مركز غزة للدراسات و الاستراتيجيات
تاريخ النشر : 2017-10-23
مهارات التخطيط الاستراتيجي في السيرة النبوية
مهارات التخطيط الاستراتيجي في السيرة النبوية

التخطيط الاستراتيجي عبارة عن قرارات ذات أثر مستقبلي وعملية مستمرة ومتغيرة ذات فلسفة إدارية ونظام متكامل، وفي حالة استقراء السيرة النبوية نجد تفكير وتخطيط استراتيجي له صفة التميز، إذ أن نجاحاته المتتالية حتى وفاته علية الصلاة والسلام تدل دلالة واضحة أن هناك خطة واضحة المعالم بعناصرها وخطواتها، وأن هذا النجاح ليس عفوياً، وأن تصرفاته ليست ردود أفعال تتحكم فيها الظروف، كما لا يمكن أن يؤدي عدم التخطيط إلى ما حققه من إنجاز عظيم.

وأول خطوة في الخطة الاستراتيجية هي تحديد الرسالة وهي عبارة عن مهمة ذات صيغة عامة غير مقاسة تعتمد على القيم والمبادئ التي نؤمن بها ونعيش من أجلها ولا تنتهي إلا بالموت، فرسالة النبي صلى الله عليه وسلم هداية البشر إلى العقيدة الخالصة والشريعة الصحيحة، وعلى مدار سيرته كلها عمل نبينا على تحقيق هذه الرسالة، التي بدأها بعد اختيار الله عز وجل له رسولاً إلى الناس حتى توفاه الله.

وثاني خطوة في الخطة الاستراتيجية هي تحديد الأهداف التي تحقق الرسالة عملياً، والهدف هو النتيجة المعيارية المحددة والمراد تحقيقها في زمن معين، وقد كان لنبينا صلى الله عليه وسلم أربعة استراتيجيات سعى إلى تحقيقها وهى:

  1. تبليغ ما ينزل عليه من الوحى.
  2. أن يدخل الناس في دين الإسلام .
  3. تكوين دولة الإسلام والعمل على توسيع امتدادها.
  4. تربية الجيل المؤمن القيادي الذي يحمل الدعوة في حياته وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم.

هذه الاستراتيجيات شكلت رؤيته الدعوية وفيها إجمال رؤيته صلى الله عليه وسلم، ولتحقيق الرسالة والرؤية والأهداف واجه النبي صلى الله عليه وسلم تحديات كبيرة، متمثلة في أعداء الدعوة وهم ستة أصناف، قريش والقبائل العربية والمنافقين واليهود والفرس والروم، وقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم استراتيجية خاصة للتعامل مع كل صنف منهم بهدف التفوق عليهم، فتعامل مع قريش في العهد المكي بدعوتهم إلى الإسلام، وحاول أن تكون مكة المكرمة نواة للدولة الإسلامية، وأما في العهد المدني عمل على إخضاع قريش لدولة الإسلام في المدينة، وتعامل مع القبائل العربية بدعوتهم إلى الإسلام، والتحدي الحاسم لتحركاتهم العسكرية ضد الدولة الإسلامية الناشئة في المدينة، وتعامل مع المنافقين بإصلاحهم والمرونة في تحمل التصرفات العدائية، مع علاج تداعياتها حتى لا يقال أن محمداً يقتل أصحابه.

ومع اليهود بدعوتهم إلى الإسلام في بداية الأمر، والعقوبة الحاسمة الرادعة عند إظهار العداوة، ومع الروم بدعوتهم إلى الإسلام، والمواجهة العسكرية لتحركاتهم أو تحركات الموالين لهم العدائية، ومع الفرس بدعوته إلى الإسلام والعمل على هداية وكسب نصرة الولاة الموالين في الجزيرة العربية.

فاستطاع تدريجياً أن يقضي أو يقلص خطر هذه التحديات التي تمنع تحقيق الرؤية، ونجح قرب وفاته أن ينجز هذه الخطة الاستراتيجية بأعلى مستوى لها.

والنجاح هو تحقيق وإنجاز ما تم التخطيط له والسعي إليه، ولذا نجده صلى الله عليه وسلم أولاً نجح في إنجاز استراتيجياته، نجح بالقيام بتبليغ جميع ما أنزل الله عليه، قال الله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، وفي خطبة الوداع سأل رسول الله الناس (ألا هل بلغت)، فردوا نعم، فقال اللهم فأشهد.

وثانياً نجح في إدخال الناس في الإسلام، فبعد فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجاً.

وثالثاً نجح في تكوين دولة الإسلام الأولى في المدينة، ثم توسيعها لتشمل جميع أنحاء الجزيرة العربية.

ورابعاً نجح النبي أيضاً في تربية جيل الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين، وهو جيل فريد في إيمانه وأخلاقه وقدراته القيادية، فينجح هذا الجيل في تحقيق أهداف الدعوة والدولة الإسلامية خلال حياة النبي وبعدها، ثم ينجح هذا الجيل بعد القضاء على الردة، في الانطلاق للفتوحات الإسلامية ونشر الإسلام وتوسع رقعة الدولة الإسلامية، لتشمل في نهاية عهد الراشدين بلاد مصر والشام والعرق وإيران وغيرها، بالإضافة إلى الحصر المطلق على تطبيق أحكام الدين في هذه الدولة.