النكبة والنكسة والعودة

النكبة والنكسة والعودة
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

النكبة والنكسة وذكراهما ضوء أحمر يشتعل في منتصف أيار من كل عام ليتذكر شعب اللجوء ما لم ينسه، ويحيي ما لم يمته، ويعيش مجدداً على أمل العودة ويعزف على أنغام الذكرى لحن العودة ليرهف العالم سمعه إلى الشعب الوحيد اللاجئ في القرن الحادي والعشرون وهو يقترب من ذكرى عقده السابع في لجوء وتشرد وحرمان. واليوم في الخامس من يونيو 1967 تطالعك ذكرى النكسة في عقدها الخامس، حيث هزيمة الذل والعار تتجلى لتضع النقاط على الحروف في بعثرة ما بقي من فلسطين التاريخ والحضارة والإنسان.

النكبة والنكسة واغتصاب فلسطين مشروع استيطان غربي رأس حربته المشروع الصهيوني يهدف إلى حماية إمبراطوريات الغرب التي ترى أن المنطقة العربية يتوفر لها مقومات التراث في التاريخ والجغرافيا والدين واللغة وإن نهضتها ووحدتها ستشكل تهديداً استراتيجياً لإمبراطوريات الغرب، فكان القرار بزراعة جسم غريب. فكان الكيان الصهيوني كيان إحلالي، ويصاحَبَ تلك المرحلة ضعف في جسد الأمة في شتى النواحي سمح للإمبراطورية الغربية أن تنفذ مشروعها.

عناصر الهزيمة في النكبة والنكسة تجلت بكافة أبعادها لينتقل الشعب الفلسطيني من نكبة إلى نكسة، فالانصراف عن مقومات النصر عبر تشتت الانتماءات، سيطرة الجهالة العقدية والفكرية والسياسية، والتسليم للأجنبي، والقتال إلى جانب العدو ضد الأخ والصديق. فكانت النكبة التي ينبغي محوها ببناء أجيال جديدة تملك مقومات محو المرحلة ومشروعها ألإحلالي، وذلك باعتماد فلسطين وقضيتها مركزية الصراع الكوني.

 لم تتوقف المعاناة الفلسطينية بالنكبة والنكسة ولكن للأسف فقد غدت خارطة التوزع الديمغرافي الفلسطينية متشعبة، والانتشار الفلسطيني يعكس بشكل مثير التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقانونية والعسكرية والفكرية وغيرها (ثلث في أراضي السلطة، وثُلث في دول الطوق، وثُلث في المنافي والمهاجر). ومن هنا فقد تعدد اللجوء في جبين الإنسان الفلسطيني حتى غدا يسأل إلى أين أعود؟ وبأي عودة أطالب؟ وبأي تعويض آمل؟ وكيف أجزّئ عودتي كما تجزأت حياتي؟ هل أطالب بحق العودة إلى مخيم النبطية (1974)؟ أم إلى مخيم تل الزعتر (1976)؟ أم إلى مخيمي صبرا وشاتيلا (1982)؟ أم إلى برج البراجنة (1985)؟ أم إلى نهر البارد؟ أم إلى لبنان كله، بعد هجرته ضمن موجات الهجرة إلى أوروبا؟ أم إلى العراق بعد فرض اللجوء مجدداً عليه إلى أمريكا اللاتينية؟ أم إلى اليرموك وسوريا؟ . أم...

أظهر استطلاع رأي ميداني حول اتجاهات اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات قطاع غزة نحو حق العودة أن 94,3 % أكدوا أن حق العودة إلى فلسطين مقدس ولا يمكن التفريط فيه, وقد أعرب 97 % عن إصرارهم وتمسكهم بالعودة إلى بلدانهم الأصلية التي هُجّروا منها, بينما عارض 85,3 % أن تتم العودة فقط إلى قطاع غزة والضفة الغربية, ورفض 87,2 % التجاوب مع دعوات التنازل عن حق العودة, وفي ذات السياق عارض 82,8 % أن يكون تطبيق حق العودة من خلال عودة بضعة آلاف من اللاجئين إلى ديارهم وتوطين الباقين وتعويضهم.

في الذكرى السابعة والستين للنكبة و الثامنة والأربعون للنكسة مطلوب من أهل فلسطين السليبة أن يستبينوا طريق العودة, والخطوة الأولى في ذلك بتثبيت الحق السياسي والإنساني والقانوني الفردي والجماعي للعودة. وقد كان التمسّك بالعودة ولا يزال هو الخيار الذي يحظى بالالتفاف الشعبي الفلسطيني. ومن المنظور الشعبي، هناك حماية يوفرها الشعب الفلسطيني لحق العودة. علاوة على أن قوة الحق في الحالة الفلسطينية مسنودة بموقف قانوني وحقوقي دولي عام. يعني ذلك بحسابات القوّة السياسية، أن الذي يتبنى حق العودة مسنود شعبياً، وأن الذي يسقط حق العودة سيضطر إلى البحث عن " شرعية خارجية " توفر الدعم السياسي والإسناد المادي وتكيل عبارات الثناء والإعجاب في كل جولة.

حق العودة لن ينته سياسياً إلا من خلال الفلسطينيين أنفسهم بتوقيع اتفاقيات دولية تسقط حق العودة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وهناك ترويج جدي لذلك عبر ما يسمى بمشروع بناء دولة مبهمة بأن تكون قادرة على استيعاب عودة اللاجئين إليها. مع العلم أن التطبيع مع الاحتلال والاستباق في إعلان الدولة الفلسطينية الوظيفية على المقاس الإسرائيلي والتعامل مع الاحتلال كشريك في المفاوضات ومحاربة ما يسمونه بالإرهاب ليست إلا قطعاً لطريق العودة وقد يؤدي ذلك في وقت من الأوقات إلى إسقاط حق العودة دولياً. وللأسف أيضاً المبادرة العربية كما تم تبنيها في قرار الجامعة العربية في نيسان 2002، تتضمن بنداً يتعلق باللاجئين: " حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين ، يتم التوافق عليه بما يتناسب مع القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ". ومن هنا يتضح مصادرة مبادرة السلام العربية من اللاجئ صلاحيته الحصرية في اتخاذ القرار وتخضعها لاتفاق سياسي بين إسرائيل والجانب الفلسطيني، بذلك تحصل إسرائيل على "حق نقض فعلي" بشأن عودة اللاجئين إلى حدودها, وللعلم فإن الاتفاق سيكون "بما يتناسب مع القرار 194" ووفقاً لمبدأ دولتين لشعبين، إذاً ستكون عودة اللاجئين إلى الضفة وغزة إن تمت .

ومن هنا كان السؤال المشروع أين هي الخطوط الحمراء التي يطرحها جناح التفاوض الفلسطيني؟ فقد تجرد الخطاب السياسي الفلسطيني في جناح التسوية من سلسة المسلّمات أو الثوابت باسم "الواقعية السياسية" بل نمت في ثنايا الموقف نزعة اعتذاريه تراعي توقعات الآخر وتحاول التماشي مع ثوابته، لأن ثوابتنا عندما تغيب تُفسح الطريق لثوابت الخصم كي تتقدم. ويغدو المطلوب من المفاوض الفلسطيني الانشغال بحل المعضلة الإسرائيلية في ما يتعلق بالمخاوف الديموغرافية الناجمة عن مسألة اللاجئين. و ما يدعو للحذر أن التعامل مع ملف اللاجئين بمنطق التفاوض الحالي، يتجه إلى تفكيك هذه الحالات، ومحاولة تصريفها عبر منافذ متعددة كالتوطين والتهجير واعتماد مُسمى جديد "المُغتربين" وما إلى ذلك . ولقد قيل الكثير عن خطورة تفكيك حالة فلسطيني العراق وسوريا، وما آل إليه مخيم نهر البارد ، وما يمكن أن تثيره هاتان الحالتان من تأويلات . للأسف يسعى المفاوض الفلسطيني إلى " حل بأي ثمن " وخاصة مع الاندفاع والعودة للمفاوضات على الرغم من اختلال جسيم في التوازنات ، بل في ظل انقسام يضعف الساحة الفلسطينية ويبدد أوراق مفاوضيها .ويبقى السؤال المشروع قائماً عن مبرر الزج بملفات جوهرية في ملابسات تفاوضية خاسرة .ومن هنا فأننا بحاجة إلى خطاب سياسي فلسطيني جديد في ما يتعلق بحق العودة.

الرغبة الصهيونية والأمريكية العارمة في كسر شوكة المشروع الفلسطيني القائم على حلم العودة والانغراس في الأرض أيقظ في عقلية المشروع الصهيوني ما أسماه مشاريع التوطين القائمة على إسكان وإسكات الفلسطيني حيثما يكون بعيداً عن أرض الميعاد فكانت المشروعات تلو المشروعات الهادفة إلى التوطين وما أسموه التعويض مقابل إسقاط حق العودة ولكن كل ذلك لم يُخرج الفلسطيني عن دائرته ومشروعه في العودة التي ما يزال يعيش حلمها فكان الفشل الذريع لكل مشاريع سلب الحق والإقرار الفلسطيني بالتنازل عن هذا الحق المقدس وبقي الفلسطيني منتظراً على بوابة الوطن لا يعيش في فلسطين ولكن تحيا فلسطين في سويداء قلبه حيث حل أو ارتحل متمسكاً بمفتاح البيت وقوشان الطابو ليثبت حقه يوم يعود أو يعود ولده إلى أرضه.

إن الحذر السياسي في هذه المرحلة الدقيقة ضرورة وطنية وذلك باعتماد أن كل من ينزلق إلى مربع المساومة على الحق الفلسطيني إنما ينزلق في أتون الخيانة الوطنية. إن الاحتفاظ بالحق وإن لم يتحقق يمثل صيانة للمشروع الوطني مع استمرار العمل على تحقيق ذلك بطرح مشروع موحد لتنفيذ حق العودة أو على الأقل إحياء حق العودة وتناقله عبر الأجيال. وإعادة بناء منظمة التحرير يمثل قضية محورية في طريق صيانة الحق الفلسطيني حيث أن المنظمة تشكل بيت الفلسطينيين جميعاً والمؤسسة التي ينبغي أن تسعى لتحقيق آمالهم وطموحاتهم في العودة.

إن الفرق بين الهزيمة والانتصار جد شاسع وإذا كانت النكبة والنكسة المعلم الأبرز للهزيمة والاندحار والتراجع العربي فإنها كذلك بداية لعودة الوعي لتكون الانتفاضة أول مؤشرات بداية الانتصار على طريق العودة بعد اللجوء وبعد الهزيمة. فقد أشعل شعب فلسطين انتفاضته الأولى بعد عقود من النكبة ليكتب برأس الصفحة الأولى ملامح لصورة الانتصار وليغرس فسيلة الحرية بعد أن بدأ يستعيد وعيه بالسعي لامتلاك مقومات الانتصار بالعودة إلى الانتماء، ولينشأ جيل الوعي بالأرض والهوية مع الاستعداد الكافي للتضحية رغم شح الإمكانات وقلة الموارد وضعف ذات اليد وتخلي القريب وجفوة البعيد. ويعزز ذلك بانتفاضته الثانية الأدق تنظيماً وأكثر إيلاماً للعدو وإدماءً له، والأعظم تضحيةً وعطاءً من جانب شعب الشهادة الذي قدم عبر هذه الانتفاضة خيرة قادته شهداء على مذبح الحرية. ويحقق عبر هذه الانتفاضة الاندحار الأول للمشروع الصهيوني عن جزءٍ عزيزٍ من أرضه الغالية والتي يمكن أن يقيم عليها الدولة بعيداً عن اشتراطات الاحتلال وسعياً لتحرير أرض إضافية مع بقاء الصراع مفتوحاً لتقول فيه أجيال اللجوء والنكبة والنكسة كلمتها الأخيرة خاصة بعد جولة 2014 القاسية و المبشرة في ذكراها الأولى، وربما يقف شعب اللجوء اليوم على أبواب تجديد انتفاضته الثالثة مواصلاً التشبث بحلم العودة.

إن تحسين ظروف المعيشة للاجئين الفلسطينيين في المخيمات قضية إنسانية واجتماعية وبيئية وسياسية مطلوبة لتقوية اللاجئ ومساعدته على التمسك بحق العودة، وأن النظرية التي كانت تتبناها منظمة التحرير وبعض الأنظمة العربية أثبتت فشلها وعدم جدواها والتي تقول بضرورة بقاء الوضع السيئ في المخيمات حتى تبقى قضية اللاجئين حية. وبالتأكيد فإن اللاجئ المعدم و الجاهل والفقير و المريض سيصعب عليه التمسك بحق العودة في ظل ظروف معيشية سيئة.

ولقد أثبتت التجربة أن اللاجئ الذي يعيش في ظروف معيشية جيدة ومريحة لديه قدرة كبيرة على التمسك بحق العودة والدفاع عنه بكل قوة، وما وجود الفلسطينيين اللاجئين في الغرب إلا أكبر دليل على ذلك حيث أصبحوا اليوم هم من يحملون شعلة النضال والمطالبة بحق العودة أمام المجتمعات الغربية ويشكلون سندا قويا للقيادات المحلية المتمسكة بحق العودة. وللعلم فإن عدد اللاجئين الفلسطينيين يتجاوز اليوم الستة ملايين لاجئ، لا يسكن منهم في المخيمات إلا 2.5 مليون، فهل سكان المخيمات بعددهم القليل الذي يزيد على الثلث بقليل هم فقط من سيحفظ حق العودة.

في طريق العودة إلى أرض البرتقال والزيتون من الضروري تبني منظمة التحرير والسلطة لجسم إداري يتبنى ملف اللاجئين ويتولى عملية المتابعة والتنسيق مع الوكالة والجهات الدولية الأخرى مع مصاحبة ذلك بتشكيل لجان للاجئين في المخيمات الفلسطينية تتولى عملية المتابعة مع الحكومة. وعلينا التعامل مع القضايا اليومية للاجئين على أنها تدخل في إطار إدارة الصراع وليس في حله، مع مراعاة الظروف الإنسانية والمعيشية لسكان المخيمات. ولا يمكن هنا تجاهل إقامة علاقة شراكة وتعاون متينة مع وكالة الغوث. وقطعاً لطريق التفريط أو التنازل عن حق العودة, من الضروري تكثيف اللقاءات والاجتماعات في الداخل والخارج مع الجهات الدولية والعربية لطرح ملف اللاجئين والعودة، ولا يمكن أن ننسى أن العمل الوطني الموحد يقصر طريق للعودة.

وأساس العمل في طريق العودة ينطلق من خلال صناعة الوعي الفلسطيني بالتركيز على حق العودة في المناهج الدراسية والجامعية، والأنشطة اللامنهجية والتركيز على بناء الإنسان الفلسطيني بشكل عام وضرورة تمسكه في حق العودة، لأن حق العودة ليست قضية للاجئين فقط، بل هي قضية وطن مسلوب وأرض مغتصبة وشعب مشرد.

وإحياء ذكرى النكبة و النكسة يتم بالعمل الوطني المشترك بين جميع القوى ورفع شعار موحد "معاً سنعود" مع تجسيد معالم الوطن بمشروع تجسيد الذاكرة الفلسطينية لتبقى حاضرة بين أيدي الأجيال الفلسطينية في كل لحظة. كما يمكن انطلاق أكبر مسيرة موحدة في يوم ذكرى النكبة وخاصة من كبار السن تنطلق نحو الحدود من شتى دول اللجوء وكذلك من الضفة الغربية وقطاع غزة. مع تفعيل العمل القانوني والدولي ورفع القضايا القانونية ضد الاحتلال الذي أغتصب الأرض وشرد الشعب.

الليالي الفلسطينية حبلى وتلد كل جديد، وإن إحياء ذاكرة النكبة والنكسة وحق الشعب الفلسطيني في المقاومة مهمة وطنية من الدرجة الأولى تسقط أمامها الكثير من الأولويات، وتفتح المجال خصباً أمام المجموع الفلسطيني أن يتحرك للأمام على أساس الحقوق في جملة من السياسات والبرامج والأنشطة متجاوزين حالة الاستقطاب السياسي بتقديم أولوية العمل للمصلحة الوطنية العليا وعلى رأسها حق العودة وصيانته وتنفيذه. إن الشعور اليقظ بالنكبة والنكسة ونتائجها يحيى مشروع الحق الفلسطيني ليحاصر مشروع الاجتثاث والتمدد الصهيوني ويلجمه. نعم لم يستطع إلى الآن المشروع التحرري هزيمة المشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية لما يملكه المشروع الصهيوني من إمداد وعون. ولكنه شرف عظيم أن يمتلك المشروع الفلسطيني الذي يعيش على حلم العودة القدرة على الصمود ومشاغلة المشروع الصهيوني وإدمائه والحكم عليه بالتراجع على صعيد الأرض والإنسان.