننا الفلسطيني في واقع التغيرات السياسية اليوم.. وكيف يغدو الأسير بعد اتفاقات أوسلو وواشنطن والقاهرة؟! وبعد مؤتمرات شرم الشيخ والعقبة؟! وبعد حوارات القاهرة وصيغ التفاهم؟! وبعد قرار الإنسحاب من غزة والتهدئة السابقة؟!

 

أُدرجت قضية أسرى فلسطين على جدول التفاوض الإسرائيلي – الفلسطيني، ولم يملّ المفاوض الفلسطيني طرحها كمطلب ملّح يحفظ له على الأقل ماء الوجه، وتعهدت إسرائيل قبل التوقيع في القاهرة على الإفراج عن خمسة آلاف سجين فلسطيني فور التوقيع ولم تفِ إسرائيل وأبقت قضية الأسرى على جدول الابتزاز السياسي، تربطها بتوقيع تعهدات تارة وبشروط بقائهم في مناطق الحكم الذاتي تارة وبربط قضيتهم بقضية وجود عملاء للاحتلال وضرورة العفو عنهم أولاً تارة ثالثة وضرورة ضرب قوى المقاومة وجمع سلاحها تارة رابعة.

وإلى هذه اللحظة لم يحدث أي إنجاز لقضية الأسرى بطريق التفاوض السياسي..

 

الأسرى ودور الشعب الفلسطيني..

لم تنعدم محاولات التجاوب مع قضية الأسرى من الشعب الفلسطيني بكافة توجهاته وتنوعت هذه المحاولات وتعددت حيث الاعتصامات والاضرابات.. والمسيرات إضافة إلى محاولات العمل الثوري لاطلاق سراح الأسرى حيث أجادت حماس تجسيد هذا الدور، والاندفاع بحرارة سابقاً في أدائه ربما لوجود طليعة قيادية مثقفة من قيادات وكوادر الحركة خلف جدار النسيان في دلك الوقت وعلى رأسهم الشيخ الشهيد أحمد ياسين رحمه الله  مما شكل باعث قلق كبير ودفع هذه الحركة مراراً محاولة الإفراج عن الأسرى عبر عمليات عسكرية منها خطف الشرطي الإسرائيلي نسيم توليدانو وطلب الإفراج عن الشيخ ياسين مقابل إطلاق سراحه، وكذلك محاولة خطف الباص رقم 25 قرب التلة الفرنسية في القدس حيث استشهد على إثرها ماهر سرور ومحمد الهندي وهما عضوان في خلايا عز الدين القسام الجناح العسكري لحماس وإصابة العضو الثالث صلاح عثمان.. ومحاولة الحركة المساومة على جثة الجندي ايلان سعدون الذي اختطف عام 88 ولم تعثر الحكومة الإسرائيلية على جثته، وخطف الجندي ناخشون فاكسمان والمطالبة بالإفراج عن الشيخ ياسين وشحادة وديراني وعبيد ومجموعة من معتقلي كافة الاتجاهات الفلسطينية.. وقد تم هذا الحدث بعد أن كاد غبار النسيان يعلو قضية الأسرى الفلسطينيين ولم يعُد التفاوض السياسي محققاً للأهداف، ثم جاء الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين بعد محاولة اغتيال خالد مشعل في عمان والإفراج عن ستين معتقلاً لبنانياً نظير جثة جندي إسرائيلي ولكن بقيت قضية الأسرى مشتعلة. ثم كانت صفقة الإفراج عن الأسرى اللبنانيين بطريق القوة لترسخ رسالة جديدة في الوجدان الفلسطيني مفادها أن الأسرى لن يخرجوا دون توفر ضغط قوي على حكومة إسرائيل. وها هي حكومة أولمرت تؤكد ذلك عبر إفراجها عن عدد محدود جداً وبشكل مزاجي في إطار تفاهمات مما ينذر بتفاقم هده المعضلة وإبقائها الفتيل الذي قد يفجر كل شيء. واليوم هناك فرصة ثمينة للإفراج عن شريحة هامة من الأسرى وذلك عبر حسن إدارة ملف شاليط الذي مضى على أسره 1000 يوم ولمًا يرضخ الإحتلال بعد لشروط المقاومة كاملة.

 

 الأسرى و القفز على جدار النسيان..

عمليات تبادل الأسري بين الفلسطينيين والعدو الصهيوني ضخّت دماً معافي في شرايين شعبنا الفلسطيني في الضفّة والقطاع، فالأسري خرجوا منظمين جداً، إيمانهم عميق بأنه بمقدور شعبنا الانتصار في معركته لأنه يواجه عدواً يمكن هزيمته لأنه علي باطل، ولأنه يعاني من ضعف أخلاقي، وما يجمعه ليس أكثر من أوهام وأساطير يحاول إقناع نفسه بها. عن قرب، ووجهاً لوجه، وبالخبرة والتجربة عرف الأسري الفلسطينيون نساءً ورجالاً عدوهم.
ألاف المحررين الفلسطينيين الذين تعلّموا في السجن، وطوّروا معرفتهم، وأتقنوا لغة عدوهم، وقرأوا خارطة تفكيره، ومسار حركته السياسية وتقلباتها، وتحالفاتها، وارتباطاتها، وأساليبها التي مارستها علي مدي عقود. وهم تجادلوا في الشأن الفلسطيني، وما مرّت به الحركة السياسية الفلسطينية، ودرسوا جيداً أسباب فشل الثورات الفلسطينية الذاتية والموضوعية واستخلصوا العبر، وهكذا صاروا عند خروجهم (الخميرة والملح)، وكانت الظروف مهيّأة لتفجّر الانتفاضة الكبري التي كانوا في طليعتها.

 

كان أصحاب قضية الأسر الفلسطيني في كافة معتقلات الذين يكويهم لظى القيد ويحرق أفئدتهم لهيب الحرمان ويجرح قلوبهم نار الشوق للأهل والوطن مبادرون دوماً لتصعيد قضيتهم حيث كانوا على الدوام جسراً لتحقيق الإنجازات سواء على صعيد تحسين الظرف الاعتقالي أو الضغط للإفراج عن المزيد منهم خاصة أصحاب الأمراض المزمنة والعاهات المتعددة.

وسلسلة حروب الأمعاء الخاوية التي قادها الأسرى في كافة قلاع التحدي الفلسطيني (عسقلان – غزة – نفحة السبع – كفاريونا – الرملة -  مجدو – الظاهرية – الفارعة – جنيد – النقب) تسطر بمداد الصبر لكافة الأسرى عظيم عطائهم وتضحياتهم، وكان آخر هذه الحروب العامة إضراب 2004 التاريخي وإضراب العام 2000 والتي سبقت إنتفاضة الأقصى وكان لها دور بارز في إذكاء نار المقاومة لدى الشعب الفلسطيني. واليوم يسطر رجال القيد أسطورة تاريخية جديدة بتحديهم للجلاد في قلاع الأسر والتي قد تقود إلى إنتفاضة فلسطينية ثالثة ليضاف صفحة جديدة إلى تاريخهم النضالي المضيء عبر سنوات القيد الطويلة.

والمحاولات العدَّة سواء خارج قلاع التحدي الفلسطيني أو داخلها إن لم يكن لها نتيجة ملموسة في حل أزمة القيد الفلسطيني جذرياً إلا أنها كانت تقفز دوماً بقضية الأسرى فوق جدار الصمت والنسيان لتحدث به شروخاً يُسمع العالم قضية أسرى فلسطين.

هذا كله عدا دور المؤسسات الإنسانية التي اهتمت بالأسير الفلسطيني وحاولت حل مشاكله سواء المادية أو المعنوية مع المحاولات المتكررة لطرح قضية الأسرى إعلامياً لتنال من الاهتمام ما يناسبها.

 

الأسرى أولاً..

السجن، والمعتقل، والزنزانة، وكل ظروف العزل، ومحاولات التدمير الممنهج التي استهدفت إرادة وإيمان الأسير الفلسطيني باءت بالفشل فالفلسطينيون حوّلوا المعتقلات والسجون إلي مدارس، وجامعات، ومعاهد.

 إن القفز على قضية الأسرى أو تجاهلها جرمٌ خطير أحمق لأنها بالدرجة الأولى قضية ذات بعد إنساني محض عدا كونها تحظى باهتمام منقطع النظير لدى كافة فئات الشعب الفلسطيني، لذلك أي تجاوز أو إبطاء أو إهمال أو نسيان لأسرى فلسطين تهمة كبيرة لمن يرتكبها.. ويبقى المفاوض الفلسطيني دون حل لهذه المعضلة جذرياً في قفص الاتهام بعد التفاهمات الفصائلية خاصة وأن القضية كانت بحاجة فقط إلي القليل من الضغط من جانب السلطة كي يخرج جميع الأسرى كما يقول روبنشتاين مهندس إتفاقيات أسلو. ولما أهمل هدا الملف تقدم أصحاب الشأن من الأسرى ليديروا المعركة بأنفسهم بعد أن استقرت الرسالة في وجدانهم "أنت لا تبلغ حقّك إلاّ بذراعك"، هذا هو الدرس الذي عرفه بالخبرة والتجربة شعبنا الفلسطيني، وهو ما طبّقه الأسري الفلسطينيون بلحمهم، وأمعائهم، حينما أعلنوا الإضراب عن الطعام مراراً وحتي انتزاع حقوقهم أو ليكن الموت.

فإمّا حياة تسرّ الصديق                        وإمّا ممات يغيظ العدي
إنهم ينتصرون علي الشروط الرهيبة التي يدبّرها لهم العدو، يحوّلون أيام عزلتهم إلي (معرفة) وفعل جماعي، وبهذا يتقوون علي العدو ويرفعون رؤوسهم بكرامة ويحدّقون في عيون جلاّديهم. الكرامة التي دفعتهم لحمل السلاح هي التي جعلتهم يتخلون عن حياة الدعة الشخصية ويهبون كل شيء لشعبهم ووطنهم.

في السجون تنسج النسوة الفلسطينيات ويطرزن الثياب واللوحات وهنّ يرضعن أطفالهن منتظرات فجر حريّة فلسطين.. الأسري والأسيرات يطالبون بإدخال أطفالهم وطفلاتهم عند زيارتهم لتلمس وجوههم وتقبيلهم، وهذا ما تحرمهم منه سلطات سجون العدو الأكثر وحشية من كل المحتلين والغزاة عبر العصور. تضامنوا معهم، تابعوا أخبارهم، لا تسمحوا لعدونا أن يقتلهم في العتمة، فهم بنور عيونهم ينسجون خيوط فجر فلسطين ويبددون الغبش الذي ألحقه بها الساقطون، ويعلون من كبرياء الإنسان الفلسطيني العربي المسلم المقاوم...

 

الحركة الأسيرة صاحبة الدور المشهود في تفجير الانتفاضة الكبري (1987) عادت من جديد باللحم والدم والأمعاء الفارغة أثناء إنتفاضة الأقصى وستعود بعدها إدا لم  يتحقق إنجاز الإفراج عنهم لتضخ في حياة شعبنا السياسية حيوية من خلال تلاحم الجماهير مع الأسري، وتفعيل النشاطات الجماهيرية الميدانية، وتغليب الفعل الشعبي في شوارع المدن والقري والمخيمات، ومدّ هذا التفاعل إلي تجمعات الفلسطينيين في المنافي.

فهل ستنجح صفقة شاليط بالإفراج عن عدد من الأسرى؟ وهل جرس الأسرى الذي يدق بالدم مقدمة لانتفاضة فلسطينية ثالثة؟ وهل ستساهم قضية أسرى فلسطين في توحيد الشعب الفلسطيني؟

تحية لأسرى الحرية في يوم الأسير ونحن على موعد مع فجر الحرية الآتي.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...