فن التفاوض: الرسول -صلى الله عليه وسلم- في اتفاق الحذيبية نموذجاً

فن التفاوض: الرسول -صلى الله عليه وسلم- في اتفاق الحذيبية نموذجاً
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

عندما نادى الدبلوماسي الإيطالي دانييل فاري بأن "الدبلوماسية هي فن أن تترك الفرصة للآخرين لتحقيق أغراضهم بأسلوبك أنت".. كان يعني ما يقول في مفهوم تحقيق الهدف من خلال التفاوض.. 

فالتفاوض برنامج يومي تعيشه في كل مكان تتردد عليه.. تسعى خلال ذلك الحول على "نعم" لكنك تحصل على "لا". 

تواجهك الزوجة في المنزل بشأن رفض شراء سيارة.. ويواجهك رئيسك برفض اقتراح تطويري للعمل، ويرفض بائع رد بضاعتك بعد الشراء.. ويصرخ ولدك في وجهك طالباً للمزيد من الأموال.. والمفاوضات في كل ذلك قد تصل إلى طريق مسدود.. 

والمفاوضات هي عملية تفاهم للوصول إلى اتفاق.. والتفاوض لا يعني العملية الرسمية حول مائدة واحدة لنقاش موضوع محدد ولكن التفاوض هو أهم أشكال صنع القرار على كافة المستويات. قد تكون مفاوضاً ولكنك في الغالب لا تحب التفاوض لأن فيه مواجهة عصبية قد نتخلى فيها عن مواقفنا حتى نحافظ على علاقاتنا أو نفرض موقفنا مع فقدان علاقاتنا. 

ولكن البديل الثالث "الاشتراك في حل المشكلة" أي ليس تسامحاً كاملاً ولا تشدداً مفرطاً. وبالتحديد التسامح مع الناس والتشدد مع المشكلة. وبدلاً من الصياح وتبادل الاتهام، نواجه مشكلة مشتركة من أجل "الوصول إلى نعم". 

إن الاشتراك في حل المشكلة يدور حول المصالح وليس المواقف، وتحديد الحلول الممكنة لتحقيق هذه المصالح، والهدف هو الوصول إلى حل بأسلوب فعال وودي. 

فأنت تريد زيادة مالية ورئيسك يطلعك على واقع صعب للميزانية فلا يجب أن تنتهي المفاوضات فقد تصلا إلى حل مشترك كقرض مؤقت أو علاوة مالية تبدأ في عام مالي قادم. 

الاشتراك في حل المشكلة قد يؤدي إلى نتائج أفضل للطرفين.. 

تسارع بالقول هذا أمر سهل الكلام فيه صعب الممارسة.. 

نعم هناك عوائق وليس مستحيلاً التغلب عليها أو تجاوزها.. وهذه العوائق هم الناس أنفسهم (أنت والطرف الآخر) ويمكن حصر هذه العوائق وإستراتيجيات الاختراق لحلها بخمس. 

أولاً/ رد فعلك: فالعائق الأول آلة رد الفعل.. فإذا شعرت بهجوم الطرف الآخر ترغب في القيام بهجوم مضاد.. وبالتأكيد ذلك تصعيد لدائرة رد الفعل ورد الفعل.. أي خسارة الطرفين. وقد يتمثل رد فعلك بالاستسلام من أجل العلاقة فأنت بذلك أيضاً تخسر تبدو ضعيفاً ومُستغلاً. 

ولتجاوز واختراق هذا العائق يجب اعتماد الخطوة الأولى وهي السيطرة على رد الفعل. عليك أن تستعيد توازنك العقلي وتركز على قواك لتحقيق أهدافك. ولكي تتخيل الموقف تصور نفسك في شرفة تطل على المفاوضات. فالخطوة الأولى "اذهب إلى الشرفة". 

وفي يوم الحديبية قد كانت الخطوة الأولى في السيطرة على رد الفعل والذهاب إلى الشرفة في منهج النبي -صلى الله عليه وسلم- التفاوضي في اتفاق الحديبية، حيث حيد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- عددًا كبيرًا من زعماء قريش حين أكد أكثر من مرة أنه قادم فقط للعمرة والعبادة، وكان على رأس هؤلاء سيد الأحابيش "الحليس بن علقمة" وكان متديناً. فلما قدم للنبي للتفاوض أظهر الرسول أمامه الهدى فتأكد أن الرسول قدم للعبادة وحسب. وهنا عاد إلى قريش ليهددها أنه سيقف ضدها إن وقفت ضد عبادة الرسول. وكذا كان موقف عروة بين مسعود الثقفي لمّا رأي من تعظيم الصحابة للرسول -صلى الله عليه وسلم-. 

ثانياً/ مشاعر الآخرين: المشاعر السلبية للطرف الآخر عائق كبير.. قناعتهم بحقهم وخطئك، يرفضون الاستماع إليك.. ولأنهم يرون الحياة غالباً أو مغلوباً يشعرهم بمبرر المواجهة والتصعيد واستخدام أساليب غير شريفة أحياناً. 

ولتجاوز واختراق هذا العائق يجب اعتماد الخطوة الثانية بعد استعادتك توازنك العقلي أن تساعد الطرف الآخر أن يفعل نفس الشيء وذلك بالتخلص من مشاعرهم السلبية نحوك بأن تفعل عكس ما يتوقعون.. بدلاً من المخاصمة، أصغ إليهم واعترف بوجهة نظرهم ومشاعرهم مع إبداء الاحترام لهم أي أن الخطوة الثانية تتمثل في أن "تأخذ خطوة إلى جانبهم". 

وفي يوم اتفاق الحذيبية استعاد النبي توازنه وساعد قريش في التخلص من مشاعرهم السلبية فأخذ النبي خطوة إلى جانبهم، ومن هنا أرسل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مفاوضيه وآخرهم عثمان بن عفان ليؤكد على هدف النبي، وقد حجزت قريش عثمان بن عفان رضي الله عنه. وهنا حدثت بيعة الرضوان التي رضي الله فيها على المؤمنين واقتضت البيعة أن تكون الحرب إن لم يطلق سراح عثمان رضي الله عنه. ثم أرسلت قريش سهيل بن عمرو للتفاوض لما رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، وهذا من عظيم حنكة النبي التفاوضية ومعرفته بالرجال ومواقفهم التفاوضية. 

وكان الشرط الأول للتفاوض النبوي إطلاق سراح عثمان رضي الله وقد كان فورًا وهذا إنجازًا معنويًا ضروريًا في المرحلة الأولى للتفاوض. ومن ثم كان التفاوض الجاد بين الرسول وسهيل بن عمرو. ولذلك فإن من الضروري إطلاق سراح المعتقلين كخطوة معنوية أولى تسبق التفاوض لا أن تكون جزءاً من عملية التفاوض. 

ثالثاً/ موقف الآخرين: في المشاركة لحل المشكلة فأنت والطرف الآخر تواجهان المشكلة والعائق هو سلوك الطرف الآخر الذي يتمسك برأيه والضغط عليك لتذعن في نهج تقليدي للتفاوض اكسب أو اخسر.. ولا وجود للتعادل في أذهانهم. 

ولتجاوز واختراق هذا العائق يجب اعتماد الخطوة الثالثة هي أن تقبل كل ما يقولون وأعد صياغته واطلب المزيد من الإيضاح.. تصرف كأنك شريك وليس خصم وأنك تسعى معهم لحل مشترك. 

وفي هذه المرحلة خطا النبي -صلى الله عليه وسلم- الخطوة الثالثة بتقبل كل ما يقوله سهيل بن عمرو وأن يعيد صياغته، حيث تصرف الرسول كشريك وليس كخصم. حين تمترس سهيل بن عمرو خلف موقفه في التفاوض مع النبي الرسول خطوة إلى الأمام تنازل عن الرتوش ولم يتنازل عن الأهداف الإستراتيجية. وماذا لو لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم وكتب بدلاً عنها بسمك اللهم وماذا لو كتب محمد بن عبد الله ولم يكتب محمد رسول الله، ولكن بقيت ثوابت النبي -صلى الله عليه وسلم- العمرة للمسلمين بأمن وسلام نعم لم يتحقق ذلك في عام الحذيبية بل العام التالي.. وماذا لو كانت حماية المسلمين خارج مكة المسلمين يحمون موكب الإيمان وألا يدخل المسلمون الحرم بسلاحهم المهم تحقق الهدف التفاوضي بالعمرة الآمنة والحراسة الكاملة .. وماذا لو توقفت الحرب عشرة أعوام.. أليست فترة ذهبية للدعوة بأمان والانتشار في جزيرة العرب. وكذلك في رد من أسلم من قريش بغير إذن وليه ردّه النبي إلى قريش ومن ارتد من المسلمين ولحق بقريش لا يرد إلى المسلمين وفي ذلك حماية للصف المسلم من ضعاف الإيمان. 

رابعاً/ عدم رضا الآخرين: هدفك هو الوصول إلى حل مرضي للطرفين.. والطرف الآخر لا يرى في ذلك جدوى ويخشون التراجع حتى لا يفقدوا ماء وجوههم وعادة ما يرفضون الحل لأنك صاحب فكرة الحل. 

لتجاوز واختراق هذا العائق يجب اعتماد الخطوة الرابعة إذا رفض الطرف الآخر لا تضغط عليهم واتبع نصيحة الحكيم الصيني "ابن جسراً من ذهب" عليك أن تعبر الفجوة بين مصالحهم ومصالحك وساعدهم في حفظ ماء وجوههم وإظهار الحل كأنه نصر لهم.. فالخطوة الرابعة "ابن جسراً ذهبياً". 

ومن هنا فقد اعتمد النبي -صلى الله عليه وسلم- بناء جسر من ذهب وجعل الطريق مفتوحًا بينه وبين ممثل قريش التفاوضي. نعم، كتب الاتفاق بالصيغة التي أرادها سهيل، ولذا فقد كاد يزعزع الاتفاق صف المسلمين لولا أن قادهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بحكمته ولذلك بدأ بنفسه فنحر هديه وحلق رأسه. وكان أن ربط الله على قلوبهم بقوله "إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا" فكما يقول الزهري "ما فتح في الإسلام قبل اتفاق الحديبية فتحًا قبله كان أعظم منه". 

خامساً/ قسوة الآخرين: النظر إلى عملية التفاوض أنها غالب ومغلوب فهزيمتك هي المطلوبة تحت قاعدة "مالي هو لي ولكن مالك خاضع للمفاوضة".. وإذا كان باستطاعتهم تحقيق ذلك بقوتهم فلماذا يلجأون إلى التعاون معك؟ 

لتجاوز واختراق هذا العائق يجب اعتماد الخطوة الخامسة.. قد يستمر الآخرون في رفض التعاون.. والبديل هو استخدام قوتك لتعلم وليس لتصعد.. اشحذ كل قواك لجذبهم إلى مائدة المفاوضات.. وضح لهم أنهم لن يفوزوا وتخسر.. بل تفوزوا معاً.. فالخطوة الخامسة "استخدم قوتك لتعلمهم". 

وفي ذلك حين كان يرفض سهيل بن عمرو التعاون كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يستعمل قوته ليعلمهم ويعيدهم إلى جادة الصواب وذلك من خلال الإشارة أكثر من مرة إلى البديل الجاهز وحالة الإستعداد الدائمة عند المسلمين للقتال. نعم تحققت أهداف الرسول -صلى الله عليه وسلم- التفاوضية جميعها، تنازل الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن الرتوش والإجراءات ولكنه -صلى الله عليه وسلم- تمسك بالأهداف الكبرى وهذا من حسن ترتيب الأولويات في فن التفاوض. كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- متسامحًا مع الناس ولكنه متشددًا مع المشكلة أو مع الأهداف. 

وهذا ما يعرف باستراتيجية التفاوض الاختراقي والتي تقوم على أساس فكرة عدم القدرة على الوصول إلى الهدف بشكل مباشرة، بل هناك أعاصير ورياح وصخور وعواصف، وحتى تصل عليك أن تناول وتحاور وتشق الطريق. نفس الشيء ينطبق على عالم المفاوضات. 

وأساس إستراتيجية الاختراق هو الفعل غير المباشر.. أي نفعل بعكس ما نرغب فعله، وأعظم فرصة أمامك كمفاوض هي أن تغير اللعبة، فبدلاً من اللعب بطريقتهم دعهم يتبعون طريقتكم .. طريقة الحل المشترك. وكما هو الحال في فنون القتال الياباني عليك أن تتجنب المواجهة المباشرة بين قوتك وقوة خصمك، عليك أن تحاول الالتفاف حول هذه المقاومة. 

فن التفاوض الاختراقي هو عكس محاولة فرض موقفك على الطرف الآخر.. بل حاول تشجيعه للوصول إلى فكرتك بطريقته، ووظيفتك كمفاوض اختراقي أن تزيل العوائق السالفة الذكر.. 

إن تسلسل الخطوات مهم جداً، ولن تتخلص من مشاعرهم السلبية إلا إذا تحكمت في مشاعرك، من الصعب بناء جسر الذهب ما لم تغير مفهوم اللعبة، وهذا لا يعني انتهاء الخطوة بمجرد تنفيذها، فطوال سير المفاوضات تحتاج من وقت لآخر الخروج إلى الشرفة.. وكلما عاد الغضب إلى الطرف الآخر أخطو إلى جانبه.. المفاوضات تشبه إلى حد كبير سيمفونية موسيقية تؤدي كل آلة دور في تسلسل مدروس وأنت ضابط هذه السيمفونية. 

من الممكن استخدام إستراتيجية التفاوض الاختراقي في أي موقع ومع أي إنسان مع زوجك أو رئيسك أو ولدك أو زبونك.. ويمكن للسياسيين استخدامها لتجنب حرب، وللمحامين لتجنب موقعة قضائية.. ولكن يجب موائمة الظروف الخاصة بالموقف مع الاستراتيجية المناسبة.. 

ليس هناك وصفة سحرية تضمن لك نجاح تفاوضك، ولكن الصبر والعزيمة والمثابرة واستخدام إستراتيجية الاختراق تضاعف فرصتك في الحصول على هدفك.