لم يكن التخطيط الاستراتيجي وليد الحضارة الحديثة كما يتصور البعض، فالتخطيط معلم بارز، ووسيلة أساسية، ومرتكز انطلقت من خلاله حضارة الإسلام ودعوته، وتجلت بأعمق معانيه سنة الحبيب المصطفى وسيرته، وأرشدت العديد من آيات القرآن الكريم الى أهميته، فقال تعالى: " وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ "(الأنفال:60)، ففي الآية دعوة للعمل والتخطيط والاستعداد لمواجهة أمر مستقبلي قد يحدث لدار الاسلام وأمنه، ودعوة لحشد القوة لحماية أمن المسلمين على المدى الطويل حتى تحمى دولة الاسلام.
وان من أهم مكونات التخطيط الاستراتيجي هو تحليل البيئة الداخلية للمنظمة، حيث يساهم التحليل الداخلي في تعيين مواطن القوة و الضعف، وذلك بهدف استغلال نقاط القوة وتعزيزها، وعلاج نقاط الضعف بما يخدم أهداف المنظمة.
وسنستعرض بعضا من نقاط القوة التي امتلكها الرسول r في بداية دعوته في المرحلة المكيَّة، وإن ما يوضح بعض نقاط القوة التي ساندت تلك المرحلة، بالرغم من ألمها وتعبها والاضطهاد الذي فيها، إلا أنها تميزت بركائز قوية حافظت عليها، ودفعت بها للنور، وكان بعضها سببا في استمراريتها، والتي كان منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
أولا: سيرته العطرة r قبل البعثة، فهو الصادق الأمين، صاحب الخلق الرفيع والابتسامة المشرقة، فالمتحف الشخصي الخاص به r مليء بالمواقف التي حببت فيه الخلق، وهذا ما يجب أن يدركه المخطط لنفسه، بحيث يكسب الله ثم الناس من خلال مواقفه وأعماله وليس فقط أقواله، فقبل دعوتهم وقبل الحديث اليهم، لا بد أن يكون قدوة ومثلا لما سيقوله.
ثانيا: الاستقرار العائلي والأسري، فمكانة الرسول r لدى قومه مرموقة، وعند عشيرته مشهودة، ولدى أهله وخاصته محمودة.
وإن ما كان عليه مع زوجته خديجة رضي الله عنها، كفيل ليكون لبنة أساسية قوية، لبناء المجتمع الاسلامي المنشود، ضمن الخطة الاستشرافية التي رسمها النبي r للدولة التي يريدها الله عز وجل في الأرض وفق المنهج الرباني.
ثالثا: الاستقرار المالي، فالإغراء الكبير الذي وضعه كفار قريش لسيدنا محمد r لم يُجدِ نفعا معه، لأن ضعفاء النفوس هم من يبحثون عن الجاه والمال، فقد كان الرسول r تاجرا ماهرا موفقا، ويكسب من حر ماله، ليس لأحد عليه قوة تكسر إرادته، وتجرح مشاعره، وهذا من الأسس التي يجب أن تتوفر بالمخطط الناجح.
رابعا: الحلم والحكمة، كان سيدنا محمد r رأس الحكمة، ليس سريع الغضب، ولا يغضب إلا أن تنتهك محارم الله سبحانه وتعالى، وقد علمنا الرسول الكريم r النظر الى مآلات الأمور قبل اتخاذ القرار، فإن نجاح الدول المتقدمة اليوم يُنسب إلى التخطيط الصحيح، ففيه تتحاشى الأخطاء، وتصغر المشاكل، وتنجح المشاريع، وتقل التكلفة، وبه أيضا تُحفظ النفوس.
ومن حكمته أنه r نهج في خطته مسلكا آخر تمثل في عدم مفاتحته زعماء قومه بالدعوة قبل أن يشتد ساقها ويصلب عودها، وذلك لمعرفته r بتقاليد بيئته وطباع أهل النفوذ فيها، وقدرتهم على تزييف وعي الرأي العام، وقد نجح الرسول r في أن يجنب الدعوة مواجهة مبكرة مع الملأ قد تضعف بها، وتشل حركتها.
خامسا: عدم التمييز، واستيعاب فئات المجتمع، وكونه r رحمة للعالمين، كان حريصا ألا تنحصر الدعوة في مكان محدود أو فئة اجتماعية معينة، فعمل عليه السلام ما في وسعه من أجل توسيع نطاق الدعوة ليشمل معظم الجهات والفئات الاجتماعية، ، مما كان له الأثر البالغ في تكوين رصيد احتياطي وأرضية صلبة في غاية الأهمية بالنسبة للمرحلة المقبلة.
ومجمل القول فإن التخطيط الاستراتيجي مشروع في الاسلام، بل وتباركه الشريعة وتحث على تطويره ما دام فيه نفع الأمة ودينها الحنيف.