المصالحة الوطنية
الشأن الفلسطيني الداخلي لا ينفك عن تدخل أطراف العالم قاطبة فيه دون مواربة أو مداراة... وهو الشأن ذاته الذي استمر طويلاً دون الوصول إلى قواسم مشتركة أو اتفاقات تُلزم الجميع. وإلزام الجميع تلك الوصفة السحرية لفشل حوارات الشأن الفلسطيني في ظل تناقضات الرؤى الفلسطينية وكثرة اللاعبين ومؤامرات الإسقاط! حيث هناك عدم التزام بنتائج الحوارات التي تقلل من مساحة المناورة وتنتقص من المطامع أو يعتقد البعض مخطئاً أنها حقوق مكتسبة ورثها كابراً عن كابر في قضية أصبحت لدى البعض ميراثاً.
الاتفاق للأسف ليس الهدف في النهاية وإنما كسب المزيد من الوقت وإن كان البعض يعلن رغبته في الاتفاق في مجافاة القول الفعل. بل ربما هدف البعض إلى عدم الاتفاق وذلك بفرض أجندته الخاصة وإلا فالإعلان عن عدم الاتفاق جاهز. وربما كانت الحوارات لتمرير حالة داخلية أو سياسية معينة أو لترحيل مشكلة داخلية وما يصاحب هذه الحوارات من أجواء عدم الثقة والشكوك والظنون ومن هنا كانت نتائج الحوارات غير نافذة ولا تحقق النتيجة المرجوة بل تترسخ أجواء الشك وسوء الظن، علاوة على أن هناك من يجعل الحوار يجري في دائرة مفرغة من حيث الحرص على تحديد النصيب الخاص من تفاحة الوطن بغض النظر عن نتائج الانتخابات وواقع القوى في الشارع.
ورغم الإدراك بمعاناة شعبنا جراء الحصار والإرهاب والاحتلال، فإن الحوارات تجرى على مستوى القمة فقط مما يوفر أسباب الفشل منذ الانطلاقة وعدم وصولها لحالة نجاح مرجوٌ أو اتفاق الحد الأدنى الذي يُطبق ميدانياً بينما يغيب قادة وجند الميدان الأقرب إلى نبض الشارع عن حالة الاتفاق والتفاهم. ونرجو استدراك ذلك بالتواصل الفاعل بين القيادة والقاعدة ولكن؟!
من الممكن مراكمة نجاحات جزئية في حوارات الوطن التائه، ولكن لم يتم حتى المحافظة على الحد الأدنى من الإنجازات الحوارية حتى غدا الشعب ينظر إلى هذه الحوارات كأنها أكذوبة تفقد دلالاتها، لذا أرجو عدم التغاضي عن بعض نقاط الاتفاق والإصرار على نقاط اتفاق أخرى فمثلاً أن يتم الإصرار على الانتخابات ويتم التغاضي والتهرب عن إعادة بناء منظمة التحرير.
هذه الحوارات بناءً على مقتضيات التدخل الخارجي سواء صهيوني أو أمريكي، أوروبي وأحياناً عربي من أجل تسويق بعض البرامج السياسية المختلفة دون مراعاة لمبادئ وبرامج الآخرين ورصيدها الشعبي والتاريخي، ومن ثم كان التوقف عن الحوار والمصالحة استجابة لإملاءات خارجية بيّنة موثقة.
إن صعود حماس اليوم لموقع القيادة السياسية الأول للشعب الفلسطيني وفي ظل الحصار الظالم والاحتقان الداخلي وعدم تنفيذ بنود اتفاقات الحوارات السابقة ووثيقة الوفاق الوطني كمرجعية للجميع بعد الاتفاق عليها من الجميع وإتفاق القاهرة وإتفاق مكة وإعلان صنعاء واتفاق القاهرة واتفاق الدوحة والشاطئ والقاهرة أخيراً يدخل الشعب الفلسطيني في مرحلة نود أن نرى نوراً في نهايته، خاصة ولا نريد أن نرى قوى العبث بمقدرات شعبنا ترومه مصيراً سيئاً عبر الترويع والفتنة وتعمد الإساءة لشعبنا وسجله المشرف وتاريخه الوضاء.
ونحذر من الاستغلال السيئ لقوى الأجهزة الأمنية لتكون جزءاً من حالة تخريب والتعاون مع المحتل والتنسيق الأمني بدلاً من كونها صمام أمان وعلامة استقرار وقوى تدافع عن الشعب وبرنامجه ومستقبله. ولا نريد استحضار النظر بعين الشك والريبة إلى التسليح الأمريكي والعربي وبإذن مرور إسرائيلي لبعض هذه الأجهزة بمعدات جديدة وفي الوقت الذي تصل فيه الأموال الطائلة للأجهزة دون غيرها وكان الشعب لا يعاني من الحصار الجائر الذي يتعرض له قطاع غزة والحياة الاقتصادية الباهظة في الضفة الغربية في كافة مناحي الحياة, آملاً أن يشارك الجميع من أجل أن يعود الشعب الفلسطيني إلى حالة المصالحة الجادة وألا نصل إلى حالة الفوضى حيث اليد العليا في شؤون الوطن لمن يتحقق عنهم الرضا في المحافل الأمريكية والصهيونية.
راجياً الحذر من توظيف المصالحة إلى أن تأجج حالة الصراع وانتقالها من تنازع صلاحيات إلى احتراب داخلي يشير إلى أجواء قاسية ومرعبة، وبذلك لا تصل المصالحة إلى مرساها ولا تزف لنا البشرى بنهاية آمنة. داعياً حماس وفتح إلى تقديم المزيد من المؤشرات الدالة على نجاح حوارات توقفت وتعثرت وتباطأت منها استمرار الحصار الذي يتورط فيه البعض محلياً وعربياً من أجل إسقاط الشرعية الفلسطينية وإسقاط نموذج الصمود في غزة العزة.
وفي إطار الحديث عن الصلاحيات من الضروري حسم النظام السياسي الفلسطيني لصالح الرئاسة أو الحكومة بحيث تصبح حكومة رئيس بدون رئيس وزراء أو يكون الرئيس منصباً فخرياً ويتمثل جسم الإدارة التنفيذية المركزية في الحكومة ورئيسها، وهذه تمثل دعوة للتشريعي كي يعيد قراءة النظام حتى لا نقع مجدداً في إطار ازدواجية السلطة الآمرة.
من أجل الوطن بأكمله نأمل أن تُطبق كافة بنود المصالحة في اتفاق القاهرة 2011م عاجلاً والأمل أكثر أن نتجاوز ولو لمرة واحدة الفشل الذي لازم الحوارات السابقة جميعها. ولكي لا تكون طاولة الحوار تكسوها ألغام والتي تنفجر بمواقيت محسوبة بدقة وتفجر معها آمال الوصول لاتفاق، وهو تفتيت الثوابت الوطنية وتحويلها إلى مجرد أرقام ومتغيرات يمكن التفاوض حولها، ونأمل للمصالحة التطبيق الجاد رغم الانقسام بين رام الله وغزة وبين الداخل والخارج وبين حماس وفتح وبين الثوابت والمتغيرات وبين الحقائق والسراب.. لقد اختلطت الأوراق ونحن بحاجة إلى لملمة الصف وترتيب الأوراق وفق مشروع فلسطيني جامع.
آمل أن تتوفر للمصالحة أسباب النجاح وألا تسقط في هوة المآرب الشريرة التي تكشفها الأيام والساعات وأن تتجاوز كل المحاذير التي ثبتتها الوقائع السابقة وأن يكون شعبنا ومستقبله وقضيته ومصيره الركن الشديد القادر الذي يمثل البوصلة لمصالحة وطنية حقيقية وجادة.
اللهم اجمع على الحق وفلسطين كلمتنا،
