غزة في عين العاصفة

غزة في عين العاصفة
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

قاصرة تلك القراءة التي تختصر المشهد في قطاع غزة بمشهد تهدئة أو صواريخ أو أنفاق تُدمر أو حصار خانق يتصاعد عبر مفاعيل خصم الرواتب، وأزمة الكهرباء المتفاقمة، وإغلاق دائم للمعبر وغيرها، إلى غير ما هنالك من تفسيرات ومطالعات، فما يجري ضد القطاع الجائع والمحاصر والملاحق بحصار ممتد جائر وبالعدوان المتكرر، ليس في واقع الحال، سوى حلقة في سلسلة متعددة الحلقات، تبدأ من غزة ولا تنتهي في واشنطن مرورا بتل أبيب والقاهرة والرياض وطهران وأنقرة والدوحة وأبو ظبي وعواصم الثورة والإنقلاب والتبعية، وأخيراً في كواليس قمة البحر الميت العربية، وكذا قمة الرياض الترامبية!!!

وضع غزة تحت الحصار يأتي في سياق رغبة أطراف العدوان والحصار في تحقيق هزيمة لمشروع العزة، و"تمديد مسار التسوية " في اتفاق إطار جديد يرعاه ترامب عبر مؤتمر إقليمي للسلام!! عنوانه ضياع القضية وعمل أبناء فلسطين حراس حدود الدولة اليهودية وعقد اتفاق الإطار الذي يمثل نقطة بدء الفصل الأخير في سيناريو تصفية القضية وسدنتها. ولجعل غزة الصامدة في وجه العدوان والحصار عبرة لمن اعتبر ومن لم يعتبر من الإسلاميين العرب الذين تحدوا هيبة أنظمتهم وحكامهم وتصفية الحساب مع مشروع المقاومة والثورة في ميادين التحرير والتغيير. ومن هنا تأتي محاولات سحب الغطاء السياسي العربي عن غزة، ومحاولة تصوير غزة كإقليم متمرد إلا من أصوات ضعيفة متناثرة.

إن الانكشاف الواضح لبعض الأنظمة العربية في علاقتها بفلسطين القضية والإنسان لم يعد بحاجة لإثبات، وما لاشك فيه أن بعض العرب يساهمون في الإعداد لسيناريو محاولة إسقاط غزة الملهمة والنابضة بالمقاومة. وما لا ليس خافياَ تواطؤ وتآمر ترتكبه حفنة عربية وفلسطينية للأسف في ذات السياق، وهناك من الدلائل والمعلومات وخائنات الأعين وسقطات الألسن ما يؤكد الشراكة المباشرة في محاولة إسقاط نموذج غزة المتبقي ليمنحوا الغطاء لتمرير مخططاتهم ومؤامراتهم.

 وقد أبرزت مفترقات غزة القاسية ومحطاتها الفاصلة حالة الفرقان. لقد أبرزت الشعوب العربية بشكل متزايد وعيًا وثورة وتضحية فائقة، ورفعت المقاومة الفلسطينية منسوب الجرأة لدى الجميع. ولقد برزت المقاومة الفلسطينية الرائعة وعلى رأسها كتائب القسام بوجه مشرف و أثبتت أن سقف الأمة هو سقف المقاومة والثورة وليس سقف المساومة الخرق، وأن هناك مفاهيم جديدة للصراع مع الصهاينة ستثبت فيها المقاومة والثورة أنها الأجدر لقيادة الأمة،  وفي المقابل تعرت عروش، وانكشفت سوءات، لأن انتصار المقاومة والثورة يهدد هذه العروش ويكشف وظيفتها الحقيقية القمئة.

غزة في عين العاصفة وهي عمود خيمة الأمة الرئيس في مشروع الحرية للأمة والتحرير لفلسطين، ومن هنا يبدو السعي المحموم لإسقاطه متزايد هذه الآونة، ومن أسس استمرار هذا المشروع القيَّمي الحضاري استقرار هذا النموذج واستمراره ومن اللازم لتحقيق ذلك مصالحة حقيقية تتقدم بشكل مضطرد على أساس من المصالح الفلسطينية الاستراتيجية، ولا أرى مانعاً من حكومة وحدة وطنية وانتخابات تمثيلية حقيقية لمؤسسات الشعب الفلسطيني خروجاً من شرنقة الانقسام والحصار.

لا بد من الاستمرار في ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة الذين يتحملون مسئولية الجرائم ضد الإنسانية. وعلى صعيد آخر لا بد من الاستمرار في مخاطبة الأحرار في العالم للاستمرار في حملاتهم وشرايين الحياة, وما يصاحب ذلك من إعلام منظم يوضح حجم المأساة التي يسببها الاحتلال والحصار، وكذلك المذابح التي يرتكبها قادته، مع دعوات صادقة برفع المظلومية عن غزة.

وبوتيرة متسارعة يبدو أن خناق الحصار مطلوب أن يلتف على عنق غزة مزيداً من الخنق بوسائل شتى دون إدراك واعي أو فهم عميق لأطراف الحصار لمآلات الخنق المجنون لغزة، في ذات السياق، تبدو القراءة السياسية العميقة بوصول ترامب ورؤيته لمشروع التصفية، مع الحالة العربية الآسنة والواقع الفلسطيني المنقسم وطنياً وفصائلياً والمأزوم في مشروع حل الدولتين وسقوطه المريع باتجاه مشروع الحكم الذاتي في الضفة على أساس من دولة ضفدع وظيفية، مع ارتفاع الصوت باتجاه مشروع دولة غزة منزوعة (حماس) ومشروع المقاومة.

فشل أهداف التآمر والحصار والعدوان ضرورة لا تتحقق إلا بالصمود والصبر والثبات، والوفاء للشهداء والجرحى والثكلى والأرامل والأيتام وأصحاب البيوت المدمرة وبإظهار المظلومية التي يتعرض لها شعبنا الأبي. ولغزة الحق أن تجني ثمار صبرها وثباتها وصمودها بأن تكون رأس الحربة في مشروع التحرير، ولا بد من الحذر من المحاولات المستمرة للالتفاف على هذا الصمود والانتصار بإسقاط هذا النموذج في عتمة ليل بدون كهرباء وفي مخصصات مالية تتناقص وتقاعد مبكر على أساس من مخصصات حد الكفاف وإغلاق مُحكم لكافة مقومات الحياة وعلى رأسها معبر رفح.

بالتأكيد معركة غزة العزة هي  معركة الأمة وهي معركة مصيرية بالنسبة للقضية الفلسطينية وحاسمة للأمة، ويجب التصرف بمسؤولية عالية، وشجاعة فائقة فالقضية أمانة في عنق الأمناء الأوفياء الذين يضمهم المشروع الوطني الفلسطيني الجامع بقواه الحية سواء من فتح أو حماس أو اليسار أو كافة القوى الوطنية بعد تخلي البعض عنها، بعدما أصابهم من تهتك وتفريط وخيانة والمؤامرة كبيرة بعدما أصاب البعض من حمى العداء وفكر الاستئصال والإسقاط.

" وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (يوسف: 21)