جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات
القيادة المتوازنة
الكاتب : أسامة خليل إسماعيل صقر
إن أشق من طريق الوصول إلى القيادة هو البقاء في موقع القيادة وأشق منها التوازن في قيادة الآخرين ، فيغلب على القادة إلا قليلا تغليب جانب على آخر في قيادة الآخرين سواء فيما يخص القائد في تعامله مع نفسه أو فيما يخص تعامله مع من تحت قيادته.
فلاشك أن المشكلة الكبرى التي أصابت مجتمعنا على المستويين العام والخاص هي الركون والضعف والسلبية فأصبحنا مجتمعات تعاني من المرض، فنحن كقادة نحتاج أن يكون لدينا قدر كبير من الشجاعة للاعتراف بأخطائنا فهو المفتاح الأساسي للتغيير.
ولم ترى قائدا متوازنا كمحمد صلى الله عليه وسلم ، فلا غرابة ولا مبالغة ولا تردد بأن يعد توازنه من أبرز دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم ، توازن جعل منه القدوة العليا في جميع جوانب الاقتداء ، من أب وزوج ورئيس دولة وقائد للجيش وقاض ومربي ومعلم وعابد مجتهد في عبادته وغيرها من الصفات التي مكنته من احتواء من حوله والتعامل معهم بما يملك من قدرات ، وما يستطيع من مهارات، فوجهها الوجهة الصحيحة، وغرس فيهم مبدأ التوازن، لينتفع به صاحبه وتنتفع منه أمته ودينه، فخرج منهم قادة غيروا وجه الأرض بعمل متوازن حتى قال أحد قادة الإسلام رضي الله عنه " إن نمت ليلي ، ضيعت نفسي وإن نمت نهاري ضيعت رعيتي"
نحن نحتاج توازن في القيادة على قاعدة " أعطِ كل ذي حق حقه، فالتوازن المقصود هو أن يضع كل شيء في موضعه دون إهمال أو مبالغة في جانب على حساب جوانب أخرى ، فغياب التوازن ينتج ثمرة غير ناضجة ويجحف بالروح ويضيق النفوس ، ويضاعف الخسارة ويعرض النجاح للضعف والمنجز للسقوط وقبل ذلك فهو استهلاك للطاقة والروح ، واستعجال في القضاء عليها.
ومن الملاحظ أنه يغفل كثير من القادة في مواقع مختلفة سواء قيادات دعوية أو اجتماعية أو سياسية عن العناية بالروح وتقوية الصلة بالله تعالى والتعبد الذاتي والتنفل والتضرع للخالق سبحانه وتعالى، فالقائد المتوازن علاقته مع الله علاقة عبد مع معبود ومخلوق مع خالق وهي علاقة صحيحة، ويعتبر الجانب الإيماني هو الأساس الذي يبنى عليه شخصيته لينطلق منها للقيادة الفعالة والإيجابية، لذلك تجده يتقرب إلى الله جل جلاله بالأعمال الصالحة ويتجنب العصيان ويرتقي بالجانب الروحي ويتعاهده باستمرار ، وهذا بدوره يعد دافعا للتميز والإبداع ويعد من معوقات القيادة ألا وهو الفراغ الايماني.
النبي صلى الله عليه وسلم يربي جيلا ويجاهد في سبيل الله ويدعو ويعلم ويقوم بمهام شاقة ، يعطي درسا للأمة عامة وللقادة خاصة ، انه لا غنى لهم عن تربية الروح ودوام الصلة بالله، والالتجاء اليه في كل حال ، حيث انه عليه السلام لم يفتر يوما عن الدعوة ، وكان مثالا لتطبيق كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته .
انفض عنك غبار مبرر الانشغال، فلا نهاية لهذا المبرر حتى قيام الساعة، فلو صدقت الهمة، فإن الحياة سبحا طويلا، فاجعل من وقتك ما تخص به نفسك مع ربك من ذكر ودعاء وصلاة وابتهال ، وليكن حاضرا في ذهنك وفؤادك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر ، ويتفرغ للذكروالدعاء مع عظم المسؤلية ، ودعك من المثبطين واهجرهم هجرا جميلا،
كن قائدا في جرأتك وقدرتك على التغيير والخروج من النمطية ، ورفض التحجر والسطحية ومقاومة الاستغراق في الماضي التي لا شك أنها أمراض تصيبنا جميعا ، وقد أراد الله أن يكشفنا اليوم أمام أنفسنا ، لكن إن أرادنا الشفاء فعلا فعلينا أن نخضع ليد طبيب الأطباء ليكشف عن موطن الداء ولنثق في حكمته ونقبل من يده الدواء وعندها فقط سوف ننال الشفاء.
