جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات

القائد مريم فرحات ... نموذج مشرق للمراءة العربية

القائد مريم فرحات ... نموذج مشرق للمراءة العربية
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

دائما ما يتبادر إلى أذهاننا عندما نذكر القادة الذين صنعوا التاريخ وكان لهم بصمة واضحة سواء في العصر الإسلامي أو العصر الحديث أسماء القادة من الرجال أمثال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والفاروق والصديق ومن العصر الحديث أمثال ابراهيم الفقي وبيل غيتس وغيرهم الكثير الكثير لكننا هنا نكاد ننسى أو حتى نهمش دور المرأة في القيادة وصناعة التاريخ . لن أطيل الحديث بل سأكتفي بمثال واحد يجسد أروع نماذج القيادة في عصرنا الراهن.

هي مريم محمد يوسف فرحات وكنيتها " أم نضال" هي إحدى نساء فلسطين، ولدت بعد النكبة في 24 ديسمبر 1949م لأسرة بسيطة من قطاع غزة، لديها 10 من الإخوة و5 من الأخوات، تفوقت في دراستها حتى تزوجت بفتحي فرحات، وهي في بداية الثانوية العامة، لكن لم يمنعها الزواج من إكمال دراستها، فواصلت، وقدمت الامتحانات الثانوية وهي حامل بمولودها الأول، وحصلت على 80%، وأنجبت 6 من البنين و4 من البنات.

كانت أم نضال تسمع كثيراً عن وضع الشباب المطاردين الذين لا يجدون بيوتا آمنة ومناسبة لإخفائهم عن أعين الجيش الإسرائيلي ومخابراته، فأشرفت هي على إيوائهم على الرغم من مخاطر وعواقب ذلك الإيواء، وقامت بعرض فكرة حفر الخندق خلف المنزل ليكون مخبأ للشباب المقاوم المناضل. ومما يذكر في سيرتها أنها كانت إمرأة مجاهدة مقاومة للاحتلال الاسرائيلي، فقد بدأ صدامها بالعدو الصهيونى عندما استشعرت أمومتها لأبناء الوطن المناضلين والمجاهدين وكانت البداية عام 1992م.

وظل بيتها مأوى للمجاهدين، حيث آوت فى بيتها المتواضع الشهيد عماد عقل قائد الجناح العسكرى لحركة حماس (كتائب القسام) وأخطرهم على الاحتلال الصهيوني آنذاك، وكان "عقل" على رأس قائمة المطلوبين للاحتلال الصهيوني حياً أو ميتاً، حتى أطلق عليه "ذو الأرواح السبعة"، وأمر الاحتلال عملاءه في غزة بتكثيف جهدهم فقط لمعرفة مكان عماد عقل. تحول منزلها إلى غرفة عمليات منها ينطلق عماد لتنفيذ عملياته العسكرية ضد الاحتلال، فيقتل ويصيب ويبث الرعب في قلوبهم، ثم يعود إلى منزلها ليختبئ فيه. إلى أن وشى به أحد عملاء الصهاينة، فحاصرت قوات خاصة إسرائيلية المنزل وكانت مختبئة في سيارات مدنية، كان وقت أذان المغرب وعماد صائماً، فلما علمت أم نضال بالأمر، كان لها الدور في تثبيت عماد، فاشتبك عقل مع جنود الاحتلال وكان معه مسدس واحد فقط، فقتلوه على باب المنزل بأكثر من 70 رصاصة.

لم يتوقف دور أم نضال الجهادي عند هذا الحد، بل ربت أبناءها الستة على حب الجهاد في سبيل الله، فانضموا جميعا إلى كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس في فلسطين.

كانت لحظة فارقة في حياة أم نضال، يوم أن ودعت ولدها وزفته بنفسها إلى جنان الخلد والحور العين، فقد ظهرت مع ابنها "محمد" الاستشهادي القسامي في مطلع عام 2002، وهي تقبله قبلات الوداع، وهي تعلم أنه ذاهب بلا رجعة، فحتى جسده قد لا تراه مرة أخرى، ورحل محمد وفجر نفسه في جنود الاحتلال ليقتل من يقتل ويصيب من يصيب، بينما جسده الطاهر قد تمزق وصار أشلاء.

يا لتلك الأم المؤمنة، التي وصلت إلى مرحلة اليقين التام بربها والثقة اللانهائية في صحة عقيدتها، وثباتها على منهجها، فقدمت أبناءها واحدا تلو الآخر، فبعد عام واحد أي في 2003 استشهد نجلها البكر "نضال" وكان أحد قادة كتائب القسام، وأحد المهندسين الأوائل الذي شكلوا وحدة الصواريخ، في كتائب القسام، ولم يمر عامان حتى استشهد ولدها الثالث "رواد" بعدما قصف الاحتلال سيارته في قطاع غزة في عام 2005، كما قضى ولدها الرابع 11 عاما أسيرا في سجون الاحتلال الصهيوني، كما قصف العدو بيتها أربعة مرات بالصواريخ، قدر الله أن تنجو منها جميعا.

خنساء فلسطين التي قدمت أولادها شهداء أكملت عملها ومسيرتها ورسالتها في الحياة، حينما ترشحت على قائمة حركة حماس للمجلس التشريعي الفلسطيني، وسافرت ضمن وفود الحركة إلى بعض الدول، لتجذب المساعدات لبني جلدتها بعدما فرض عليهم العدو وحلفاؤه حصارا خانقا حتى يركعوا ويطأطئوا الرؤوس، لم تكل ولم تمل، بينما كان آخرون يحرضون الاحتلال على مزيد من الحصار وتضييق الخناق

وعندما سئلت ماذا تطمح أم نضال أن تكون داخل المجلس التشريعي الآن؟

أجابت والله لا أطمح لمكان معين أو منصب معين أكثر ما أطمح إليه أن أخدم هذا الشعب ووضعه فأتمنى أن أستطيع أن أقدم يد العون له لرفع مستواه المعيشي وأن أكون معينه له في تقديم الخدمه والمساعدة لأبناء هذا الشعب.

قدمت أم نضال القدوة الحسنة إلى نساء الأمة كيف يكنَ في خدمة أهليهم وذويهم، كيف يكن لهن دورهن الاجتماعي الرائد والمتميز، الذي يجعل الجماهير تلتف حول أهل الصلاح والتقوى ويكونون محل ثقتهم، بدلا من أن يذهبوا إلى أهل الفساد والبدع فيلبسوا على الناس دينهم ويفسدوا عليهم دنياهم

مريم فرحات وغيرها الكثير من النساء عبر الزمن سطرن أروع نماذج التضحية والقوة وضعن بصمتهن ليغيرن ما حولهن.

مريم فرحات أروع نموذج لقائد يحتذى به.

المراجع: " ويكيبيديا والمركز الفلسطيني للاعلام "